علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


القدس والواقع الراهن
حصار المواطنين وحصار الأرض ونهبها
إسرائيل تعلن "قدس يهودية وكبيرة وقوية"
المهام العربية والإسلامية العاجلة

يأتي مشروع الدعوة "الإسرائيلية" التي صدرت قبل أيام لإعلان القدس الموحدة بجزئيها الشرقي والغربي "عاصمة أبدية ونهائية للشعب اليهودي" في سياق الهجمة "الإسرائيلية" الصهيونية المتواصلة على المدينة المقدسة والمسجد الأقصى، وهي هجمة ليست مقطوعة عن جذورها وعن مسلسل التهويد الذي ابتلع المدينة المقدسة وشرد أبناءها ومواطنيها من العرب المسلمين والمسيحيين على حد سواء قبل النكبة، كما ومنذ احتلال الجزء الغربي، وصولا إلى ما بعد احتلال جزئها الشرقي عام 1967.

فالمخططات والمؤامرات الصهيونية لتهويد القدس والأقصى خاصة مستمرة منذ ما يزيد على سبعين عاما، أي ما قبل قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين. وزاد من حدة الهجمة "الإسرائيلية" الصهيونية الاستيطانية التهويدية الجديدة والجارية بحق الأقصى والمدينة المقدسة، ما يرافقها من عمليات حفر وتنقيب مستمرة تحت المسجد الأقصى الذي تحول اسمه من المسجد الأقصى إلى المسجد المعلق الذي بات محمولا على أعمدة تكاد لا تحتمل جدرانه السميكة. فأين أصبحت قضية القدس، في ظل غياب المواقف الجدية والحازمة العربية والإسلامية؟

القدس والواقع الراهن
في الوقت الذي يصرخ فيه المفاوض الفلسطيني من استمرار عمليات الاستيطان والتهويد فوق عموم الأرض المحتلة عام 1967 في القدس والضفة الغربية، وفي الوقت الذي تعمل فيه واشنطن لتمرير ما تسميه "صفقة الحل الشامل" تتواصل مشاريع التهويد الكولونيالية التوسعية الإجلائية الصهيونية في مختلف مناطق المدينة المقدسة (داخل الأسوار وخارجها) وفي مناطق ريف المدينة التي أمست بدورها جزءا من القدس الكبرى بعد أن قامت سلطات الاحتلال بتوسيع الحدود الإدارية للمدينة لتصبح مساحتها تقارب ربع مساحة الضفة الغربية، فبات المشهد المقدسي يحتل موقعا رئيسيا في الأهمية والأبعاد الإستراتيجية والدينية والسياسية الحاسمة في ظل التحولات التي مازالت ترسمها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على أرض المدينة المقدسة.

"
تتابعت الاعتداءات الصهيونية وتمادت دولة الاحتلال في القيام بما تسميه بأعمال "الحفريات الهيكلية" في قلب مدينة القدس المحتلة منذ مدة ليست بالقصيرة
"
فبعد أن تتابعت الاعتداءات الصهيونية وتمادت دولة الاحتلال في القيام بما تسميه بأعمال "الحفريات الهيكلية" في قلب مدينة القدس المحتلة منذ مدة ليست بالقصيرة، فان مشاريع العطاءات لبناء آلاف الشقق السكنية تواصلت أيضا، بل واستثنت حكومة نتنياهو مدينة القدس من اتفاق التجميد المؤقت السابق لعمليات الاستيطان، ومازالت إلى الآن على موقفها نفسه.

فقد أقيمت في الفترات الأخيرة عشرة آلاف وحدة سكنية استيطانية في منطقة قلنديا أو عطاروت، وتم توسيع مستعمرة عيناتا، وموقع التلة الفرنسية، فضلا عن استمرار العمليات الجارية حول وعلى محيط الأقصى لإقامة نفقين كبيرين أسفل وفي محيط المسجد الأقصى المبارك أحدهما في سلوان والثاني في منطقة الواد في البلدة القديمة.

ومن المعروف أن عصابات جمعية (ألعاد) الاستيطانية الصهيونية استحصلت ترخيصا من سلطات الاحتلال لبناء موقف سيارات على بعد 30 مترا من أسوار الحرم القدسي الشريف، حيث المسجد الأقصى المبارك، لبناء مبنى ضخم. في الوقت الذي أشارت فيه أيضا حركة (السلام الآن) الإسرائيلية إلى أعمال تجري تحت غطاء حفريات أثرية لتشييد مبنى ضخم بمساحة 155 ألف متر مربع، يشمل قاعة مؤتمرات ومركزا تجاريا وغرف ضيافة وموقف سيارات تحت الأرض.

ناهيك عن مشروع بناء ما يسمى بـ"متحف التسامح" بربع مليار دولار على أراضي مقبرة (مأمن الله) التي تضم رفات الآلاف وبين جنباتها أضرحة عدد من الصحابة كالصحابي عبادة بن الصامت، وقد اختارت الموقع منظمة يهودية صهيونية مركزها في مدينة لوس أنجلوس الأميركية وبمبادرة من مركز شمعون فيزنتال.

وليس سرا القول بأن هناك جمعيات يهودية متطرفة تخطط للاستيلاء على عقارات تابعة للكنيسة الأرثوذكسية في القدس الشريف خاصة في ساحة عمر بن الخطاب في باب الخليل، وهي منطقة ملاصقة للبطريركية الأرثوذكسية، وتمثل في الواقع العملي واجهة المدينة المقدسة.

حصار المواطنين وحصار الأرض ونهبها
ونتيجة لعمليات التهويد المتواصلة، باتت رموز التهويد تطوق المسجد الأقصى المبارك من جهاته الأربع بأكثر من 100 كنيس يهودي، خاصة داخل البلدة القديمة بالقدس، وقرب أسوار القدس القديمة، في وقت توجد فيه عدة كنس يهودية في الأنفاق التي حفرت تحت المسجد الأقصى المبارك، وهناك عشرات الكنس، بدأت تمتد وتزداد في غرب المسجد الأقصى المبارك، وأصبحت جميعها تشكل سلسلة على شكل دائري حول المسجد الأقصى من كل الجهات، وبدأت تزداد وتقترب من المسجد الأقصى المبارك في هذه الأيام، وتشكل أجواء استيطانية يهودية، خانقة حول المسجد، وقد بنيت على عقارات وأوقاف إسلامية ومساجد استولت عليها المؤسسة الإسرائيلية بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967.

كما كانت المؤسسة الإسرائيلية قد صعدت في الفترة الأخيرة من بناء هذه الكنس في مواقع قريبة من الأقصى، إضافة لوجود مخطط إسرائيلي وشيك التنفيذ لبناء أكبر كنيس يهودي في العالم بتكلفة (40) مليون دولار فوق المدرسة التنكزية الإسلامية التاريخية، التي هي جزء من المسجد الأقصى، وقد أقر مخطط هذا الكنيس في زمن حكومة شارون.

"
رموز التهويد باتت تطوق المسجد الأقصى المبارك من جهاته الأربع بأكثر من مائة كنيس يهودي، خاصة داخل البلدة القديمة بالقدس، وقرب أسوار القدس القديمة
"
ناهيك عن تزايد الأصوات الإسرائيلية التي تنادي بضرورة التخلص من المقدسيين بعد ازدياد عمليات المقاومة من خلال حوادث الدهس بالجرافات أو الطعن بالسكاكين. ووصلت المطالب إلى قنوات الحكومة الإسرائيلية عبر أصوات العديد من أعضاء الكنيست التي تتعالى كل يوم مطالبة بشكل أو بآخر، بتعبير أو بتعبير آخر بضرورة "التخلص من المقدسيين من العرب المسلمين والمسيحيين من خلال تفعيل الأساليب المعهودة التي مازالت سلطات الاحتلال تمارسها بحق المقدسيين، كسحب الهويات الخاصة بسكان المدينة من أي مواطن يغيب لفترة معينة خارج حدود المدينة لطلب العلم أو العمل المؤقت خارج فلسطين أو الزيارات الخارجية ... إلخ.

وفي هذا المجال، ومن موقع الاستئناس بالأرقام والمعطيات لتوضيح الصورة، بلغ عدد بطاقات الهوية المقدسية المصادرة في الفترة (1967-2006) ما مجموعه (8269) بطاقة هوية منها (1363) بطاقة في العام (2006)، وبلغ عدد الأسر التي هجرت من محافظة القدس (1635) أسرة (وتشمل مواقع مختلفة في إطار المحافظة أو خارجها) بسبب بناء جدار الضم والتوسع، وبلغ عدد الأفراد المهجرين في المحافظة (9609)، كما بلغت مساحة الأراضي المصادرة (11100) دونم، وذلك للعام (2005).

إسرائيل تعلن "قدس يهودية وكبيرة وقوية"
وبالنتيجة، تشي الوقائع اليومية بالحقيقة، وتشير إلى السياسات الإسرائيلية المتعلقة بمستقبل القدس في صيغ جديدة عنوانها "قدس يهودية، وكبيرة وقوية"، حيث يندمج هذا الاصطلاح اندماجا منساقا وراء التصورات السكانية الإسرائيلية التي تعمل لتخطيط حدود القدس من جديد واقتطاع مساحات إضافية من مناطق مدن وريف الضفة الغربية المحيط بالجوار المباشر للمدينة في أراض يعيش فيها اليوم عشرات آلاف الفلسطينيين، كأحياء الشيخ جراح ووادي الجوز ورأس العامود وسلوان والعيسوية والصوانة والبلدة القديمة كلها وما حولها، مع ضم كتلة مستعمرات معاليه أدوميم وميشور أدوميم، وكذلك منطقة هيشوف أدام شمال شرق نفيه يعقوب ومستوطنة جيلو جنوبي القدس. وكل منطقة غوش عتصيون وبيتار عيليت، وكذلك المناطق جفعات زئيف، وجفعون الجديدة وجبل أدار وبيت حورون شمال غرب القدس.

وبالتالي، وفي ضوء الواقع الحالي في القدس، وتواصل عمليات القضم المتتالي لأراضيها لمصلحة التوسع الاستيطاني التهويدي الجائر، تصرخ القدس وتستغيث وتنتظر مهام عاجلة، فلسطينية وعربية وإسلامية، للتحرك من أجل إنقاذ المدينة المقدسة، حيث يؤلم القلب أن يبقى الفلسطينيون وحدهم يواجهون هذا الخطر الداهم، وأن يستمر العرب والمسلمون مكتفين بالتصريحات والكلام الذي لا يحقق شيئا عمليا على الأرض.

فما يجري في القدس، والأحداث الدامية التي شهدتها ساحات المسجد الأقصى المبارك ومعها الصور الأكثر دموية، لم تصل تفعيلاتها حتى اللحظة إلى الأذن العربية والإسلامية على ما يبدو، حيث تسعى إسرائيل إلى تطبيع سلوكها الفاشي ضد القدس والأقصى تحت حراب البنادق.

وإذا كان العرب يقومون بجزء من واجباتهم الكبيرة تجاه فلسطين وشعبها، فإن حجم المؤامرة والمخططات الصهيونية لا يزال أضخم من هذا الدور، الأمر الذي يستدعي الدعوة إلى تحرك أقوى وأكثر فاعلية، دون أن نظل نمارس جلد الذات أو نتحدث عن التقصير الذي لا يستطيع أحد أن ينفيه.

المهام العربية والإسلامية العاجلة
إن نصرة الشعب الفلسطيني ودعمه في صموده وفي مواجهته للمخططات الإسرائيلية يجب ألا تتوقف عند البيانات، ويجب ألا تكون ختامها تصريحات الشجب والتنديد، فالأقصى والقدس اليوم لا يحتاجان إلى المزيد من الإبداع الخطابي، وكل ما يحتاجه الأقصى هو لحظة صدق من هذه الأمة الإسلامية وأحرار العالم.

"
لا بد من تدخل منظمة المؤتمر الإسلامي والدول العربية والإسلامية بكل قوة لوقف الجنون الإسرائيلي بحق الأقصى والمقدسات الإسلامية, لأن هناك نية مبيتة للنيل منه من قبل اليهود المتطرفين
"
وعليه، وعلى ضوء الواقع الحالي في القدس، وتواصل عمليات القضم المتتالي لأراضيها لمصلحة التوسع الاستيطاني التهويدي الجائر، فإن مهمات فلسطينية وعربية وإسلامية عاجلة تتطلب التحرك من أجل إنقاذ المدينة المقدسة، وإدامة صمود المقدسيين عبر مد المؤسسات الوطنية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني بكل أسباب وعوامل الصمود والثبات، وتحويل الدعم اللفظي إلى دعم مادي مباشر، وإعادة إحياء وتفعيل صندوق القدس العربي الذي كانت قمة القاهرة قد أقرته عام 2001.

وعليه يقع على عاتق المؤسسات الحقوقية والمنظمات الفاعلة والصليب الأحمر ضرورة التدخل الفوري لوضع حد للمأساة التي تحل بمدينة القدس جراء تواصل الهجمة الإسرائيلية الشرسة مع تواصل عمليات الحفريات والهدم.

كما في ضرورة تدخل منظمة المؤتمر الإسلامي والدول العربية والإسلامية بكل قوة لوقف هذا الجنون الإسرائيلي بحق الأقصى والمقدسات الإسلامية، فالأقصى والقدس الآن في خطر حقيقي، لأن هناك نية مبيتة للنيل منه من قبل الجماعات اليهودية المتطرفة. فضلا عن ضرورة تكثيف حملات توعية فلسطينية للمواطنين المقدسيين للحيلولة دون انتشار ذلك، حيث سيكون له أثر خطير جدا على مستقبل مدينة القدس.

فلنبادر لقرع الأجراس، عسى أن تتوالد التحركات الجدية العملية والملموسة في الوقت الأخير الخطير الذي تعيشه المدينة المقدسة، فكل من يتغنى بعروبة القدس، عليه أن يفعل شيئا من أجل هذه العروبة، فالحفاظ على عروبة القدس لا يحتاج إلى خطابات ولا يحتاج إلى استنكار وشجب، بل يحتاج عملا ميدانيا على الأرض لدعم صمود وبقاء المقدسيين فوق أرضهم، وإسناد مؤسساتهم بالدعم المادي الملموس والمباشر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك