محمد عباس ناجي

محمد عباس ناجي


ارتباك في الملف النووي
إيران وإسرائيل مستفيدتان

حالة من التخبط والارتباك بدت جلية في تعامل إيران مع الوثائق التي قام بتسريبها موقع "ويكيليكس"، سواء التي تحدثت عن دور إيراني واضح في أفغانستان والعراق، أو تلك التي تناولت مواقف بعض دول مجلس التعاون الخليجي تجاه طموحات إيران النووية والإقليمية.

ففي البداية، استثمرت إيران التسريبات التي نشرها الموقع في يوليو/تموز 2010، وضمت 77 ألف وثيقة عن الحرب الأميركية في أفغانستان أشارت إلى انتهاكات ارتكبتها القوات الأميركية أسفرت عن سقوط مدنيين أفغان، بهدف توجيه انتقادات إلى الوجود الأميركي في الجوار الأفغاني وإكساب دعوتها لانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان قدرا من المصداقية والزخم.

لكن عندما قام الموقع في أكتوبر/تشرين الأول 2010 بنشر 391.831 وثيقة عن الحرب في العراق كشفت ضلوع إيران في تهريب أسلحة إلي المليشيات الشيعية في العراق لمحاربة خصومها السياسيين، أطلقت طهران انتقادات عنيفة بحق الموقع اتهمته فيها بدعم الجهود الأميركية الرامية إلى فرض عزلة إقليمية ودولية عليها من خلال التضخيم مما يسمى بـ"الإيرانو فوبيا".

وجاءت التسريبات الأخيرة التي بدأ الموقع في نشرها في 28 نوفمبر/تشرين الثاني الفائت، لتربك أوراق وحسابات إيران من جديد، ما دفعها ليس فقط إلى عدم التعجل في استخلاص نتائج واتخاذ قرارات، بل، وربما يكون ذلك هو الأهم، قراءة ما جاء بها بدقة وحذر شديدين.

ارتباك في الملف النووي

"
رغم أن إيران لا تبدو مندهشة أو منزعجة كثيرا لما جاء في تسريبات ويكيليكس، فإنها غير مطمئنة إلى الاستحقاقات التي يمكن أن تتمخض عنها، لاسيما تجاه إدارتها لأزمة ملفها النووي مع الغرب
"
ورغم أن إيران لا تبدو مندهشة أو منزعجة كثيرا لما جاء في هذه التسريبات، فإنها غير مطمئنة إلى الاستحقاقات التي يمكن أن تتمخض عنها، لا سيما تجاه إدارتها لأزمة ملفها النووي مع الغرب.

وفي هذا السياق، فإن ثمة قراءتين إيرانيتين للتداعيات المحتملة لهذه التسريبات: الأولى تقول إن ما نشر من وثائق يمكن أن يربك حسابات إيران في إدارة أزمة ملفها النووي، التي تقوم على أن الولايات المتحدة لن تستطيع مهاجمة إيران وأنها مضطرة إلي الارتكان للأداة الدبلوماسية في التعامل معها، وأن عامل الوقت كفيل بتمكين إيران من الإفلات ببرنامجها النووي رغم كل الصعوبات التي تواجهه.

إذ من شأن الكشف عن هذه الوثائق أن يضع الإدارة الأميركية أمام بدائل ضيقة ويقلص من هامش المناورة المتاح أمامها، بما يمكن أن يؤدي إلي اندفاعها لحسم خياراتها مع إيران بالاتجاه إلى استخدام الآلة العسكرية لتسوية أزمة ملفها النووي، وهو احتمال يكتسب وجاهة خاصة في ضوء عاملين، أولهما، عودة الجمهوريين إلى مزاحمة الديمقراطيين في معادلة صنع القرار بعد فوزهم في انتخابات الكونغرس التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني 2010.

ورغم أنه فوز غير ساحق، على ضوء نجاح الديمقراطيين في الاحتفاظ بسيطرتهم على مجلس الشيوخ، فإن حصول الجمهوريين على الأغلبية في مجلس النواب يمكن أن يفرض ضغوطا على الإدارة الأميركية لتغيير نهجها باتجاه إبداء مزيد من التشدد في التعامل مع طهران.

وثانيهما، المساعي التي تبذلها إسرائيل لإقناع واشنطن بأن المفاوضات لن تنجح في حث إيران على الاستجابة لمطالب المجتمع الدولي الخاصة بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم والتعامل بشفافية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأن طهران تنتهج سياسة "كسب الوقت" لتحقيق أكبر قدر من التقدم في برنامجها النووي وتفويت الفرصة على الولايات المتحدة لتكوين إجماع دولي قوي يدعم توجهاتها سواء لفرض عقوبات جديدة عليها أو لإكساب أي تحرك عسكري ضدها شرعية دولية.

ووفقا لهذه القراءة، فإن الكشف عن الوثائق الأخيرة وما تضمنته من تصريحات منسوبة لبعض قادة دول الجوار تجاه طموحات إيران النووية والإقليمية، يخدم هذه الجهود الإسرائيلية.

فمن جهة سوف يقدم رسالة إلى العالم بأن القلق تجاه طموحات إيران النووية والإقليمية لا ينحصر في إسرائيل فقط، وإنما يمتد إلى دول الجوار العربية والإسلامية، وهو ما يكسب دعوة تل أبيب إلي فرض عزلة دولية وإقليمية وربما توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية مزيدا من الأهمية والزخم، لأن هذه الدعوة لن تكون في هذه الحالة إسرائيلية فقط بقدر ما ستكون إقليمية ودولية.

"
الكشف عن وثائق ويكيليكس وما تضمنته من تصريحات منسوبة لبعض قادة دول الجوار تجاه طموحات إيران النووية والإقليمية، يخدم الجهود الإسرائيلية وهي تسوية الملف النووي الإيراني على حساب عملية السلام
"
ومن جهة ثانية سوف يعطي انطباعا بأن الأولوية الآن ليست فقط لدى إسرائيل وإنما أيضا لدى الدول العربية، هي لتسوية أزمة الملف النووي الإيراني على حساب عملية السلام، وهو ما يخدم أجندة حكومة بنيامين نتنياهو التي تحاول، منذ وصول الرئيس أوباما إلى البيت الأبيض، توجيه الاهتمام لمعالجة الملف النووي الإيراني، الأمر الذي أدخلها في حالة من التوتر المكتوم مع الإدارة الأميركية التي سعت إلى فرض ضغوط على تل أبيب لتحقيق تقدم في عملية السلام، من خلال اتخاذ خطوات إيجابية بشأن تجميد عمليات الاستيطان، على أساس أن ذلك يمكن أن يشكل البوابة التي تستطيع من خلالها الإدارة الأميركية إقناع الدول العربية بتأييد سياستها الرامية إلى فرض عزلة إقليمية والالتزام بتطبيق العقوبات الدولية المفروضة على إيران لتسوية أزمة ملفها النووي، باعتبار أن هذه الدول اشترطت تحقيق تقدم في عملية السلام لمسايرة السياسة الأميركية تجاه إيران.

صراع الأولويات حسم في النهاية لصالح إسرائيل التي استطاعت استيعاب الضغوط التي فرضتها إدارة أوباما، واستثمار العثرات التي واجهتها الإدارة الأميركية، وآخرها انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، للتمترس خلف السياسة المتشددة تجاه عملية السلام، الأمر الذي أدى في النهاية إلى رضوخ الولايات المتحدة للسياسة الإسرائيلية، حيث تخلت إدارة أوباما عن جهودها لحث إسرائيل على تجميد عمليات الاستيطان.

وربما تفسر هذه الحقيقة تحديدا الارتياح الإسرائيلي الملحوظ تجاه الكشف عن التسريبات الأخيرة، الذي عكسه تعليق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على التسريبات بقوله "إن إسرائيل لم تتضرر قط جراء وثائق ويكيليكس"، وأضاف أنه "في حال أدى ويكيليكس إلى تصريحات علنية من قبل زعماء المنطقة ضد طهران فسيكون الكشف عن الوثائق مساهمة في السلام بالعالم".

إيران وإسرائيل مستفيدتان
لكن المفارقة هنا تكمن في أن حسم صراع الأولويات لصالح إسرائيل بقدر ما يفيد الأخيرة لاسيما لجهة الحفاظ على تماسك الائتلاف الحكومي، يصب في صالح إيران أيضا، لأن عدم تحقيق اختراقات هامة في ملف عملية التسوية يكسب دعوتها القائمة علي فشل خيار التسوية وجاهة خاصة، ويزيد من قوة المحور الإقليمي الذي تقوده ويضم سوريا وكلا من "حزب الله" اللبناني وحركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" الفلسطينيتين في مواجهة "محور الاعتدال" الذي يتبنى خيار السلام، فضلا عن أنه يضع عراقيل أمام الجهود الأميركية لتكوين حشد إقليمي قوي لمواجهة طموحاتها النووية والإقليمية.

أما القراءة الثانية فتقول إن ما كشفته التسريبات يمكن أن يصب في مصلحة إيران، إذ إن التضخيم من ظاهرة "الإيرانوفوبيا" يمثل أفضل دعاية مجانية لمشروع إيران الإقليمي وطموحاتها النووية، فضلا عن أنه سيضع دول الجوار التي تنتهج سياسات متشددة تجاه إيران في موقف حرج وسيدفعها إلى مراجعة مواقفها الداعمة للسياسات الأميركية أكثر من مرة قبل الولوج في اتخاذ خطوات إجرائية تجاه طهران.

وفوق ذلك، يمكن أن يعجل بإبرام صفقة كبرى بين إيران والغرب تشمل التوافق حول أزمة الملف النووي والترتيبات الإقليمية في منطقة الخليج، خصوصا في ظل توافق الكشف عن هذه التسريبات مع بدء جولة جديدة من المفاوضات بين إيران ومجموعة "5+1" في جنيف يومي 6 و7 ديسمبر/كانون الأول 2010، سوف تستكمل في إسطنبول في يناير/كانون الثاني 2011.

"
معظم ما جاء في وثائق ويكيليكس لم يشكل مفاجأة كبيرة لإيران, لاسيما لجهة إدراكها المخاوف التي تنتاب معظم دول مجلس التعاون تجاه التداعيات المحتملة لسيناريوات أزمة ملفها النووي
"
من هنا يمكن تفسير حرص إيران على عدم تصعيد الموقف مع دول مجلس التعاون على غير المعتاد، رغم أن بعض ما تضمنته الوثائق جاء صارخا في موقفه تجاهها، وهو ما بدا جليا في تصريح الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي قال فيه إن "ما جاء بالموقع يأتي ضمن مخطط غربي"، مشيرا إلى أن تلك الوثائق "لن تترك أي تأثير على العلاقات الأخوية بين إيران وبلدان المنطقة"، دون أن يتطرق إلى صحة ما جاء في تلك الوثائق من عدمه.

قد يبدو مفهوما أن هذا الحذر الإيراني في التعامل مع ما جاء في الوثائق هو جزء من السياق العام الذي حكم ردود فعل معظم دول العالم تجاه التسريبات، لكنه يكتسب نوعا من الخصوصية في حالة إيران لاعتبارين: الأول، أن معظم ما جاء في هذه الوثائق لم يشكل مفاجأة كبيرة لها، لاسيما لجهة إدراكها المخاوف التي تنتاب معظم دول مجلس التعاون تجاه التداعيات المحتملة لسيناريوات أزمة ملفها النووي، فضلا عن وجود حالة من عدم الثقة بين الطرفين، في ظل تشكك معظم هذه الدول في النوايا الحقيقية لطموحات إيران النووية، بسبب عدم تعاونها بما يكفي مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب التهديدات المتكررة التي تأتي على لسان العديد من مسؤوليها وتستهدف دول مجلس التعاون مثلما حدث في الأزمة التي نشبت بين إيران والبحرين عام 2007 على خلفية ادعاءات إيرانية بأن البحرين جزء من إيران، وبقاء بعض القضايا العالقة دون حل مثل قضية الجزر الثلاث: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى.

حالة عدم الثقة بين الطرفين دفعت دول مجلس التعاون إلى المطالبة بالمشاركة في المحادثات التي تجري بين إيران ومجموعة "5+1" للتوصل إلى حل وسط لتسوية أزمة الملف النووي، لإدراكها أنها ستكون أول المعنيين بالتداعيات المحتملة لهذه التسوية خصوصا لجهة احتمال إبرام صفقة كبرى بين الطرفين تجعل من إيران رقما هاما في الترتيبات الإقليمية في منطقة الخليج قبل حسم الخلافات العالقة معها حول بعض القضايا بما يمكن أن ينتج تهديدات جدية لأمن ومصالح هذه الدول.

والثاني أن إيران تواجه في الفترة الحالية تحديات عديدة أهمها التداعيات الناجمة عن العقوبات الدولية المفروضة عليها سواء من داخل مجلس الأمن، وآخرها القرار 1929 الصادر في يونيو/حزيران 2010، أو من خارج مجلس الأمن، حيث بدأت بعض الدول مثل الولايات المتحدة واليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية في تطبيق عقوبات فردية علي إيران.

فرغم كل الادعاءات التي حرص فيها كبار المسؤولين الإيرانيين على تأكيد فشل سياسة العقوبات، فإن ثمة مؤشرات عديدة تكشف أن هذه العقوبات سوف تنتج تأثيرات سلبية على إيران، لاسيما لجهة ظهور مشكلات أكثر حدة أمام صانع القرار الإيراني في توفير بعض السلع الضرورية مثل البنزين، ورغم أن الحكومة اتخذت إجراءات عديدة بهدف تحقيق اكتفاء ذاتي في البنزين، مثل ترشيد الدعم وتقليل الاستهلاك، فإن هذه الإجراءات لن تؤتي ثمارا إيجابية قبل عامين على الأقل بما يعنى أن إيران ستكون خلال هذه الفترة معرضة لحالة من عدم الاستقرار، سوف يدعمها حتما وجود نوع من التماهي الإقليمي مع العقوبات في ظل اتجاه العديد من دول الجوار إلي تطبيقها من خلال تقليص التعاملات المالية والمصرفية مع البنوك والمؤسسات الإيرانية.

"
إيران تحاول تقليص حدة التوتر مع الجوار والالتفاف على الجهود الأميركية لفرض استقطاب إقليمي ضد طموحاتها النووية والإقليمية، لكنها محاولة محفوفة بقدر كبير من المخاطر
"
من هنا يمكن تفسير حرص إيران على تجنب إطلاق تصريحات وتهديدات جديدة تجاه دول مجلس التعاون الخليجي ردا على ما جاء في التسريبات الأخيرة، بل وسعيها إلى توجيه رسائل طمأنة لهذه الدول إزاء نواياها، حيث استثمرت مشاركتها في اجتماعات مؤتمر "حوار المنامة" الذي عقد يومي 4 و5 ديسمبر/كانون الأول 2010، لهذا الغرض.

إذ أكد وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي على أن البرنامج النووي الإيراني لا يمثل تهديدا للأمن والاستقرار في المنطقة، وأضاف أن إيران لن تستخدم أبدا القوة ضد جيرانها المسلمين وأن قوتها العسكرية ليست موجهة إلى دول مجلس التعاون، وكرر دعوة إيران إلى إنشاء منظومة أمنية تضم دول الخليج الثماني بدون إشراك قوى أجنبية فيها في إشارة إلى رفض إيران للوجود العسكري الأميركي في الخليج.

محاولة إيرانية جديدة لتقليص حدة التوتر مع الجوار والالتفاف على الجهود الأميركية لفرض استقطاب إقليمي ضد طموحاتها النووية والإقليمية، لكنها محاولة محفوفة بقدر كبير من المخاطر، سوف تحدد فرص نجاحها قدرة إيران على كسب ثقة الجوار من خلال معالجة الرواسب العالقة وتقاطع المصالح في معظم الملفات الإقليمية إن لم يكن مجملها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك