علي حسين باكير

علي حسين باكير

باحث ومحلل سياسي


تقييم أهمية الوثائق الدبلوماسية
ويكيليكس والصحافة الورقية
ويكيليكس والدبلوماسية الأميركية
أمن الوثائق الإلكترونية وأمن الإنترنت
خلاصة

كثيرة هي المقالات التي نشرت عن ويكيليكس في العالم العربي، قليلة هي تلك التي تناولت عمق الظاهرة أو انعكاساتها. إذ غالبا ما توزعت المواقف بين مؤيد لها على اعتبارها "فتحا" للحريات في عصر المعلومات والإنترنت وانتصارا للشفافية على السريّة و"المؤامرة"، ومعارض يصنّفها على أنّها مكيدة مدبّرة ولا سيما أنّ هناك الكثير من المعطيات التي لا تزال غامضة أو عصيّة على الفهم والمنطق فيما يتعلق بها. وبين هذا وذاك، كانت هناك انتقائية واضحة في معالجة الوثائق والجهات التي تتناولها.

والملاحظ أنّ الطابع العام لهذه المقالات عكس سطحية في التعامل مع ظواهر كهذه تحتاج إلى مزيد من التأني والتعمق في دراستها وتفكيكها وإعادة بناء مخرجاتها بشكل يتيح المجال أمامنا لتصّور انعكاساتها التي تتخطى مجال الحدث المباشر إلى ما هو أبعد من ذلك.

فـ"ظاهرة" ويكيليكس –إن صح التعبير- هي ظاهرة مركبة تنطوي على عدد من الجوانب لعل أبرزها: الجانب الإعلامي والصحفي، الجانب السياسي، الجانب الرقمي، الإنترنت، الأمن، الحريات العامة. وقد تمّ التعامل معها عربيا إلى الآن من زاوية واحدة أو من زاويتين على الأكثر في العالم العربي.

تقييم أهمية الوثائق الدبلوماسية

"
القسم الأكبر من تسريبات ويكيليكس هو مجرد معلومات وليس معرفة, وبالتالي فإنها لا تحمل قيمة إضافية على الإطلاق، وليس بالضرورة أن تكون مفيدة لأن المعلومات على عكس المعرفة، منها ما يكون مغلوطا ومنها ما هو صحيح
"
من الملاحظ أنّ "المراسلات الدبلوماسية" والتي تشكّل الجزء الأكبر من تسريبات ويكيليكس، لم تأت بشيء جديد (على الأقل فيما نشر حتى الآن) ولم تحدث صدمة، وإنما أكّدت التصور الموجود لدى كثيرين.

القسم الأكبر منها هو مجرد معلومات (Information) وليس معرفة (knowledge)، وبالتالي فإنها لا تحمل قيمة إضافية على الإطلاق، وليس بالضرورة أن تكون مفيدة لأن المعلومات وعلى عكس المعرفة، منها ما يكون مغلوطا ومنها ما هو صحيح ومنها ما هو تقدير ومنها ما هو تحليل أو تخمين أو استنتاج.

علما أنّ هذه المراسلات موزعة وفق ما ذكرته دير شبيغل بين حوالي 53.5% غير مصنّفة و40.5% مصنفة خاصا و6% سريا. ومن المفارقات التي قد لا يعلمها البعض أنّ هذه الوثائق التي سرّبت إلى ويكيليكس تمّ الحصول عليها من نظام "سيبرنت" (Secret Internet Protocol Router Network) والمخصص لتبادل المعلومات والوثائق بين وزارتي الدفاع والخارجية الأميركيتين لتحسين مستوى التعاون بينهما خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، ويملك حق الدخول عليه حوالي 2.5 مليون موظف أميركي.

ويكيليكس والصحافة الورقية
يقول أسانج متحدثا عن دور ويكيليكس في مقابلة على قناة الجزيرة بتاريخ 27/10/2010، "الإعلام السائد لا يقوم بدوره الفاعل بإخراج المواد التي حجبت بسبب التأثير من الساسة، ولذلك شعرنا بالحاجة إلى أن نقوم بتعويض هذا الفشل من خلال إخراج المواد السرية الحساسة التي يحتاجها الناس، لكي يكون مجتمعهم تسوده المعلومات والمعرفة". ويضيف في مقابلة أخرى أن "ويكيليكس يعتبر نافذة لنشر المعلومات والوثائق التي لا يستطيع صاحبها أنّ يقوم بنشرها في الصحف التقليدية نظرا لسيطرة السياسيين على الصحف".

لكنّ العجيب أنّ أسانج يناقض نفسه تماما. فهو قام بعقد اتفاق مع الصحف لنشر الوثائق، وقد أدّت هذه العملية إلى أن تقوم الصحف بعملية نشر انتقائية ومجتزأة ومحوّرة بما يخدم أجندات سياسية داخلية في بلدانها أو خارجية لمصلحة أطراف أخرى.

ومثال على ذلك، ما قاله أسانج في مقابلة أخرى على الجزيرة بتاريخ 22/12/2010، من أنّه "قد يكون هناك بعض الانحياز من جانب نيويورك تايمز التي ربما لم ترد نشر بعض المراسلات عن إسرائيل لأنها في نيويورك وعليهم أن يراعوا حساسيات معينة حول مشاعر وتصورات السكان اليهود هناك".

ولا يقتصر ذلك على نيويورك تايمز وحدها بطبيعة الحال، فهناك العديد من الصحف التي دخلت في الاتفاق ومن بينها صحيفة عربية اعتمدت نفس الأسلوب وإن تجاه قضايا أو دول أخرى. وقد أدى هذا الأمر إلى أن تُستغل الوثائق في غير موضعها كأن رأت إسرائيل أنّها لا تمثّل مشكلة لعملية السلام وأنّ المشكلة تكمن في إيران اعتمادا على ما أظهره الجزء المسّرب إلى الآن من الوثائق عن الموقف العربي من إيران.

"
أسانج خالف قناعاته وقام بعقد اتفاق مع الصحف لنشر الوثائق، وقد أدّت هذه العملية إلى أن تقوم الصحف بعملية نشر انتقائية ومجتزأة ومحوّرة بما يخدم أجندات سياسية داخلية في بلدانها أو خارجية لمصلحة أطراف أخرى
"
أمّا إيران فقد رأت في الوثائق بداية إدانة لأميركا ولا سيما في العراق وأفغانستان، لكن عندما وصلت الأمور إلى دورها في العراق وباقي الدول العربية اعتبرت أنّ ويكيليكس مؤامرة صهيونية. ورأى التيار الشعبوي العربي في الوثائق فضحا لمواقف الأنظمة المبطنة تجاه إيران لكنّه في المقابل تجاهل كليا ما تم نشره عن دور تخريبي لإيران في الدول العربية.

مثل هذه الأمور تكررت في دول أخرى وأماكن أخرى، علما أنّ النشر المبرمج للوثائق بشكل متقطع غذى هذه التجاذبات، وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة على اعتبار أنّ الوثائق التي لم تنشر بعد أو التي لم يتم الحصول عليها قد تشير إلى أمور معاكسة أو مغايرة أو مكمّلة بما يقلب الصورة.

ويكيليكس والدبلوماسية الأميركية
لا شك أنّ النشر يشكّل نكسة للدبلوماسية الأميركية من شأنها أن تؤدي إلى "هزّة ثقة" على المدى القصير على الأقل من حيث صعوبة تواصل الدبلوماسيين الأميركيين في البلدان التي يعملون بها مع الفعاليات المحلية بالشكل المفتوح نفسه الذي كان سائدا من قبل نتيجة فقدان الثقة بأمن الوثائق المتعلقة بمخاطبة الدبلوماسيين الأميركيين، لكن يجب ألا نبالغ في التداعيات الدبلوماسية.

والحقيقة أنّ ويكيليكس في هذا الباب أدى إلى نتائج عكسية، إذ لا نقاش في الداخل الأميركي اليوم حول المراسلات الدبلوماسية، فقد نقل ويكيليكس عمليا المعركة خارج الولايات المتحدة وجعل الصراع بعيدا عنها وأشعل حروبا سياسية داخلية في العديد من الدول وبين العديد من البلدان.

ولا أعرف كيف يمكن لنشر وثائق مراسلات دبلوماسية بهذا الشكل بحجّة "الشفافية وحق الحصول على المعلومات وفضح الأميركي" أن يؤدي إلى تعزيز السلام والاستقرار والعدالة التي ينادي بها أسانج في الوقت الذي من شأنها أن تؤدي إلى إعاقة العمل الدبلوماسي على الصعيد العالمي، بما يعني تأزيم العلاقات بين الدول وتغليب خيار الحرب، فحيث تضيق دائرة الأولى تتسع دائرة الثانية.

يقول أسانج "هدفنا العدالة ورسالتنا الشفافية"، إلا أنّ استغلال هذا الشعار لنشر ما يصلح وما لا يصلح وما هو مهم وغير مهم وما هو مصنّف سريا وما هو غير مصنّف يؤدي إلى فوضى أو ما يعرف باسم (TMI) أي "الكثير من المعلومات لدرجة تفقدها الأهمية" بسبب ما تخلقه من فوضى أو تضارب أو جدل.

كما أنّ استحسان كشف الأمور السريّة بالمطلق بدعوى الشفافية أمر غير منطقي. فحتى أسانج نفسه وويكيليكس ينطوي على الكثير من الأسرار، فلا نعرف مثلا مصادر تمويله، ومن هم المساعدون الأساسيون، وكيف تتم عملية نشر الوثائق على دفعات، ومن يقرر وكيف يتم شطب بعض الأسماء من الوثائق والإبقاء على أسماء أخرى قبل نشرها، وعلى أي أساس يتم هذا الأمر ومن هي الجهات المخولة ذلك؟ وغيرها من الأمور التي تبقى سريّة.

أهم من كل ذلك أنّ المتمعن بدوافع نشر الوثائق أو طريقة نشرها أو بكل العملية التي تتعلق بها من البداية وحتى وصولها إلى القارئ لا يجد هدفا نبيلا أو ساميا كإظهار مؤامرة أو كشف فضيحة أو الإشارة إلى الأخطاء للدفع باتجاه عملية إصلاح لها.

فرغم كل البهرجات الإعلامية التي حظيت بها آلاف الوثائق المسربة فإنّها لا تساوي شيئا مقارنة مثلا بقصّة أبو غريب، أو بتسريبات تاريخية سابقة كفضيحة إيران غيت أو تسريبات دانييل السبرج حول فيتنام.

أمن الوثائق الإلكترونية وأمن الإنترنت
أحد الأمور التي ستخضع بالتأكيد لإعادة تقييم ثمّ تغيير لآليات العمل فيها بسبب ويكيليكس هي موضوع أمن الإنترنت وأمن الوثائق الإلكترونية (Digital Documents). فالوثائق التي تمّ تسريبها إلى أسّانج وفق الرواية المنشورة تمّت عبر الجندي برادلي ماننغ الذي يعمل محللا للمعلومات في الاستخبارات الأميركية الذي قام بدوره بتحميلها على قرص (CD).

نجاح برادلي في نسخ هذا الكم الهائل من الوثائق الإلكترونية المخزّنة دون أن يضطر إلى إخفائها "كما قال" أو إلى اعتماد أساليب معقّدة لتهريبها، سيسلّط الضوء على ضعف الإجراءات الأمنية (Security Measures) المتعلقة بالحواسيب والملقمات (Servers) من ناحية الإجراءات الأمنية الخاصة بالدخول إليها وضعف الرقابة عليها وضعف الإجراءات المتعلقة بمنع تهريب الوثائق منها، ولا شك أنّ من شأن ذلك أن يؤدي ليس فقط إلى تقييد مسألة تهريب المعلومات مستقبلا وإنما إلى تقييد حرية الوصول إلى المعلومات والاطلاع عليها.

"
نجاح الجندي برادلي في نسخ هذا الكم الهائل من الوثائق الإلكترونية سيسلّط الضوء على ضعف الإجراءات الأمنية المتعلقة بالحواسيب والملقمات من ناحية الإجراءات الأمنية الخاصة بالدخول إليها وضعف الرقابة عليها "
وهي نقلة شبيهة إلى حد ما بالوضع الذي خلفته هجمات 11 سبتمبر/أيلول حيث تعرّضت الحريات بشكل عام لتضييق كبير في أميركا والعالم.

أمّا المسألة الثانية، فهي تتعلق بأمن الإنترنت وحرية الإنترنت. فالوثائق المذكورة نشرت على موقع "ويكيليكس" عن طريق شبكة الإنترنت الأمر الذي أطلق سجالا كبيرا حول استغلال أسانج للإنترنت لنشر وثائق كهذه، وبالتالي ضرورة إغلاق الموقع ومنع المزودين ومستضيفي الخدمات من التعامل معه.

ومن المفارقات أنّ النزاع حول ضرورة إغلاق الموقع أو عدم إغلاقه انتقل إلى فضاء الإنترنت موّلدا حروب إنترنت وشبكات (Cyberwars) بين المؤيدين والمعارضين للموقع. فقد أطلق المؤيدون للموقع عملية باسم "الاسترداد" استخدموا فيها حوالي خمسة آلاف جهاز كمبيوتر واستهدفوا من خلالها مواقع شركات بطاقات الائتمان الرئيسية في العالم كـ"ماستر كارد" و"فيزا"، ومعها شركات أخرى ضخمة مثل (Amazon) و(PayPal) و(eBay) بهدف تعطيل الخدمات أو منعها من الأساس عبر ما يسمى (DDoS) ردّا على منع هذه المواقع من السماح بتقديم خدماتها لويكيليكس فيما يتعلق بالتحويلات المالية من المتبرعين.

ومن الطبيعي أنّ يسلّط هذا الأمر الضوء من جديد على مدى خطورة البيئة الرقمية في مجال الإنترنت وكيف يمكن لحادث بسيط أن يتطور إلى حروب تؤدي إلى تعطيل مصالح عامة الناس وخسائر بملايين الدولارات، ويشجع مستقبلا "مجموعات فوضى" على العمل في المجال الإلكتروني تحت شعار الأهداف النبيلة، أو استغلال هذه التطورات للدخول في حروب أوسع وأكبر تؤدي إلى كوارث، ولا أعرف كيف يمكن لهذه الأمور أن تتوافق مع المبادئ التي يروّج لها أسانج.

ولا شك أنّ صراعا كهذا سيسرّع كما سيعزز مستقبلا من تشديد الرقابة على الإنترنت وعلى المواقع الإلكترونية التي لطالما شكّلت متنفسا للشعوب خاصة في العالم الثالث التي كانت شريحة واسعة منهم تعلّق الآمال على فسحة الحرية هذه لتكون مدخلا لكسر قيد الديكتاتوريات.

خلاصة

"
ينبغي التعامل مع وثائق ويكيليكس على أساس نوعي لا كمي، والأهمية يجب أن تتعلّق دوما بمدى الاستفادة من نشر وثائق معينة مقابل الضرر الناجم عنها، وليس إذا كانت مسروقة أو غير مسروقة
"
أختم لأقول إنّه ينبغي التعامل مع الوثائق على أساس نوعي لا كمي، والأهمية يجب أن تتعلّق دوما بمدى الاستفادة من نشر وثائق معينة مقابل الضرر الناجم عنها، وليس إذا كانت مسروقة أو غير مسروقة سريّة أو غير سريّة، خاصّة أننا أمام موجة جديدة قد تستهدف نشر وثائق اقتصادية، ولا أعرف الانعكاسات التي ستتركها بدورها على الاقتصاد العالمي الهش حاليا ومدى استفادة الشعوب من هذا الأمر خاصة إذا كانت تتعلق بأمور مضت.

فالتعامل الكمي مع الوثائق وليس النوعي، يجعل من أسانج مجرد متطفل أو قرصان، خاصّة أنّه اعترف أنه لم يطلع إلا على عدد قليل من الوثائق ولا يعرف فحوى البقية، كما أنّه لا يكفي أن يحمل أسانج أهدافا نبيلة أو نوايا سليمة إذا افترضنا أنّه يعمل في هذا السيناريو، إذ لا بد أن يكون للمسؤولية دور في هذه اللعبة خاصة عندما تدل معظم المؤشرات المتعلقة بالانعكاسات التي أحدثها ويكيليكس إلى أنّ الأمور تسير كما رأينا في طريق معاكس للأهداف والغايات التي تمّ تحديدها عند إطلاق الموقع.

قد يلجأ البعض إلى تصنيفها على أنّها أضرار جانبية ضرورية (Collateral Damage) لكنها ليست كذلك على الإطلاق، فهي قد تصبح الأساس مستقبلا ويبقى ويكيليكس مجرد حدث.

المصدر : الجزيرة

التعليقات