أحمد إبراهيم أبو شوك

أحمد إبراهيم أبو شوك

أحمد إبراهيم أبو شوك


بدأت سيناريوهات الصراع السياسي تتصاعد في السودان بوتيرة أسرع بعد أن أعلنت المفوضية القومية للانتخابات انتهاء مرحلة الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية، ورئيس حكومة الجنوب، وعضوية المجلس الوطني، ومجلس الجنوب، والمجالس الولائية، ثم الاستعداد لمرحلة الدعاية الانتخابية التي تسبق عملية الاقتراع المزمع عقدها في أبريل/نيسان 2010م.

فلا عجب أن هذا السباق الانتخابي المحموم سيأتي بمفاجأة سياسية يصعب التكهن بها، بعد مضي أكثر من عقدين من الزمان على وأد الديمقراطية الثالثة في السودان (1985-1989م)، وقيام حكومة عسكرية معضدة بتأييد الجبهة الإسلامية القومية.

فضلاً عن أن فترة حكم الإنقاذ الشمولي (1989-2010؟) قد شهدت سلسلة من التغيرات الجوهرية في تضاريس الخارطة السياسية في السودان، وصحب ذلك نوعٌ من القطيعة الفكرية والسياسية بين "ثوابت السودان القديم" وتطلعات "السودان الجديد" الذي شرَّعت له اتفاقية السلام الشامل لسنة 2005م، ودستور جمهورية السودان الانتقالي لسنة 2005م.

وفي ظل هذه التحولات الجوهرية، التي سنتطرق إليها لاحقاً، يحاول هذا المقال أن يعرض الآفاق السياسية الجديدة التي أفرزتها اتفاقية السلام الشامل، ودستورها الانتقالي، وقانون انتخاباتها القومية لسنة 2008م، والتحديات التي تواجه عملية التحول الديمقراطي المنشود في ظل الواقع السياسي المعقد، الذي أفرزته الاتفاقية، وكيفية التعاطي معها من قبل شريكي الحكم (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، والأحزاب المتحالفة معهما، والمعارضة لهما، ثم نختم ذلك بقراءة مستقبلية للسيناريوهات الانتخابية، والنتائج المرتبة عليها.

"
استطاع المُشرع السوداني أن يحدث نقلة نوعية إيجابية في تحديد شكل المؤسسات الحاكمة في السودان، وكيفية اختيار ممثليها على المستويين التنفيذي والتشريعي من خلال الدستور الانتقالي وقانون الانتخابات القومية  
"
الآفاق الدستورية والقانونية
وضع الدستور الانتقالي لسنة 2005م وقانون الانتخابات القومية لسنة 2008م اللبنات الأساسية لقيام جمهورية رئاسية، ونظام حكم ديمقراطي لامركزي في السودان، يتدرج الحكم فيه عبر أربعة مستويات، تشمل الحكم المحلي، والحكم الولائي، والحكم في الجنوب، والحكم القومي. ويوجد في كل مستوى منها ثلاث سلطات متقابلة (تنفيذية، وتشريعية، وقضائية)، ويجلس على قمة الجهاز التنفيذي القومي رئيس الجمهورية، الذي يجب أن يكون منتخباً انتخاباً قوميا، يحصل فيه على الأغلبية المطلقة (50+1) من أصوات الناخبين في كل القطر.

وإذا أخذنا المستوى التشريعي القومي نموذجاً، نلحظ أن الدستور الانتقالي وقانون الانتخابات قد ابتداعا له نظام انتخاب مختلطا، يجمع بين نظام الانتخاب الفردي والتمثيل النسبي، تخصص فيه 60% من المقاعد التشريعية للدوائر الجغرافية، و25% لتمثيل المرأة، و15% لقوائم الأحزاب السياسية.

وبذلك استطاع المُشرع السوداني أن يحدث نقلة نوعية إيجابية في تحديد شكل المؤسسات الحاكمة في السودان، وكيفية اختيار ممثليها على المستويين التنفيذي (رئيس الجمهورية، ورئيس حكومة الجنوب، والولاة) والتشريعي.

ولا جدال أن هذه الآفاق الدستورية والقانونية الرحبة، ستسهم في تداول السلطة بصفة حضارية في السودان، إذا التزمت الحكومة، والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والناخب السوداني بممارسة حقوقهم السياسية بشفافية ونزاهة.

تحديات في طريق الانتخابات
إلا أن هذه الإطار الدستوري والقانوني الرحب لا يمنعنا القول بأن الانتخابات القومية المزمع عقدها في السودان هذا العام تواجه جملة من التحديات التي ربما تؤثر سلباً في مخرجاتها السياسية، ونذكر منها:

أولاً: التعداد السكاني
يعدُّ الالتزام بنتائج التعداد السكاني الخامس من أهم التحديات التي تعتري طريق الانتخابات القومية القادمة، علماً بأن التعداد يتصل بحزمة من القضايا المهمة المختلف حولها سياسياً، وتأتي في مقدمتها قضية تقسيم الدوائر الانتخابية، وتحديد معايير تقسيم الثروة بين أقاليم السودان المختلفة، وتوزيع الخدمات طبقاً للكثافة السكانية، ومعرفة طبيعة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على التركيبة الديمغرافية في السودان بسبب النزاعات الأهلية والظروف الطبيعية، والهجرة إلى الخارج، ومردود العائد النفطي على المشهد الاقتصادي.

"
اعتراض الحركة الشعبية على تقسيم الدوائر الجغرافية، ومقاطعتها للانتخابات القومية في جنوب كردفان ومنطقة أبيي يشكل عقبة كأداء في طريق الانتخابات القومية، إذا لم يتواضع الجميع على معايير مهنية وسياسية تخرج العملية الانتخابية من هذا النفق المظلم
"
وانسحاباً على أهمية هذه القضايا المحورية بدأ الصراع السياسي محموماً قبل الشروع في عملية التعداد السكاني الخامس، وبلغ قمته برفض الحركة الشعبية لنتائج التعداد السكاني الخامس التي اعتمدتها مؤسسة رئاسة الجمهورية في السادس من مايو/أيار 2009م، حيث أظهرت النتائج النهائية للتعداد أن إجمالي عدد سكان السودان يبلغ 39 مليون نسمة، يعيش ثلاثون مليوناً منهم (79%) في الشمال، بينما يعيش ثمانية ملايين نسمة في الجنوب (21%).

ولا جدال أن النسب المعتمدة أثرت سلباً في تمثيل الجنوب في الدوائر البرلمانية القومية، أي أن نسبته انخفضت من 34% إلى 21%، ولا جدال أن هذا الانخفاض سينسحب سلباً على المعايير القياسية التي اعتمدتها اتفاقية السلام الشامل في تقسيم الثروة.

ومن هنا جاءت معارضة الحركة الشعبية على تقسيم الدوائر الجغرافية، وإعلان مقاطعتها للانتخابات القومية في جنوب كردفان ومنطقة أبيي. فلا مندوحة أن هذا الاعتراض يشكل عقبة كأداء في طريق الانتخابات القومية، إذا لم يتواضع الجميع على معايير مهنية وسياسية تخرج العملية الانتخابية من هذا النفق المظلم.

ثانياً: دارفور والمشاركة الانتخابية
تتباين مواقف الحكومة والأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني حول إجراء الانتخابات في دارفور. فالدكتور نافع علي نافع، نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني، يشدد على ضرورة انعقاد الانتخابات في موعدها في كل أنحاء السودان بما فيها دارفور، وحجته في ذلك أن "الأمن مبسوط في 99%" من أنحاء دارفور، وأن هذه "النسبة أكثر من كافية لإجراء الانتخابات" في الإقليم المنكوب.

وفي الوقت نفسه يرى الدكتور كمال عبيد، أمين أمانة الإعلام بالمؤتمر الوطني ووزير الدولة للإعلام، أن "قضية دارفور لا علاقة لها بقيام الانتخابات، وأن السودان جرب في حقب مختلفة عدم إجراء الانتخابات في كل أنحاء البلاد، ورغم ذلك قامت برلمانات مسؤولة". وفي الاتجاه المعاكس لموقف الحزب الحاكم يبرز موقف الحركات والتنظيمات الرافضة لإجراء الانتخابات في دارفور دون التوصل إلى سلام عادل، ويأتي في مقدمة الرافضين حركة تحرير السودان بقيادة كبير مساعدي رئيس الجمهورية، مني أركو مناوي، وحركة تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور، اللتان ترفضان الانتخابات قبل إحلال السلام وإعادة توطين النازحين والمشردين بسبب الحرب في دارفور.

فلا غرو أن هذه المواقف المتباينة تجسد نوعاً من الإرباك السياسي الذي يذكرنا بواقع الحال في الجنوب عام 1965م، عندما عجزت لجنة الانتخابات العامة عن إعداد قوائم الناخبين في المديريات الجنوبية بالصورة المرجوة، وانسحاباً على ذلك نبعت فكرة المفاضلة بين إجراء انتخابات جزئية في السودان أو تأجيل العمليّة الانتخابية برمتها.

وانقسم الرأي السياسي حول هذه القضية بين الإجراء الجزئي والتأجيل، وكانت كفة المؤيدين للإجراء هي الراجحة، السبب الذي أدى إلى مقاطعة حزب الشعب الديمقراطي للانتخابات الجزئية التي أُجريت في شمال السودان، لأنها من وجهة نظره قد تمهد الطريق لانفصال الجنوب عن الشمال. ومن ثم كانت الانتخابات الجزئية واحداً من الأسباب التي أربكت العمل الديمقراطي داخل الجمعية التأسيسية وخارجها، ووسَّعت الشقة بين الشمال والجنوب، وعجلت بحلِّ الجمعية التأسيسية قبل انتهاء دورتها القانونية.

فلا عجب أن هذا الواقع سيعيد نفسه في الانتخابات القادمة، ويلقي بظلاله السلبية على مستقبل الديمقراطية الرابعة في السودان، إذا تم استثناء دارفور من العملية الانتخابية.

"
نظر لأن العملية الانتخابية معقدة فإن المفوضية القومية للانتخابات ستواجه تحديا رئيسيا يتمثل في قدرتها على توعية الناخب السوداني للمشاركة في العملية الانتخابية بنجاح في ظل وعي معرفي تبلغ نسبة الأمية فيه 70%
"
ثالثاً: العملية الانتخابية المعقدة
ستكون العملية الانتخابية أكثر تعقيداً؛ لأن الناخب في الشمال يجب أن يختار مرشحيه عبر ثماني بطاقات، بطاقة لرئيس الجمهورية، وأخرى لوالي الولاية، وثلاث بطاقات لمجلس الولاية (جغرافية، وحزبية، والمرأة)، وثلاث بطاقات مماثلة للمجلس الوطني، وسيدلي صنوه في الجنوب بأربع بطاقات إضافية، واحدة لرئيس حكومة الجنوب، وثلاث بطاقات لمجلس الجنوب، أي في الجنوب 12 بطاقة.

وفوق هذه التحديات الإجرائية المرتبطة بتوعية الناخب، نلحظ إن الإرث الانتخابي السوداني بالرغم من تاريخه الطويل الذي يرجع إلى عام 1953م إلا أنه إرث تاريخي متقطع بفعل الانقلابات العسكرية، ولا يشكل منظومة تراكمية يمكن الاستفادة من مرجعيتها الفقهية والسياسية في حل المشكلات والنزاعات السياسية التي تبرز إلى حيز الوجود أثناء العملية الانتخابية وبعدها.

علماً بأنه ستواجه المفوضية القومية للانتخابات تحديا رئيسيا يتمثل في قدرتها على توعية الناخب السوداني للمشاركة في العملية الانتخابية بنجاح في ظل وعي معرفي تبلغ نسبة الأمية فيه 70%.

رابعاً: المحكمة الجنائية ومذكرة التوقيف
إذا تبلور الاستئناف المقدم أمام المحكمة الجنائية الدولية في إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير بتهمتي ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور فسيتعقد المشهد السياسي والعملية الانتخابية في السودان، علماً بأن الرئيس عمر البشير سيقود حملته الانتخابية ضد تسعة مرشحين آخرين، بمن فيهم مرشح حزب المؤتمر الشعبي الأستاذ عبد الله دينق، والذي يشجع رئيس حزبه، الدكتور حسن الترابي، عملية مثول الرئيس البشير أمام المحكمة الجنائية في لاهاي، بالإضافة إلى أن مواقف الأحزاب المعارضة تتأرجح بين التأييد المبطن لقرار المحكمة الجنائية والرفض الخجول له. فهذا الواقع السياسي ربما يقلل فرصة الرئيس البشير في الفوز، أو على أسوأ الفروض ربما يدفع الحكومة إلى تزوير العملية الانتخابية بصورة فاضحة، أو إلغاء الانتخابات وإعلان حالة طوارئ جديدة في السودان، وبذلك تُذبح الديمقراطية المنشودة للمرة الرابعة على أعتاب إصدار مذكرة توقيف بحق رئيس جمهورية السودان.

سيناريوهات متوقعة
في ضوء هذا المشهد السياسي العصي تتبلور السيناريوهات المتوقعة في النقاط الآتية:

أولاً: إن الحراك السياسي في المرحلة القادمة سيتمركز حول الانتخابات الرئاسية، لأنها تمثل المحصلة الوسطى التي ترتكز عليها الانتخابات القومية والولائية، فالمؤتمر الوطني يسعى جاهداً لخلق مناخ سياسي يسهم في فوز مرشحه الرئيس البشير، إلا أن الخيارات المتاحة لقيام تحالفات سياسية لتحقيق هذا الغرض الإستراتيجي أضحت ضامرة، بعد أن رشَّحت الحركة الشعبية الأستاذ ياسر عرمان، معلنة بذلك فضّ تحالفها مع المؤتمر الوطني، بعد أن أصابها القنوط بشأن تنفيذ اتفاقية السلام الشامل على صعيد الواقع، ومن ثم مالت إلى تطلعات حلفائها الذين يحبذون تحجيم نفوذ المؤتمر الوطني في المرحلة القادمة، وإبعاد الرئيس البشير عن سدة الحكم.

فالإشكالية الأخرى التي تواجه حزب المؤتمر الوطني على صعيد التحالفات السياسية هي أن اتفاق التراضي الوطني الذي عقده مع حزب الأمة لم يأت بثماره، بعد أن أعلن حزب الأمة القومي رسمياً ترشيح رئيسه السيد الصادق المهدي، فضلاً عن أن السيد الصادق المهدي أضحى من القيادات الفاعلة في "تحالف جوبا" الذي يضم الحركة الشعبية، والمؤتمر الشعبي، والحزب الشيوعي، والأمة الإصلاح والتجديد، ويهدف في المقام الأول إلى إبعاد المؤتمر الوطني عن مقعد الرئاسة.

إذاً الخيار الوحيد والصعب أمام حزب المؤتمر الوطني هو تشكيل تحالف سياسي مع حزب الاتحادي الديمقراطي (جناح الميرغني)، ويبدو أن ضريبة هذا التحالف ستكون باهظة على المؤتمر الوطني، لأن التحالف مع الاتحادي الديمقراطي الأصل يعني انسحاب مرشح الاتحادي الأستاذ حاتم السر من السباق الرئاسي، ويترتب على ذلك سحب بعض مرشحي المؤتمر الوطني لمصلحة مرشحي الاتحادي الديمقراطي في الولايات الشمالية، إلا أن الإشكالية الأساسية التي تواجه قيام مثل هذا التحالف السياسي الفضفاض تكمن في أن قيادة الاتحادي الديمقراطي ليس في مقدروها إلزام أعضائها بالتصويت لمرشح المؤتمر الوطني في الانتخابات الرئاسية وهنا مربط الفرس.

ثانياً: إن المرشح الفائر في الانتخابات الرئاسية يحب أن يحصل على الأغلبية المطلقة من أصوات الناخبين (أي 50+1) فإستراتيجية تحالف جوبا، التي أسهم الدكتور حسن الترابي في صياغتها، تهدف إلى تشتيت الأصوات في الجولة الأولى، ومساندة أحزاب المعارضة للمرشح الذي يخوض الجولة الثانية ضد الرئيس البشير.

"
الإستراتيجية الماكرة ربما تدفع المؤتمر الوطني إلى التحالف بأي ثمن مع الاتحادي الديمقراطي، أو السعي إلى خروج دارفور من اللعبة السياسية، لأنها تمثل المعقل التاريخي لحزب الأمة، علماً بأن السيد الصادق المهدي سيكون منافساً خطيراً لمرشح المؤتمر الوطني
"
فهذه الإستراتيجية الماكرة ربما تدفع المؤتمر الوطني إلى التحالف بأي ثمن مع الاتحادي الديمقراطي، أو السعي إلى خروج دارفور من اللعبة السياسية، لأنها تمثل المعقل التاريخي لحزب الأمة، علماً بأن السيد الصادق المهدي سيكون منافساً خطيراً لمرشح المؤتمر الوطني.

ثالثاً: إن الانتخابات القومية إذا أجريت في مناخ ديمقراطي ستحدث تغييرات واضحة على الخارطة السياسية، بما في ذلك وضع الأحزاب الحاكمة والمعارضة.

بالنسبة للأحزاب الحاكمة ستُعدل النسب التي أقرتها اتفاقية السلام الشامل، 52% للمؤتمر الوطني، و28% للحركة الشعبية، و14% للقوى الشمالية، و6% للقوى الجنوبية، وفي المقابل ستفقد الأحزاب التقليدية (الأمة والاتحادي) عدداً من الأصوات في أماكن ثقلها السياسي لصالح الحركات الجهوية، والمؤتمر الوطني، والحركة الشعبية.

إذاً اختلال الموازنة السياسية بهذه الكيفية سيطرح حزمة من علامات الاستفهام حول موقف التنظيمات الجهوية في دارفور والشرق من معايير قسمة السلطة والثروة التي أقرتها اتفاقية السلام الشامل، وحول طبيعة التحالفات السياسية الجديدة التي ستفرزها الحملة الانتخابية ونتائج الانتخابات بين طرفي اللعبة السياسية، الحكومة والمعارضة، وحول مستقبل الديمقراطية في السودان.

المصدر : الجزيرة

التعليقات