محمد علي الحلبي

محمد علي الحلبي

محمد علي الحلبي


مسلمة من مسلمات عصرنا هي العلاقة الترابطية بين السياسة والاقتصاد, إنها علاقة طردية متواصلة ومتداخلة، فكلما اتسمت السياسة ببعديها الداخلي والخارجي بالقيم الإنسانية، وحافظت عليها زادت من إمكانيات الدولة الاقتصادية، ورفع المستويات المعيشية لشعبها، وبالتالي رفاهيته، وعندما تضل السياسات وتضيع في متاهات التيم والوله في السيطرة والاستغلال ومن ثم الحروب تترك آثارا من السلبية على الاقتصاد، وتُنزل الكوارث والمصائب على شعوبها، إنما الاقتصاديات السليمة المعافاة يرفد وفرها عناصر القوة الضرورية لحماية الوطن من عاديات الدهر وغوائله، وهي القوة العسكرية والسياسية والثقافية والقوة الاجتماعية عماد الحياة الكريمة.

السياسات الأميركية ومنذ منتصف القرن الماضي راحت تدور وبسرعة في دوائر ما يسمى بالأنانية السياسية، بل تخطت ذلك باعتمادها أساليب إجرامية سواء في حروبها المدمرة في فيتنام وكوريا وأفغانستان والعراق دُفع ثمنها ملايين القتلى والجرحى والتدمير شبه الكامل لكل ركائز بنيانها، وبذلك أعادتها إلى الوراء قرونا زمنية عدة، وراحت شعوبها تصلح ما خربه دعاة كل شيء إلا الأصول القيمية والكرامات.

"
السياسات الأميركية، ومنذ منتصف القرن الماضي راحت تدور وبسرعة في دوائر ما يسمى بالأنانية السياسية، بل تخطت ذلك باعتمادها أساليب إجرامية سواء في حروبها المدمرة في فيتنام وكوريا وأفغانستان والعراق
"
وإمعانا في غيها راحت تفرض على دول عدة سياسات للحد من نموها وإبقائها في بؤرة الضعف الاقتصادي، وأكثر، ففي الآونة الأخيرة انتهجت أساليب اللعب بالبنى الاجتماعية لشعوب عدة بهدف إثارة النعرات المذهبية والإثنية فيها لتمزيق وحدتها، وخلق العداوات بين مكوناتها.

وفي إحدى المراحل الزمنية عمدت إلى إذكاء نار الحروب بين بلدان متجاورة تحت مسمى -الحروب البديلة- من أجل تصفية لحساباتها، واستنزاف لإمكانات شعوبها محاولة إبقاء الفتنة المستمرة لاستغلالها عند الحاجة لجني الربح من بيع أسلحتها على حساب الدماء النازفة.

ونتيجة لكل ذلك ظهرت ندب في الاقتصاد الأميركي راحت تتوسع لتصبح تشوهات لعدم معالجة مسبباتها، بل دفع التمادي في غيها إلى تشوه البنى السليمة له تاركة بصمات سوداء عليه بفعل عوامل الاستمرارية في هذه السياسات.

كان من أهم الأسباب لذلك الإنفاق الهدري الداخلي الكبير، مما حدا بالمفكر الأميركي "تاليف دين" ليكتب عن البذخ والإهمال والضياع، ففضلات الطعام الأميركية التي تعادل 30% من الاستهلاك الغذائي تلقى في صناديق القمامة، أي ما يقدر بـ48.3 مليار دولار سنويا، لكن الكاتب ستيفان ليهي يلقي الضوء على جانب يدعو للدهشة والاستغراب، فرغم أرباح شركات النفط الأميركية البالغة ما بين 20 و40 مليار دولار، فالحكومة المركزية تدعم هذه الشركات بـ40 مليار دولار سنويا زيادة على أرباحها الطائلة، والرئيس السابق بوش في العام 2005 اعتمد قانون سياسة الطاقة الذي يسمح بتقديم 32.5 مليار دولار إضافية على صورة دعم ضريبي، وخفض لرسوم البراءات على مدى سنوات خمس.

يضاف لذلك أن الوزارات تعتمد المئات من البرامج لتقديم مخصصات غايتها دعم قطاع الطاقة دون أن تحاسب الحكومة عليها، ومؤخرا حصلت 40 شركة على امتيازات مالية تقدر بنحو مليار دولار سنويا، والمجموع قد يصل في النهاية إلى 50 مليار دولار بين عامي 1996 و2000 وفقا لدراسة أجرتها منظمة أصدقاء القروض.

أما الحديث عن نفقات الحروب فيكفي أن نورد شاهدا واحدا لنقدر ونتصور المبالغ المنفقة على القتل والتدمير، فاحتلال العراق يقدر كلفته الأميركي جوزيف ستيجليتر بـ3000 مليار دولار.

هذه السياسات الطائشة كان الوهم الكبير فيها البحث عن المصلحة الأميركية أولا وأخيرا، لكنها تركت منعكسات لها على:

1- تنامي العجز في الميزانية الفدرالية حتى تجاوز رقمه13.5 تريليون دولار، وتصاعدت معه مبالغ خدمات القروض الداخلية والخارجية المترتبة عن طريق ما بات يعرف بسندات الخزينة المغرية فوائدها التي طال عمر بعضها، فقد كانت في البداية لمدة 30 عاما ثم عدلت بعدها لتصبح لعشر سنوات، ومما يجدر ذكره أن موازنات بعض الولايات الاتحادية أصابها العجز أيضا.

2- العجز التجاري تزايد في السنين الأخيرة لعدم قدرة العديد من المنتجات الأميركية على منافسة مثيلاتها من إنتاج دول عديدة ناشئة لغلاء أسعارها، بينما بقي الاستهلاك المحلي للسلع المستوردة على حاله، فقد ناهز العجز في العام 2008 ما يقارب 696 مليار دولار، وما زال يتذبذب صعودا وهبوطا في الأعوام التي تلته، وانخفاض نسبة العجز مؤخرا يرجعها بعض المحللين إلى انخفاض في الواردات بسبب تراجع القدرة الشرائية للمستهلك الأميركي جراء الأزمة المالية التي انطلقت من أميركا وعمت العالم كله خاصة دول أوروبا.

وكان الحل ما يلجأ إليه عادة -المفلسون- وهو الاقتراض, والاقتراض بدأ منذ عقود زمنية عبر قناتين قروض داخلية، وقروض خارجية تقدم لدائنيها ما ذكرناه -سندات على الخزينة-، لذا تعرضت صناديق محلية مقرضة كالضمان الصحي والتقاعد لنقص في موجوداتها أدى إلى تدن قي خدماتها، أما الخارجية منها فقد جاءت من صناديق رسمية لدول ساهمت في التمويل لاعتبارات اقتصادية أو سياسية، وأحيانا كان الكثير منها مرغما استجابة للإملاءات والأوامر، كما كانت إسهامات خاصة لبنوك عالمية، وأفراد وشركات مالية تداولت هذه السندات في أسواقها دافعها الربح "النظري" المغري.

"
لمواجهة العجز لجأ البنك الاحتياطي الفدرالي لطبع المزيد من الدولارات دون أي اهتمام بانعكاس ذلك على الأسواق العالمية، وعلى اقتصادات البلدان النامية، وكان ذلك سببا من أسباب الأزمة المالية
"
هذه الظواهر الخطرة بدأت منذ زمن، ففي العام 1971 فك ارتباط الدولار بالذهب لجأ بعده البنك الاحتياطي الفدرالي لطبع المزيد منه، وتحويله إلى السوق غير مهتم بانعكاس ذلك على الأسواق العالمية، وعلى اقتصاديات البلدان النامية، وكان ذلك سببا من أسباب الأزمة المالية التي ضربت وأثرت توابعها على جميع بلدان العالم.

لنتصور مدى الخطر القادم عندما تنشر وكالة أسوشيتد برس خبرا في عددها بتاريخ 4 ديسمبر/كانون الأول 2007 تقول فيه "إن خبراء الاقتصاد يؤكدون أن الدين الداخلي يزداد بحوالي 1.4مليار دولار يوميا، أي بحوالي مليون دولار كل دقيقة، أما عن الديون الخارجية ففي يونيو/حزيران من العام الماضي بينت معلومات رسمية أن الصين أتت في مقدمة الدائنين، إذ بلغ حجم سنداتها مبلغ 846.7 مليار دولار، جاءت اليابان بعدها برقم 803.6 مليارات دولار، والدول المصدرة للنفط كانت في المرتبة الثالثة بمبلغ إجمالي 223 مليار دولار، لا تظهر لها أرقام تكشف عن حصة كل بلد، ولا حصة بلدان النفط العربية، وتوقعات التشاؤم عبر عنها مكتب الموازنة، إذ توقع أن يرتفع الدين الفدرالي إلى 20.3 تريليون دولار عام 2020.

وهذه الحقائق والتوقعات المستقبلية يغلفها بعض المحللين بمسحات من الأمل، لكن الأغلبية منهم وبعض مراكز الأبحاث يعبرون عن قلقهم وخوفهم من الانهيار الحتمي للاقتصاد الأميركي وتأثيراته الكارثية على العالم متوقعين انهيار قيمة سعر صرف الدولار أمام سلة العملات الأجنبية، وانهيار أسعار العملات المرتبطة به.

والكاتب مارتن وولف وفي مقال له نشر في فايننشال تايمز يدق ناقوس الخطر ويقول "إن الولايات المتحدة الأميركية تمر حاليا في الممر المريح نحو الخراب مما يتسبب في تقويض مصداقيتها، وفي الدور العالمي الذي تلعبه عملتها"، وفي كلامه إشارات قوية للخراب لا سيما في الخطورة المترتبة على سعر صرف الدولار، ويثبت الفكرة رودريفو دي راتو أحد مديري صندوق النقد العالمي السابقين عندما بين أن المصارف الأميركية بدأت تسحب دعمها للدولار الأميركي بعدما طبعت كمية هائلة من الدولارات دون أن يكون لها تغطية.

ويبرر هذه السياسات المالية كاشفا عن دوافعها بول وولفويتز الذي كان مديرا للبنك الدولي قائلا "ليس لدينا من خيار آخر في الحرب على العراق... إنه يعوم على بحر من النفط"، ويتابع كشف الحقائق الاستغلالية الاستعمارية، والعداء للأمة العربية أستاذ جامعة نيويورك ديفيد هارفي ليقول "إن الخوف من قوة العراق أولا، والخوف من حركة المد العربي ثانيا كانت الشغل الشاغل للحكومات الأميركية المتعاقبة حتى إن كولن باول نفسه كان قد وضع خطط طوارئ عسكرية للتعامل مع العراق قبل أن تبدأ الحرب الخليجية الأولى" ويتابع "ليس صعبا أن يعمد المحافظون إلى اعتبار أن الصراع مع العالم العربي سهل، وأن تتجسد المواقف في لغة تتحدث عن صراع صليبي مسيحي ضد الجهاد الإسلامي، وبذلك تغدو فرضية الصراع الوشيك بين الحضارات حقيقة جيوسياسية.

وهكذا استمرت سياسات العجز والاقتراض والتخبط المالي، ففي يوم 1 فبراير/شباط من العام الحالي 2010 قدم الرئيس الأميركي باراك أوباما مسودة ميزانية الدولة لهذا العام والعجز فيها وصل مستوى قياسيا جديدا حيث يبلغ 1.56 تريليون دولار، شكل ذلك ما نسبته 10.6 من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعد أعلى مستوى له منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، والمبررات لتلك الإجراءات جاهزة، فقد وعد الرئيس برصد 100 مليار دولار إضافي من أجل تأمين فرص عمل جديدة، حيث بلغت نسبة البطالة 9.6% وظلت ثابتة في الفترات الأخيرة علاوة على رفع الضرائب على الشركات والأفراد بشكل ملحوظ مما سيسهم في انخفاض عجز الميزانية.

الديون تتراكم، والصناديق المحلية الأميركية المقرضة... صندوق الائتمان الحكومي، والصندوق التقاعدي تجاوز حجم قروضها 3.3 تريليونات دولار، دخلت في مراحل التعثر عن تلبية المطالب المترتبة عليها.

لقد ألف وتآلف مسؤولو الاقتصاد وقياداته مع هذه الأساليب، فراحوا يحلون عقد أوضاع بلادهم الاقتصادية على حساب شعوب العالم، ومنذ ما يقارب الشهر وقبل قمة العشرين الاقتصادية وحتى لا يتعرضوا لطلب التوقف عن طبع وضخ المزيد من الدولارات وتأثير ذلك على العملات المرتبطة به واتخاذهم إجراءات مالية تحافظ على وتائر التصدير لديهم قرر مجلس الاحتياط الاتحادي (البنك المركزي) الدفع بـ600 مليار دولار جديدة لشراء سندات خزانة الحكومة الأميركية في الشهور المقبلة، وقد حاول "شالوم برنانكي" في حديث له يوم5/11/2010 تعليل مبررات القرار بقوله "هدفنا الأول وغايتنا الأولى هي أن ننفذ التزامنا في العمل على استقرار الأسعار مع تحقيق أقصى درجات التوظيف داخل الولايات المتحدة الأميركية".

لكنه استدرك للتغطية على ذلك بقوله "إن اقتصادا أميركيا قويا وناميا هو أمر على قدر كبير من الأهمية ليس للأميركيين فحسب ولكن للعالم أجمع"، وصحيح قوله بأن الخطوات كهذه ستؤمن مداخيل أفضل للفئات الأقل دخلا ًوبعضا من الاستقرار المؤقت، أما على المدى البعيد، فزيادة نسبة التوظيف وسعر صرف الدولار سيزدادان انخفاضا، لأن هذا الحل المؤقت وغير الدائم سيشجع الصادرات الأميركية، لكن في المقابل سترتفع قيم البضائع المستوردة في المقابل، وفي مقدمتها سعر النفط، وكل ما يستهلكه الأميركي وكل مستوردات المواد الأولية الداخلة في الصناعة.

"
الجميع يتمنى العودة للاستثمار في مشاريع تنموية قطرية، ومشاريع على مستوى الوطن العربي، وفي هذا التوجه ضمان للاستثمارات وللربح وللعائد المجزي، وتأمين الأمن الغذائي العربي، وتطوير للاقتصاد العربي
"
إنها حلقة جهنمية لا يعرف مبتكروها متى ينتهي دورانها، فوعودهم تنصب على المستقبل القريب، ولا يعرفون نتائجها البعيدة، والخبير المالي كيث جوكيز رئيس دائرة البحوث في الهيئة العامة للمصرف المركزي استبعد أن تؤدي سياسة إضعاف الدولار إلى حل مشاكل بلاده الاقتصادية، والحل برأيه في الديون التي يجب أن تأخذ الأولوية في التعامل معها.

إذن انتعاش مرحلي، والزمن القادم مجهول في معطياته، والدولار في هبوط مستمر، وأمام هذا الخطر الداهم لجأت الصين إلى تأسيس صناديق سيادية جديدة، وتنمية موجوداتها المالية، ومطالبة الولايات المتحدة بسداد ما يترتب عليها من ديون، وأجرت سلسلة عمليات مقايضة للعملات مع المصارف المركزية في الأرجنتين وهونغ كونغ وإندونيسيا وماليزيا وكوريا الجنوبية والبرازيل، وقامت بتوريد "اليوان" للبنوك المركزية لهذه الدول، هذا يعني أن هذه الدول لم تعد بحاجة إلى عملة وسيطة (الدولار) للتجارة في الصين.

لقد بدأ العالم بإعداد خططه لتلافي ما أمكن من أخطار النكبة القادمة، والمطلوب من الصناديق السيادية العربية التي وصل استخدام 70%-80% من موجوداتها سندات على الخزينة الأميركية، والدكتور علي بن حسن التواني وفي مقال له تحت عنوان (أنا وبعدي الطوفان) المنشور في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2010 نصح أصحاب القرارات المالية بالتوقف عن زيادة هذا الاستخدام فورا، والتخفيف من حمل القائم منها ما أمكن ذلك، لأنها تشكل بتناقص قيمتها الفعلية عبئا إضافيا على الخزانات الوطنية، لأن الاستمرار في هذه السياسات سيعطل عجلة التنمية، وبالتالي الاضطرار للاستدانة، فموجودات المحجوزة قد لا تساوي في القريب العاجل قيمة الورق الذي طبعت عليه.

نداءات طاهرة صادقة، والجميع يتمنى العودة للاستثمار في مشاريع تنموية قطرية ومشاريع على مستوى الوطن العربي، وفي هذا التوجه ضمان للاستثمارات وضمان للربح وللعائد المجزي، وتأمين الأمن الغذائي العربي، وتطوير للاقتصاد العربي لتلبية الاحتياجات المحلية وتوسيع لصادراته وموارده، وبالتالي إبعاد للبطالة، ورفع لمستوى الدخل للإنسان العربي وعدم المساهمة في قتل وجرح أبناء البشرية قاطبة، وفي ذلك قمة العمل الوطني القومي الإنساني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك