ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


توصيات لا قرارات
قرارات مجلس الأمن غير ملزمة
التعقيدات الدولية لقضية فلسطين
ليست مجرد قضية احتلال فقط

بحكم انسداد مراهنتها على خيار المفاوضات، لوحت قيادة السلطة الفلسطينية بإمكان التحول نحو خيار التوجه نحو الأمم المتحدة (مجلس الأمن أو الجمعية العمومية) لجلب الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم، في الأراضي المحتلة (عام 1967).

وما نريد توضيحه هنا، من دون التقليل من أهمية هذا التحول، أن هذا الخيار غير كاف لوحده، ولا يشكل بديلا عن إعادة بناء المجال الوطني الفلسطيني، ولا يمكن أن يتخذ مجراه من دون استعادة الحركة الفلسطينية لطابعها باعتبارها حركة تحرر وطني تنافح بصلابة عن حقوق شعبها.

توصيات لا قرارات

"
على امتداد عمر المنظمة الأممية صدرت عشرات القرارات عن الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي، ولكن هذه القرارات بقيت مجرد "حبر على ورق"
"
ومن يتفحص علاقة القضية الفلسطينية بالأمم المتحدة، تمكنه ملاحظة أن هذه القضية احتلت حيزا كبيرا في اهتمامات المنظمة الدولية، ونشاطاتها وقراراتها، ولكن المفارقة هنا أن هذا الاهتمام الكبير لم يجد ترجمة له على أرض الواقع بإيجاد حل عادل لهذه القضية يتناسب وميثاق المنظمة والقرارات الصادرة عنها.

هكذا، فعلى امتداد عمر هذه المنظمة صدرت عشرات القرارات عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعن مجلس الأمن الدولي، ولكن هذه القرارات بقيت أيضا مجرد "حبر على ورق". إذ إن القرارات التي تعالج الجوانب الجوهرية للصراع مثلا، صدرت عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة وقرارات هذه الهيئة التي تعبر عن المجتمع الدولي ليست ملزمة، وهي بمثابة توصيات ولها قيمة أخلاقية فقط، وقيمتها القانونية شكلية بحت. ويندرج في هذا الإطار مثلا القرارات الآتية:

1- القرار 181 (عام 1947) الخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين (يهودية وعربية)، مع مراعاة حقوق اليهود والعرب المقيمين في كل من الدولتين، ووضع مدنية القدس تحت وصاية دولية، كما يتضمن هذا القرار دعوة الدولتين إلى إقامة اتحاد اقتصادي بينهما. ولكن إسرائيل قامت على 77% من أرض فلسطين، ولم تقم دولة الفلسطينيين حتى الآن.

2 - القرار 194 (عام 1948) ويقضي بوجوب السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، والتعويض لمن لا يرغب منهم في العودة، وعن كل ضرر وقع على اللاجئين نتيجة إخراجهم من أرضهم وديارهم.

3 - القرار 273 (عام 1949) ويتضمن الاعتراف بإسرائيل بشرط اعترافها بالقرارين السابقين (181 و194). والجدير ذكره أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي جرى الاعتراف بها في المنظمة بشكل مشروط، ولكنها بالطبع حظيت بالاعتراف الدولي من دون أن تنفذ ما عليها! ومعنى ذلك أن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، في إطار الشرعية الدولية، لا ينبع فقط من القرار 181 وإنما من القرار 273 أيضا.

4 - القرارات رقم 3236 و3375 و3376 (عامي 1974 و1975) وتتعلق بدعوة منظمة التحرير إلى الاشتراك في مداولات الجمعية العامة بوصفها ممثلة للشعب الفلسطيني، وتطالب مجلس الأمن بتمكين هذا الشعب من ممارسة حقوقه المشروعة المتمثلة في حق تقرير المصير والاستقلال والسيادة القومية والعودة، وتشكيل لجنة خاصة بذلك، وكان ذلك تطورا في مسار القضية الفلسطينية وثمرة من ثمرات الكفاح الفلسطيني.

5 - القرار 3379 (عام 1975) ويقضي باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية، وكما هو معلوم فقد تم شطب هذا القرار في مناخات عملية التسوية التي انطلقت من مؤتمر مدريد في مطلع التسعينيات.

6 - ثمة عشرات القرارات صدرت بشكل استثنائي أو دوري (سنويا)، تطالب إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وعدم تغيير الوضع الديمغرافي في الأراضي المحتلة، ووقف أعمال الاستيطان، وحماية المدنيين في زمن الحرب، ووقف انتهاكات حقوق الإنسان، كما أن ثمة قرارات تقر بشرعية النضال للتخلص من السيطرة الاستعمارية، كالقرارين: 2649 (عام 1970) و2787 (عام 1971).

قرارات مجلس الأمن غير ملزمة

"
منعت الولايات المتحدة أي قرار يعادي إسرائيل بشكل واضح، يصدر عن مجلس الأمن، باستخدامها حق النقض (الفيتو) الذي استخدمته حوالي أربعين مرة، وهو ما يوازي 50% من حالات الفيتو

"
أما القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، فهي أيضا لم تأخذ طريقها للتنفيذ بسبب رفض إسرائيل لها بدعم أميركي، خصوصا أنها ليست ملزمة، بالنظر لصدورها في إطار الباب السادس من ميثاق الأمم المتحدة (في حين أن القرارات ضد العراق كانت تتبع للباب السابع وهي إلزامية).

ومن جانب آخر فإن قرارات مجلس الأمن هذه لم تعالج الجوانب الأساسية لقضية فلسطين، وإنما مظاهرها ونتائجها، كوقف الأعمال الحربية، وشجب ممارسات إسرائيل، أو اعتبار أعمال الاستيطان وتهويد القدس ومصادرة الأراضي أعمالا غير شرعية. وإضافة إلى ذلك فقد منعت الولايات المتحدة أي قرار يعادي إسرائيل بشكل واضح، يصدر عن مجلس الأمن، باستخدامها حق النقض (الفيتو) الذي استخدمته حوالي أربعين مرة، في هذا المجال وهو ما يوازي 50% من المرات التي استخدمت فيها حقها في النقض في مجلس الأمن الدولي! 

ويمكن أن يُمثّل لأهمّ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي الخاصة بقضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي بالقرارات الآتية:

1- القرار 242 (عام 1967) القاضي بعدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة، ومطالبة إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وتحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.

2 - القرار رقم 338 (عام 1973) القاضي بوقف الأعمال الحربية بين إسرائيل والدول العربية ودعوة إسرائيل إلى تنفيذ القرار رقم 242 .

3 - القرار رقم 1397 (عام 2002) وهو القاضي بإنشاء دولة للفلسطينيين، وهو القرار الأول من نوعه الذي يصدر عن مجلس الأمن الدولي في هذا المجال. وأهمية هذا القرار تكمن في أنه بمثابة استكمال للقرار 242 الذي أغفل البعد الفلسطيني، والذي اعتبر الصراع مع إسرائيل يقتصر على الدول العربية وعلى الأراضي التي جرى احتلالها.

وثمة قرارات عديدة أخرى تدين ممارسات إسرائيل في الأراضي المحتلة ولا تعترف بشرعية ضمّها للقدس ولا بالاستيطان.

التعقيدات الدولية لقضية فلسطين
الآن يمكن تفسير الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية والمفارقات والتعقيدات المحيطة به، بأسباب عديدة، أهمها:

أولا: منذ نشوئها كانت قضية فلسطين قضية دولية بامتياز. وبغض النظر عن نصيب الحركة الصهيونية في إقامة إسرائيل، فإن الجهد الدولي، هو الذي مكّن هذه الحركة من النجاح في مشروعها، وضمان استمراره وتطوره، من النواحي: السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية والبشرية.

فقد سهّلت بريطانيا العظمى (المنتدبة على فلسطين في النصف الأول من القرن الماضي) الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقدمت للوكالة اليهودية الامتيازات لإقامة مؤسساتها كنويّات للكيان اليهودي. أما الولايات المتحدة فضغطت لتمرير قرار تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة، وجعلت إسرائيل محورا لسياستها في المنطقة، لابتزاز الدول العربية، واستخدمتها لصالحها في زمن الحرب الباردة وقدمت لها كل أشكال الدعم المادي والعسكري والتكنولوجي والسياسي.

"
ما زالت القضية الفلسطينية تواجه مصاعب جمة على الصعيد الدولي، تتجلى في صعوبة التفهم الدولي لعدالة الكفاح الفلسطيني، وفي النفوذ الكبير الذي تحظى به إسرائيل على صعيد العلاقات الدولية وفي المحافل الدولية
"
ومن جهتها وقفت فرنسا وراء تنمية الصناعات الحربية في إسرائيل وامتلاكها للسلاح النووي، وألمانيا قدمت الأموال وساهمت في تطوير الصناعات والتكنولوجيا فيها، وكان الاتحاد السوفيتي (وروسيا فيما بعد) الخزان الذي لا ينضب للهجرة اليهودية إلى فلسطين.

ثانيا: ينظر الغرب إلى الكيان الصهيوني باعتباره امتدادا له في المنطقة العربية، على أساس من مقولة عنصرية إمبريالية مفادها أنه "ليس للغرب في الشرق أفضل من الغرب نفسه". وقد نجح الكيان الصهيوني في توظيف هذه المقولة بادعائه أنه ينتمي للغرب من الناحية "الحضارية"، في قيمه ونظامه السياسي، وأنه واحة للحرية وللديمقراطية في المنطقة، للتغطية على طابعه الاستعماري العنصري.

وبالطبع، فقد أبدى الغرب قابلية لهضم هذه الادعاءات التي تساعده، أولاً، في تغطية مسؤولياته عن المأساة التي لحقت بالشعب الفلسطيني، جراء قيام إسرائيل. وثانيا، لأنه لم ينضج بعد للاعتذار للدول العربية، عن ماضيه الاستعماري، وهو ما يفسر هذا التردد لدى الدول الغربية، فهي مستعدة للدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني، وتقديم الدعم الاقتصادي له، والاعتراف بحقوقه الجمعية في الضفة والقطاع (فقط)، والتنديد بالممارسات الوحشية الإسرائيلية، ولكنها غير مستعدة للذهاب إلى حد تأييد المقاومة المشروعة، أو تبني حق العودة للاجئين، التي تتطلب فتح الملفات الأساسية للقضية الفلسطينية، وهذا يفسر أيضا تبعيتها للموقف الأميركي، رغم التقدم في الموقف الأوروبي.

ثالثا: تستمد القضية الفلسطينية عالميتها من العدو الذي تواجهه. فالمسألة اليهودية باتت مسألة عالمية منذ أواخر القرن التاسع عشر، بحكم التطورات في أوروبا، وازدادت عالميتها بعد الحرب العالمية الثانية، نتيجة للتركيز على اضطهاد النازية لليهود، مما أدى إلى اهتمام العالم الغربي بها، عبر الاستجابة للمطالب الصهيونية، بدعم قيام دولة إسرائيل التي ظهرت باعتبارها إحدى نتائج الحرب العالمية الثانية.

وبسبب استمرار توظيف الحركة الصهيونية للاضطهاد النازي لليهود، وانتشار الجوالي اليهودية في العالم، وتوظيف إسرائيل لها، لدعم سياساتها، واجهت وما زالت القضية الفلسطينية مصاعب جمة على الصعيد الدولي، تتجلى في صعوبة التفهم الدولي لعدالة الكفاح الفلسطيني، وفي النفوذ الكبير الذي تحظى به إسرائيل على صعيد العلاقات الدولية وفي المحافل الدولية، وهو النفوذ المتمثل في اللوبيات الصهيونية في العالم.

رابعا: تستمد قضية فلسطين عالميتها، أيضا، من الموقع الجغرافي الإستراتيجي الذي احتلته فلسطين في إستراتيجيات الدول الكبرى، باعتبارها الجسر الذي يصل المشرق بالمغرب العربيين. وعلى الدوام اعتبرت الدول الكبرى، أن السيطرة على فلسطين تسهل سيطرتها على الوطن العربي ومشرقه خصوصا، لأهمية موقعه بين آسيا وأفريقيا، ومجاورته لأوروبا، وحيازته لثلثي الثروة النفطية في العالم.

ليست مجرد قضية احتلال فقط
هكذا، فإن الصراع على فلسطين ليس مجرد صراع على الشرعية والحقوق والعدالة، في مواجهة إسرائيل، وإنما هو جزء من الصراع في هذه المنطقة وعليها، وهو مرتبط بالصراعات الدولية: السياسية والاقتصادية والعسكرية، كان ذلك إبان ما عرف باقتسام تركة الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية)، وبعيد الحرب الأولى في إطار تقاسم النفوذ بين الدول الاستعمارية، وبعيد الحرب الثانية في إطار ما سمي بالحرب الباردة، وهو اليوم ما زال يحتل مركزا مهما في إطار الإستراتيجية الأميركية، لتعزيز هيمنة أميركا على المنطقة وعلى العالم.

"
لا تحتاج القضية الفلسطينية إلى مجرد قرارات دولية فقط لإثبات نفسها، فالشعب الفلسطيني بحاجة أيضا إلى بناء ذاته، وإلى مزيد من المثابرة والصمود
"

وبديهي أن ذلك يحمّل الشعب الفلسطيني صعوبات وتعقيدات جمة لا يستطيع حلها لوحده، ويتجلى ذلك في أن قضية فلسطين من أكثر القضايا وضوحا في العالم وأكثرها عدالة، ولكنها تعتبر من أصعب القضايا وأكثرها استعصاء على الحل، كما أنها القضية الوحيدة الباقية منذ عهد العصور الكولونيالية. وبينما يدفع هذا الشعب ثمنا باهظا لاستعادة حقوقه وحريته وأرضه، منذ أكثر من قرن، ثمة فجوة هائلة في موازين القوى ومدى الاستعداد الدولي لتفهم نضاله وإنصافه ولو نسبيا.

على ذلك لا تحتاج القضية الفلسطينية إلى مجرد قرارات دولية، ولا إلى معايير العدالة والقيم الأخلاقية، فقط، لإثبات نفسها، فالشعب الفلسطيني بحاجة، أيضا، إلى بناء ذاته، وإلى مزيد من المثابرة والصمود، كما هو بحاجة إلى الوعي بالتعقيدات الدولية التي تحيط بقضيته، وبمداخلاتها السياسية والاقتصادية والأمنية، لبلورة إستراتيجيته السياسية والنضالية، وتحقيق التكامل بين القرارات والمعطيات الدولية، وبين قدراته وإمكاناته الكفاحية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك