طلعت مسلم

طلعت مسلم

لواء أركان حرب متقاعد


دوافع مراجعة دور تركيا الأوروأطلسي
دوافع بقاء تركيا في المنظومة الأوروأطلسية
مستقبل علاقات تركيا بأوروبا والأطلسي

تصاعدت بعض الأصوات الغربية تطالب بإعادة النظر في بقاء تركيا كجزء من البناء الدفاعي الغربي، وهي تدفع بأسباب لتحقيق ذلك بدءا بالحديث عن مدى علمانية الدولة في تركيا، ومبادئ حلف شمال الأطلسي، إلى الليبرالية السياسية، وأخيرا إلى سياسة تركيا مع ما تسميه نظم الشرق الأوسط المضادة للغرب.

وإذا كانت هذه الأصوات تجد ما تراه مبررا لفصل تركيا عن البناء الدفاعي الغربي، فإن كثيرا من القوى الغربية ترى ضرورة الإبقاء عليها في الحلف لأسباب أخرى، بينما قد يرى البعض العمل على تحقيق أهداف الغرب بوسائل أخرى غير إبعاد تركيا عن الحلف، أي بالعمل على أن يجري التغيير داخل تركيا سواء بتغيير النظام أو بتغيير السياسة.

من جهة أخرى فإن تركيا تتبع منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، سياسة تختلف بلا شك عن سياسات من سبقوا الحزب إلى الحكم، ربما يمكن تلخيصها في سياسة "صفر أعداء".

ولم تبد القيادة التركية نية ما عن التخلي عن دورها في حلف شمال الأطلسي، أو عن المطالبة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. لذا فقد يكون من المناسب بحث مدى تأثير سياسة حزب العدالة والتنمية على علاقات تركيا بالحلف وبالاتحاد الأوروبي ببحث الدوافع لمراجعة دور تركيا في الحلف، والعوامل الدافعة إلى بقائها فيه، واحتمالات المستقبل بالنسبة لهذه العلاقات على ضوء احتمالات التغيرات في كلا الجانبين.

"
تأتي علمانية الدولة على رأس الأسباب التي يدفعها المطالبون بمراجعة دور تركيا الأوروبي والأطلسي, فرغم اعترافهم  بعلمانية الدولة فإنهم يشككون في نوايا الحكومة المدنية
"
دوافع مراجعة دور تركيا الأوروأطلسي 
تأتي علمانية الدولة على رأس الأسباب التي يدفعها المطالبون بمراجعة دور تركيا الأوروبي والأطلسي رغم اعترافهم بأن القيادة العسكرية التركية ما زالت ملتزمة بالعلمانية والتوجه الغربي والمبادئ المحددة لمنظمة حلف شمال الأطلسي، ولكنهم يشككون في نوايا الحكومة المدنية إذ يعتبرونها تنتهج سياسات غير ليبرالية أحيانا بالهجوم على الإعلام المستقل، بينما تصطف مع المتعصبين ونظم الشرق الأوسط المضادة للغرب.

يلي ذلك مباشرة إلغاء تركيا لمشاركة إسرائيل في مناورات الحلف التي تجري في تركيا منذ فترة طويلة، وأن أنقرة في نفس يوم إلغاء الاشتراك دعت إلى القيام بمناورات عسكرية مشتركة مع سوريا التي تصنفها الولايات المتحدة كدولة راعية للإرهاب، وبعدما أنشأت تركيا وسوريا "مجلسا أعلى للتعاون الإستراتيجي".

كما يأتي بعد ما سبق اقتراب تركيا من إيران التي تتهمها بعض الدوائر الأطلسية بأنها تزعزع الاستقرار في أفغانستان والعراق وتمد عناصر التمرد في البلدين بالمتفجرات التي تقتل جنود الحلف والولايات المتحدة، فضلا عن تهديدها بالقضاء على إسرائيل التي تبتعد عنها تركيا.

بل إن تركيا وقعت مع إيران عدة اتفاقيات أمنية عبر سنوات وحتى شهور قليلة ماضية، كما أعلنت أنها ستعارض فرض عقوبات على طهران، وأنها تعتقد بضرورة تخفيف القلق الدولي حول برنامجها النووي، كما كانت ضمن أوائل من هنؤوا الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بإعادة انتخابه التي يعتبرونها مزورة.

تركيا متهمَة أطلسيًّا بأن الحريات الفردية وسيادة القانون بها قد تنحت جانبا، وأن الحكومة الإسلامية في جهودها لإسكات الانتقادات تسعى إلى إفلاس وسائل الإعلام التركية العلمانية عبر غرامات زائدة عن القوانين، وأنها تستهدف خصومها السياسيين باعتقالهم بتهم غير مؤكدة بمحاولة إطاحة الحكومة.

ويرى بعض الأطلسيين أن أنقرة لا تلتزم بمبادئ الحلف التي بها تؤكد الدول الأعضاء على "أن يرغبوا في العيش بسلام مع كل الشعوب وكل الحكومات،.. والتصميم على الحفاظ على الحرية والتراث المشترك وحضارات شعوبهم التي تأسست على مبادئ الديمقراطية والحرية الفردية، وسيادة القانون، والعمل على تعزيز الاستقرار والرخاء في منطقة الأطلسي".

يشكك البعض في التزام تركيا -مع تغيرات سياستها- بمهام الأطلسي السياسية الصعبة، حيث يشككون في موقف تركيا المحتمل إزاء الضغط الروسي غربا على لاتفيا أو ليتوانيا استرشادا بموقفها من احتلال روسيا لجورجيا. كما يشككون في قيام أنقرة بمهام التدريب في دول البلطيق، حيث يتحدث رئيس الوزراء التركي عن حجم تجارتها مع روسيا، وأن أنقرة ستتصرف وفقا لمطالب مصالحها.

"
يشكك البعض في موقف تركيا المحتمل إزاء الضغط الروسي غربا على لاتفيا أو ليتوانيا, كما يشككون في قيام أنقرة بمهام التدريب في دول البلطيق، حيث يتحدث رئيس الوزراء التركي أنها ستتصرف وفقا لمصالحها
"
كانت لجنة الولايات المتحدة الدولية لحرية الأديان قد حثت الرئيس أوباما على أن يثير موضوع الحريات الدينية أثناء زيارته لتركيا عام 2009، حيث توصلت إلى أن فهم تركيا للعلمانية "أدى إلى انتهاك الحريات الدينية لكثير من مواطني البلاد بما في ذلك أعضاء الغالبية، وجاليات الأقلية الدينية بصفة خاصة".

وأدت زيارة خالد مشعل لتركيا عام 2006 إلى تغير في العلاقات التركية الإسرائيلية حيث دخلت العلاقات مرحلة البرود، ولكن التوترات زادت كثيرا مع هجوم إسرائيل على غزة 2008/2009 حيث اعتبرتها تركيا جريمة ضد الإنسانية، وأثر ذلك على سلوكها في منتدى دافوس الاقتصادي عام 2009.

ويقول الاتحاد الأوروبي إن على تركيا أن تقوم بإصلاحات جوهرية وخاصة في مجال حقوق الإنسان قبل بدء محادثات الانضمام إليه.

دوافع بقاء تركيا في المنظومة الأوروأطلسية
تعتبر تركيا الطرف الشرقي الرئيسي لحلف شمال الأطلسي حيث تسيطر على المضائق الواصلة بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، كما أن لها حدودها المشتركة مع كل من سوريا والعراق وإيران، وتتمركز قيادة للحلف في أزمير، كما حافظت الولايات المتحدة على قوات جوية في قادة إنغرليك الجوية الموجودة قريبا من مدينة أدنه على البحر المتوسط.

من أهم العوامل التي تهم أوروبا والأطلسي تعاون تركيا في مجال ما يسمى الحرب ضد الإرهاب، فقد أكد تقرير وزارة الخارجية الأميركية عام 2009 بعنوان "تقرير البلاد عن الإرهاب" أن التعاون في مجال الإرهاب عنصر حيوي في شراكة الولايات المتحدة الإستراتيجية مع تركيا، كما قرظ التقرير المساهمات التركية في تحقيق الاستقرار في كل من العراق وأفغانستان، وألقى ضوءا قويا على أهمية قاعدة إنغرليك الجوية في أدنه التي يستخدمها حلف الأطلسي والولايات المتحدة للعمليات في المنطقة.

كذلك فقد أشار التقرير إلى معلومات عن "حزب العمال الكردستاني" ومجموعات الإرهاب الأخرى التي تتقاسم الولايات المتحدة وتركيا معلومات الاستخبارات عنها، كما أشار إلى الهجوم على ديار بكر في سبتمبر/أيلول 2006 وعلى غدنغورن في يوليو/تموز 2008، ثم انتقل إلى التحقيقات التركية في شبكة أرجنيكون وينتهي إلى أن تفاصيل القضية كانت شديدة الغموض، وأن حالة أرجنيكون هي منظمة إرهابية ظلت مجال جدل حتى نهاية العام.

كانت مجموعة من الحزب الديمقراطي الأميركي قد قابلت مسؤولين أتراكا في أنقرة يوم 30 مايو/أيار 2009 وأكدت أنه "يمكن لتركيا أن تعتمد دائما على الولايات المتحدة، بينما يمكن للولايات المتحدة دائما أن تعتمد على صداقاتها الحميمة مع تركيا".

"
من أهم العوامل التي تهم أوروبا والأطلسي تعاون تركيا في مجال ما يسمى الحرب على الإرهاب, كما تؤكد أميركا أن التعاون في مجال الإرهاب عنصر حيوي في شراكة الولايات المتحدة الإستراتيجية مع تركيا
"
وفي مؤتمر العلاقات التركية الأميركية رقم 28 يوم 31 مايو/أيار 2009 شكر وزير الدفاع التركي الولايات المتحدة لدعمها في إجراءات مكافحة الإرهاب ضد حزب العمال الكردستاني، كما أشار رئيس الأركان التركي إلى تصور العلاقات التركية الأميركية "علاقاتنا شاملة جدا ولا يمكن أن تقتصر على مجال واحد"، كما أشار وزير الخارجية التركي إليها "أظن أن أهم الآفاق هو فكرة أن تركيا والولايات المتحدة يمكن أن يبنيا نموذجا للشراكة حيث لدى إحداهما أغلبية مسيحية وأخرى أغلبية مسلمة، دولة غربية وأخرى تقع في قارتين.. يمكننا أن نخلق مجتمعا دوليا حديثا يتميز بالاحترام والأمن والرخاء.. إن هذا مهم للغاية، نموذج للشراكة ليس موضوع مفاضلة بل هو ضروري". وقد أكد الرئيس الأميركي نفس المعنى تقريبا في زيارته لتركيا في أبريل/نيسان 2009.

تشارك تركيا في قوات حلف الأطلسي بأفغانستان وهي ذو أهمية خاصة للحلف، كما استقبلت تركيا رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية حيث أكدت أنقرة التزامها بدعم القوات في أفغانستان وباكستان وتأمين نقل القوات والمعدات من ميناء إسكندرون أثناء انسحاب القوات الأميركية من العراق، كما استضافت في يناير/كانون الثاني 2010 قمة دول جوار أفغانستان حضره الرئيس الأفغاني والرئيس الباكستاني من أجل محاولة التوصل إلى اتفاق حول معالجة الأوضاع في أفغانستان.

تعتبر إسرائيل موردا رئيسيا للأسلحة لتركيا، كما أن التعاون العسكري والإستراتيجي والدبلوماسي بينهما مسجل كأولوية عالية لدى كلتا الحكومتين وتعبران عن اهتمامهما بالقلاقل في الشرق الأوسط، وقد أجرى كلا أسطولي البلدين مناورات مشتركة، كما أن اتساع المجال الجوي التركي ساعد القوات الجوية الإسرائيلية إزاء ضيق مجالها الجوي لأغراض التدريب، خاصة في المنطقة حول قاعدة قونية الجوية وسط الأناضول. وعموما تعتبر العلاقات التركية الإسرائيلية مكونا هاما في إستراتيجية إسرائيل الدفاعية.

رغم توتر العلاقات التركية الإسرائيلية فإن كلا الطرفين حريصان على الحفاظ على علاقاتهما، وقد زار وزير الدفاع الإسرائيلي تركيا وقابل وزير دفاعها. كما أن كلتا الدولتين أكدت على استمرار تزويد تركيا بطائرات إسرائيلية الصنع بدون طيار.

مستقبل علاقات تركيا بأوروبا والأطلسي
يعتبر استبعاد تركيا من البناء الدفاعي الغربي أمرا بعيد الاحتمال وفقا لما سبق ذكره من أهمية الدور التركي في هذا البناء، بينما يعتبر انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي هو أيضا احتمالا ضعيفا، حيث لا يمكن لحلف الأطلسي تعويض دور تركيا فيه عالميا وإقليميا، بينما يظل الاتحاد الأوروبي ذا طابع مسيحي بدرجة كبيرة، ولا ينتظر تغييرا كبيرا في هذا الوضع في المستقبل القريب والمنظور.

"
يعتبر استبعاد تركيا من البناء الدفاعي الغربي أمرا بعيد الاحتمال حيث لا يمكن تعويض دور تركيا في الحلف, بينما يعتبر انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي هو أيضا احتمالا ضعيفا، حيث يظل الاتحاد ذا طابع مسيحي
"
وتعتبر العلاقات التركية الإسرائيلية عاملا رئيسيا في مدى التعاون التركي الأطلسي، وسيعمل الحلف والاتحاد الأوروبي على الالتفاف حول التوترات في علاقات تركيا مع إسرائيل سواء عبر الضغوط على القيادة التركية أو عبر تشجيع الحركات والأحزاب المعارضة لحزب العدالة والتنمية، وعبر تشجيع القيادات العسكرية التركية على مناهضة القرارات التي يتخذها الحزب، وربما عبر إطلاق حرية عمل حزب العمال الكردستاني التركي من خلال أراضي كردستان العراق.

كما ينتظر أن تزداد الضغوط الغربية على تركيا كلما زاد تعاونها مع سوريا وإيران، وأن يستخدم توريد الأسلحة الإسرائيلية والأميركية كوسيلة للضغوط. ويعتبر عام 2014 نقطة فاصلة حيث ينتظر أن يتسلّم حلف الأطلسي الجيل الجديد من الطائرات المقاتلة الضاربة المشتركة، حيث يعتبر القرار هاما في علاقات تركيا مع الحلف وربما مع أوروبا.

أما في حال توجيه عمل عسكري ضد إيران من الحلف أو دولة كبرى فيه، فإن علاقات تركيا بالحلف ستتعرض لاختبار شديد قد ينتهي بتعليق عضويتها فيه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك