عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي



 

لم تترسخ بعدُ في الدولة العربية الحديثة فكرة المواطنة على الصعيدين النظري والعملي، فهي تحتاج إلى جهد كبير على صعيد الدولة والحكم (السلطة والمعارضة) إضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني على حد سواء، نظرا لغياب ثقافة المواطنة وضعف الهياكل والتراكيب والمؤسسات الناظمة للاجتماع السياسي الحكومي وغير الحكومي، بما فيها فكرة الدولة المدنية وسياقاتها!

وإذا كان بالإمكان اعتبار فكرة الدولة أعظم منجز بشري، لا سيما في إطار المنتظم الاجتماعي لحماية أرواح وممتلكات المواطنين وحفظ النظام والأمن العام، فإن فكرة المواطنة ارتبطت بالدولة الحديثة أو أخذت أبعادها الفكرية والحقوقية منها، ناهيكم عن أساسها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الراهن.

"
إذا كان بالإمكان اعتبار فكرة الدولة أعظم منجز بشري، لا سيما في إطار المنتظم الاجتماعي، فإن فكرة المواطنة ارتبطت بالدولة الحديثة أو أخذت أبعادها الفكرية والحقوقية منها
"
اعتمدت فكرة المواطنة في القرن الثامن عشر بالدرجة الأساس على بناء الدولة، لا سيما بأفقها الليبرالي الذي بشّر بإعلاء قيمة الفرد والحرية والسوق في إطار سيادة القانون، وشهد القرن التاسع عشر تطوراً في فكرة المواطنة بتعزيز الحقوق السياسية بعد إقرار الحد الأدنى من الحقوق المدنية، وبشكل خاص عند تطور مفهوم الديمقراطية الناشئ وقبول مبدأ الاقتراع العام.

أما في القرن العشرين فقد توسّعت فكرة المواطنة لتشمل مبادئ حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بعد التطور الذي حصل بإقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، خصوصا بتأكيد الحقوق المدنية والسياسية، ولهذا حظيت فكرة المواطنة باهتمام أكبر، لا سيما بانتقالها من فكرة تأسيس دولة الحماية إلى تعزيز دولة الرعاية.

لقد خطت بعض البلدان خطواتٍ مهمة في طريق تأمين الحقوق والحريات المدنية والسياسية، وسارت شوطا بعيداً في تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتأكيد حيوية وديناميكية فكرة المواطنة بمزاوجة الحقوق والحريات بالعدالة، ولا سيما بمعناها الاجتماعي، خصوصا وأن المواطنة لا تستقيم مع الفقر، وهو الأمر الذي نطلق عليه "المواطنة العضوية"، أي المواطنة التي تقوم أولا على قاعدة المساواة في الحقوق والواجبات وأمام القانون ودون تمييز بسبب الدين أو اللون أو اللغة أو الجنس أو العرق أو المنشأ الاجتماعي أو لأي سبب آخر.

ثانيا، قاعدة الحرية كقيمة عليا لا يمكن تحقيق الحقوق الإنسانية الأخرى من دونها، فهي المدخل والبوابة الضرورية للحقوق الديمقراطية السياسية، بما فيها حق التعبير وحق تأسيس الجمعيات والأحزاب وحق الاعتقاد وحق المشاركة السياسية في إدارة الشؤون العامة وتولّي المناصب العليا، وإجراء انتخابات دورية، وحق التملّك والتنقّل وعدم التعرض إلى التعذيب.. إلخ.

ثالثا، قاعدة الهوية الوطنية العامة التي يمكن أن تتعايش فيها هويات فرعية في فضاء من المساواة والحرية واحترام الهويات الأخرى في إطار الهوية العامة الجامعة، أي الإقرار بالتنوّع في إطار الوحدة، وليس التنافر والاحتراب، فقد ظلّ الاتجاه السائد في الثقافة المهيمنة يميل إلى عدم احترام الخصوصيات أو التقليل من شأنها ومن حقوق المكوّنات الأخرى، سواءً كانت قومية أو دينية أو لغوية أو غير ذلك.

رابعا، القاعدة التي تستند إلى فكرة المشاركة التي لا يمكن أن تتحقق من دونها عملية التنمية المستدامة: أي التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية فضلاً عن السياسية المستندة إلى قاعدة الحريات والحقوق المدنية والسياسية، التي تغتني بالمعرفة وتنمية القدرات، لا سيما التعليمية وتأمين حقوق المرأة واحترام التنوّع الثقافي والإقرار بالتعددية وتقليص الفوارق الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

المواطنة تقوم وتستند إلى قاعدة المواطن/الفرد الذي ينبغي مراعاة فردانيته من جهة، ومن جهة أخرى حريته، الأساس في مساواته مع الآخر تساوقا في البحث عن العدالة. وتتعزز مبادئ المساواة والحرية في إطار المُنتظم الاجتماعي الوطني والائتلاف والانسجام من جهة، وتغتنيان بالتنوع والتعددية من جهة أخرى، وذلك من خلال الوحدة والاشتراك الإنساني والحقوق والواجبات، وليس عبر الانقسام أو التشظي أو التمييز.

وإذا كانت فكرة المواطنة تتعزّز من خلال الدولة، فإنها تغتني وتتعمق بوجود مجتمع مدني حيوي وناشط، بحيث يكون قوة رصد من جهة للانتهاكات المتعلّقة بالحرية والمساواة والحقوق، ومن جهة أخرى قوة اقتراح وليس احتجاج فقط، بحيث يصبح شريكا فعالاً للدولة في توسيع وتعزيز دائرة المواطنة العضوية وتأمين شروط استمرارها، لا سيما إذا تحولّت الدولة من حامية إلى راعية، مرتقية لتعزيز السلم المجتمعي والأمن الإنساني، خاصة بوجود مؤسسات ترعى المواطنة كإطار والمواطن كإنسان في ظل الحق والعدل.

"
مثلما هي فكرة الدولة حديثة جداً في المنطقة العربية، فإن فكرة المواطنة تعتبر أكثر حداثة منها وجاءت انبثاقا عنها، على الرغم من وجود تجارب "دولتية" أو ما يشابهها في العهد الراشدي الأول وما بعده
"
مثلما هي فكرة الدولة حديثة جداً في المنطقة العربية، فإن فكرة المواطنة تعتبر أكثر حداثة منها وجاءت انبثاقاً عنها، على الرغم من وجود تجارب "دولتية" أو ما يشابهها في العهد الراشدي الأول وما بعده أو عند تأسيس الدولة الأموية بدواوينها ومراتبيتها التي توسّعت وتطوّرت في ظل الدولة العباسية وفيما بعد الدولة العثمانية، خصوصاً في الفترة الأخيرة من تاريخها حيث تأثّرت بمفهوم الدولة المعاصرة في أوروبا وبالأفكار الدستورية والقانونية الحديثة، لا سيما فكرة المواطنة التي اغْتنت في القرن العشرين باعتبارها "حقا" من الحقوق الأساسية للإنسان.

وإذا كان مفهوم المواطنة جنينيا في الدولة العربية الإسلامية، لا سيما فيما يتعلّق بتحديد مسألة الهوية، ناهيكم عن الحقوق الإنسانية، فإن هذا الحق، تساوقا مع التطور الفقهي والدستوري على المستوى الدولي، اكتسب بعداً جديدا في الدولة العصرية ومنها الدولة العربية، على الرغم من النواقص والثغرات التي لا تزال تعاني منها قياسا للتطور الدولي.

وقد تكرّس مبدأ الحق في المواطنة في أواسط القرن العشرين، خصوصا بصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 والعديد من الوثائق الدولية، التي أكدت أن: لكل فرد في أي مكان من العالم الحق في أن تكون له صلة قانونية بدولة من الدول.

ويُستخدم في القانون الدولي مصطلح "المواطنة"، خصوصا في التعبير عنه باكتساب الجنسية التي تعتبر عنصراً حيويا وأساسيا من عناصر المواطنة، حين يتم الحديث عن منح الأشخاص الحق في حماية دولة ما إلى جانب حقوق سياسيةٍ ومدنية، التي تشكّل ركنا أساسياً في هوية الفرد/الإنسان. ويمكن تعريف المواطنة الحيوية أو العضوية بأنها "الحق في الحصول والتمتع بالحقوق بصورةٍ عادلة".

وإذا كان الحق في المواطنة قد ضمنه القانون الدولي، الذي حظر حرمان أي شخصٍ من مواطنته أو جنسيته التي أكّدتها المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي نصت على أن: لكل إنسان الحق في الحصول على جنسية ولا يجوز حرمان إنسان بصورةٍ تعسفية من جنسيته ولا من حقه في تغييرها، فإن ذلك لم يمنع من بقاء ملايين البشر في جميع أنحاء العالم بدون جنسية، الأمر الذي ينتقص من مبدأ الحق في المواطنة، بغض النظر عن أن حالات انعدام الجنسية قد تنشأ من التعارض في القوانين ونقل تبعية الإقليم أو حالات الزواج أو وجود تمييز أو عدم تسجيل المواليد أو إسقاط الجنسية.

ولعل المثل الأكثر سفوراً في العالم العربي هو تهجير الفلسطينيين منذ العام 1948 وإسقاط حقهم في وطنهم، وبالتالي جعلهم عرضةً لحالات انعدام الجنسية. وسيساهم المشروع الجديد للجنسية في "إسرائيل" في حالات اللاجنسية وحرمان الكثيرين من حقهم في الحصول على جنسية، ناهيكم عن الانتقاص من حقوق المواطنة، وذلك بجعل هوية الدولة أساسا للتمييز وعدم الاعتراف بالحقوق، خصوصاً مطالبة سكانها بمن فيهم أهل البلاد الأصليون، أي فلسطينيي الداخل (عرب الـ48)، بأداء قسم الولاء للدولة اليهودية "النقية" (الديمقراطية).

ولا شك أن اتّساع وانتشار حالات اللاجئين وأوضاعهم هي التي دفعت الأمم المتحدة إلى إنشاء مكتب للمفوضية السامية للاجئين كإحدى وكالات الأمم المتحدة المسؤولة عنهم وللحد من ظاهرة انعدام الجنسية، التي لا تزال مستفحلة في العديد من بلدان العالم الثالث، ومنها البلدان العربية، الأمر الذي لا يمكن معه الحديث عن دولة رعاية، فما بالك بدولة الحماية المنشودة!

لقد أدركت العديد من الحكومات أنه لم يعد بإمكانها اليوم التملّص من حالات المساءلة بموجب القانون الدولي بإلغاء أو سحب أو حجب حق المواطنة عن الأفراد والجماعات الذين يمكنهم إثبات وجود علاقة حقيقية وفعالة بينهم وبين بلدهم، سواء عن طريق رابطة الدم "البنوّة" للآباء على الرغم من أن العديد من البلدان العربية ما زالت تحجب هذا الحق عن الانتساب إلى جنسية الأم، في حين أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يعطي مثل هذا الحق، أو "طريق الأرض" أي الولادة في الإقليم أو الحصول على جنسيته ومواطنته، أو اكتساب الجنسية نظرا للإقامة الطويلة والمستمرة والتقدم بطلب إلى السلطات المسؤولة عن ذلك.

وإذا كان انشغال النخب العربية بفكرة "الأمة الإسلامية" أو "الجامعة الإسلامية" برز في القرن التاسع عشر وربما في بدايات القرن العشرين، فإن الانبعاث القومي العربي بدأ يتعزز لاحقا حيث بدأت النخبة الثقافية والتنويرية الإسلامية والعلمانية الاهتمام بالفكرة الحديثة عن الدولة التي تعتبر المواطنة أحد مظاهرها الأساسية، فالشعب والحكومة والأرض والسيادة هي أركان الدولة وعناصر وجودها، التي تستقيم وتتعزز في ظل احترام الحقوق والحريات وتكريس مبدأ المساواة الكاملة والمواطنة التامة في إطار سيادة القانون.

"
الموقف الذي حكم الدولة العربية الحديثة ومجتمعها الأبوي التقليدي كان قاصرا واستعلائياً في نظرته إلى المواطنة و"الأقلية" أو ما نطلق عليه التنوّع الثقافي، وهذه النظرة أعاقت ترسيخ سلطة الدولة
"
وبالإمكان القول إن الموقف الذي حكم الدولة العربية الحديثة ومجتمعها الأبوي التقليدي كان قاصرا واستعلائيا في نظرته إلى المواطنة و"الأقلية" أو ما نطلق عليه التنوّع الثقافي. وهذه النظرة أعاقت ترسيخ سلطة الدولة، فـ"الأقلية" -قومية كانت أو دينية حسب وجهة النظر هذه- قد تكون "متآمرة" أو "انفصالية" أو أن تاريخها غير "مشرّف" أو ملتبس أو قد تكون "مسؤولة عن كوارث الأمة" مثلما يحلو للبعض أن يعلّق نكباتنا على شماعتها، وإنْ كان للتداخل الخارجي شأن في تشجيع بعض النزعات الافتراقية، لكن الأساس في ذلك هو السياسات الداخلية السلبية وهضم الحقوق والانتقاص من مبادئ المساواة والمواطنة الكاملة.

وهكذا تجد بعض الأفكار السائدة، التي تأخذ الأمور بالجملة وعلى نحو سطحي، توجه الاتهامات إلى مكوّنات ثقافية ودينية دون الحديث عن جوهر المشكلة، لا سيما الحقوق والمساواة والحرية وتكافؤ الفرص والمواطنة العضوية القائمة على قاعدة العدل. وقد أضعفت هذه النظرة من التوجّه نحو المجتمع المدني ابتداءً بالانتقاص من مفهوم المواطنة إلى الضغوط الاجتماعية المسنودة بالمؤسسة التقليدية العشائرية والدينية في الكثير من الأحيان.

وظلّ المجتمع العربي يعاني من الموروث السلبي بما فيه الديني الذي جرت محاولات لتوظيفه سياسيا بالضد من تعاليم الإسلام السمحاء، سواءً استهدف المسيحيين أو غيرهم، وكذلك استمرار النظرة الدونية إلى المرأة، وعدم الإقرار بالتعددية السياسية والفكرية والاجتماعية والقومية والدينية، الأمر الذي ينتقص من مبدأ المواطنة!!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك