زهير إسماعيل

زهير إسماعيل

أكاديمي وباحث تونسي


 

مرحلة الصراع مع الإسلام
مرحلة الصراع على الإسلام

إنّ من يكتب في ظاهرة الإسلام السياسي، وهي ظاهرة حديثة بكلّ المعاني، كَمَن يروم التقدّم على أديم رمال متحرّكة، لما يكون من عنَتٍ في ضبط مفهوم مرجعي للإسلام عليه يُقاس أداء تعبيرات الظاهرة الفكريّة والسياسيّة، وبمجرّد أن يكون منه حديث عن علاقة التيّار بالإسلام حتّى يواجَهَ بسؤال: أيّ إسلام تعني؟

يفتح السؤال الباب مُشْرَعًا على مسألة منهجيّة مهمّة تتمثّل في مدى مشروعية الحديث عن الإسلام بالإسلام. وهل يستقيم أن تكون الدعوى جزءا من الدليل؟

لم يثننا هذا الوعي المنهجي عن الخوض في الموضوع وبناء وجهة نظر تُسهم في تأسيس الجدل الدائر. ولئن استقرّ عندنا أنّ الإسلام ليس سوى ما يفهمه الناس فإنّه لا مانع من أن نقيّم ما استقرّ من هذا الفهم في تجربة الإسلام السياسي وأدبيّاته منتبهين إلى أنّنا لا ننطلق في عمليّة التقييم هذه من مفهوم جاهز للإسلام وإنّما هي وجهة نظر يظهرها الإجراء. ومنها يُستخلص تصورنا المرجعي الذي بقدر حماسنا له فإنّه لا يعدو هو أيضا كونه ممّا يفهمه الناس.

"
من يكتب في ظاهرة الإسلام السياسي، وهي ظاهرة حديثة بكلّ المعاني، كَمَن يروم التقدّم على أديم رمال متحرّكة، لما يكون من عنَتٍ في ضبط مفهوم مرجعي للإسلام عليه يُقاس أداء تعبيرات الظاهرة الفكريّة والسياسيّة
"
ولقد تبيّنا من الظاهرة مرحلتين أسمينا الأولى مرحلة الصراع مع الإسلام كان الإسلام فيها طرفا في صراع شامل محليّا ودوليّا. وقدّرنا أنّها أفضت إلى ما اصطلحنا عليه بتخليص الإسلام من المسلمين وعيا بتخلّف المسلمين عن الإسلام، ومرحلة ثانية أسميناها مرحلة الصراع على الإسلام وُسميت بتحوّل النخبة من المفاضلة بين الإسلام وغيره من الأنساق إلى تبنيه مع الاختلاف في فهمه، ورصدنا من بين ملامحها اتّجاها نحو تخليص الإسلام من الإسلاميين.

ولعلّه من المفارقة اعتبارنا عمليّة التخليص مهمّة الإسلاميين أنفسهم،لأنها تتويج لمسار تأسيس الحرّية الذي من عناوينه انبعاث مؤسسة العلماء حرة مستقلّة وإرساء قواعد حياة سياسية يكون فيها الإسلاميون حزبا سياسيّا لا فضل لهم على سواه إلاّ بما يكون من قبول لبدائلهم في المنافسات السياسيّة.

لم يحل تتالي المرحلتين زمنيّا دون تجاورهما. فلئن كان الصراع على الإسلام غالبا في المجال العربي الإسلامي بعد ضمور أنساق مهمّة من الفكر الغربي كانت إلى وقت قريب أداة لقوى اجتماعية وسياسيّة عربية إسلامية تطمح إلى أن تحقق بها تحرّرا من الغرب نفسه، فإنّ الصراع مع الإسلام اشتدّ على الصعيد الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ليبلغ ذروته مع أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول.

مرحلة الصراع مع الإسلام
يتبيّن دارس النهضة العربيّة في بعدها السياسي في هذه المرحلة لحظتين:

لحظة أولى كان منطلقها قيام حركتين: الوهّابيّة في أواخر القرن الثامن عشر بنجد والحجاز وكانت ذات أساس فقهي أصولي هو خلاصة لقراءة واقع الجزيرة العربيّة من منظور تمثّلٍ معيّنٍ لفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية. والسنوسيّة بليبيا في النصف الأول من القرن التاسع عشر على قاعدة تجمع بين الفقه المالكي والتصوّف العملي.

ولحظة ثانية بدأت مع حملة نابليون على مصر وما نتج عنها من صدمة كثّفها سؤال النهضة الأثير: لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم؟ وتبدو لحظة النّهوض الأولى وليدة شروط ذاتيّة شاهدة على بقيّة من عوامل القيام وجدت صورتها في مؤلفات ابن تيميّة. وقد اعتبرت الحركتان ما آل إليه حال المسلمين جاهليّةً توجب فتحا جديدا.

كانت الحركتان، مع بعض اختلاف، تتحرّكان في مجال موسوم ببداوة فقيرة وتمدّن خجول ممّا طبع مشروعهما بطابع فقهي اجتماعي. ولئن كانت الحدود مدخل الوهّابيّة لاستئناف الحياة الإسلاميّة لأصولها البدوية وخلفيّتها الفقهيّة، فإنّ التربية كانت أغلبَ على السنوسيّة لخلفيّتها الصوفيّة وصلتها الأوثق بالتمدّن.

وأمّا لحظة النهوض الثانية المنبثقة من سياق مشروع الدولة الوطنيّة المتوتّر بين مرجعيتين تراثيّة ووافدة فقد كانت حركة مدينيّة ضمُر عندها الجانب الفقهي الأصولي رغم انتماء كثير من رموزها إلى فئة العلماء(عبده، الطهطاوي). وبدا الانفتاح على العالم وإعادة اكتشاف الذات من خلال أطواره الجديدة شرطا لم يكن في لحظة النهوض الأولى.

استدعت الإجابة عن سؤال "لماذا تأخّر المسلمون وتقدّم غيرهم" اختلافا حول الإسلام ما إذا كان من أسباب التخلّف أم هو شرط لكلّ نهوض؟ ويعني هذا أنّ مرجعيّة الإسلام لم تعد، ولأوّل مرّة، محلّ إجماع.

فكان لحضور، عند النخبة، معنيان: قوام الأوّل اعتبار الإسلام عامل تخلّف تسري عليه سنّة الدين في أوروبا بعد أن استقرّ أنّ شرط نهوضها الأساسي كان بفصل الدّين عن مجالات الحياة وحشره في زاوية الحميميّة الفرديّة، فلا سبيل لنهوض المسلمين إلاّ بأخذهم بهذه السنّة.

وكان مدار المعنى الثاني رغم تنوّع التيّارات التي تمثّله، على ضرورة تجديد الإسلام وملاءمته للعصر. وإذا كان صراع حركة النهوض الأولى، الوهابيّة والسنوسيّة، مع غلبة الأميّة وجهل الناس بالشريعة فإنّ صراعا جديدا كان مع حركة النهوض الثانية طال مرجعيّة الإسلام تحت تأثير النموذج الغربي في الذوق والفكر.

وكان سقوط آخر مظاهر انتظام المسلمين السياسي سنة 1924م دليلا على عمق الاختراق وهشاشة المؤسسة التقليدية. وكان من نتائج كل هذا أن ضمُر الصراع مع الإسلام عالميّا بارتداد الإمبراطورية العثمانيّة إلى حدود الدولة القوميّة مع أتاتورك وبروز صراع داخل المشروع الغربي بقيام الثورة البلشفية وتحوّل المجال العربي الإسلامي إلى ساحة من ساحات هذا الصراع الذي سيستقرّ بعد حربين إمبرياليتين عند حرب باردة وتقاسم للنّفوذ بين معسكرين تجمعهما المرجعيّة وتفرقهما المصالح.

وحفّ بهذا الصراع أدبيّات في الفكر والفن والإستراتيجية ضمن رؤية للعالم انخرطت فيها النخبة العربية وفسّرت على ضوئها تاريخها الخاص، فصار لفكرها ومجتمعها وتاريخها يمين ويسار ونمط إنتاج يتراوح بين الإقطاعي والآسيوي والخراجي والمَخَامِسي، وانحسر الصراع مع الإسلام الذي أصبح في وعي قطاعات واسعة من النخبة فكرا نفاه التطور، فظهرت التيارات الليبراليّة والقوميّة والاشتراكية ذات المرجعية الغربيّة.

"
ثمة اتجاهان في العلاقة بالإسلام اتجاه يسعى إلى تخليص الإسلام من المسلمين يعرف بتيّار الأصالة واتجاه يعمل على تخليص المسلمين من الإسلام يعرف بتيّار الحداثة, وبتواجه التيّارين تكتمل صورة الصراع مع الإسلام في المجال العربي
"
فاكتمل بذلك اتجاهان في العلاقة بالإسلام اتجاه يسعى إلى تخليص الإسلام من المسلمين سيعرف بتيّار الأصالة واتجاه يعمل على تخليص المسلمين من الإسلام سيعرف بتيّار الحداثة. وبتواجه التيّارين تكتمل صورة الصراع مع الإسلام في المجال العربي.

كان قيام حركة الإخوان المسلمين صورة سياسيّة لتخليص الإسلام من المسلمين. وأوّل معانيه رفض الانضواء تحت مذهب من المذاهب التي كانت تؤطر التديّن، يومها، والسعي إلى استعادة صورة الإسلام الأصيل من منظور حركي تربوي سياسي يختلف عن المنظور الأصولي الوهّابي رغم التقاطع في درء التمذهب. ومما يؤثر عن الإمام البنّا نأيه بنفسه عن المساجد حين هالته درجة التعصب العالية للمذهب وقرّر أن ينطلق من المقهى.

خرجت البلاد العربية من معركة التحرّر الوطني باستقلال صوري، وجسم عربي منهك مفكك. وكان زرع الكيان الصهيوني في فلسطين في ملابسات محلية ودولية معلومة أبلغ معاني ضعفه. ومع ذلك كان الحماس في بناء الدولة الوطنية عاليا والأمل في تحقيق الرّفاه والعدل والوحدة كبيرا. إلاّ أنّ آثار المستعمر كانت عميقة يمكن ملاحظتها في حركة التحرر نفسها.

فلئن كان المنطلق مقاومةً أهليّةً واجهت المستعمر بثقافة مختلفة انتبهت إلى غايته الأبعد وهي هدم هويّة الانتظام الأهليّة وإحلال الدولة هويّة انتظام محلّها بكلّ ما حفّ بظهور الدولة في الثقافة الغربية من خروج من البدائية إلى الحضارة وبكلّ ما ارتبط بتوسعها من خطاب غدا معه الاستعمار مهمّة تمدين ضرورية، فإنّ الحركة الوطنية انتهت وكأنّها تقاوم المستعمر من داخل ثقافته لضعف الثقافة الأهليّة البنيوي.

وخلافا للرأي السائد الذي يعتبر الحركة الوطنية امتدادا للمقاومة الأهلية ذات الأصول القبلية رأينا علاقة تناسب عكسي بين الحركة والمقاومة. وتبيّن من خلال استقراء عديد الوثائق أنّ القضاء على المقاومة الأهلية كان شرطا موضوعيّا لقيام الحركة الوطنيّة.

يُعَدّ هذا الأمر نقطة مفصلية في مشروع الدولة الوطنية ومآلاته ومدخلا ملائما إلى السياق الذي ظهر فيه الإسلام السياسي والأسباب العميقة لصدامه مع الدولة.

مرحلة الصراع على الإسلام
بدأت تتوضّح معالم هذه المرحلة مع قيام الثورة الإسلاميّة في إيران وهزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان تتويجا لمعارك فكريّة وسياسية وميدانيّة خاضها تيار الإسلام السياسي. واعتبرت الثورة الإسلاميّة بقيادة الإمام الخميني أوّل صياغة إسلاميّة من خارج الدائرتين الإخوانيّة والسعوديّة.

ولئن مثّل حدث الثورة فكّا لحصار كانت تضربه النخبة الحداثيّة العربيّة على تيار الإسلام السياسي باعتباره تعبيرا مضادًّا للحداثة والتقدّم فإنّه كان بالنسبة إلى النظام السعودي محطّة مهمّة استدعت إعادة ضبط للعلاقات مع القوى الفاعلة محلّيّا ودوليّا.

"
كانت الحركات الإسلاميّة تصبو إلى أن تكون الثورة الإيرانيّة قوّة دفع نحو عالميّة إسلاميّة ثانية, وهذا ما يفسّر غضّها الطرف عن مرجعيّة الثورة المذهبيّة المثبتة في الدستور
"
كان النظام العربي والدولي يأمل في أن تستقرّ الثورة عند دولة قادرة على صياغة علاقة إيجابيّة مع محيطها والعالم في ضوء المشترك من المصالح. في حين كانت الحركات الإسلاميّة تصبو إلى أن تكون الثورة الإيرانيّة قوّة دفع نحو عالميّة إسلاميّة ثانية. وهذا ما يفسّر غضّها الطرف عن مرجعيّة الثورة المذهبيّة المثبتة في الدستور.

لقد كان من العالم انتباهٌ إلى تصور الثورة للصراع الدولي الملخّص في شعار لا شرقيّة لا غربيّة. وبقدر تعبير هذا الشعار عن أرضيّة جديدة للصراع مع الإسلام في العالم، فإنّه مثّل منطلقا حقيقيّا لصراع على الإسلام داخل تيّار الإسلام السياسي لم تنفع معه أدبيّات وحدة الصف.

كان من أثر الثورة الإسلاميّة في إيران على تيّار الإسلام السياسي تجديده العهد بفكرة الثورة غير أنّ هزيمة السوفيات في أفغانستان جعلت أحد تعبيراته أمام امتحان البناء. فكان نشوب خلاف بين جماعات المجاهدين في الأيام الأولى من دخولهم كابل كافيا لاندلاع صراع مسلّح دموي بين إخوة السلاح حتّى قيل إنّ الوجه الآخر لقدرة هذه الجماعات على مقاومة الغازي هو عجزها الكامل عن بناء تجربة وطنية تَسَعُ الجميع، فمن ألِفَ الهدم عَسُر عليه البناء.

ويتكرّر النموذج الأفغاني في الصومال بعد أكثر من ربع قرن، ممّا يؤكّد أنّ أسباب المشكل عميقة وبنيويّة في فكر هذه الجماعات من تيّار الإسلام السياسي. كما تشهد هذه المآلات المأساويّة لتوجّس قطاعات واسعة من النخبة العربيّة من التيّار وبدائله.

يُذكّر هذا بحركة التحرير الأولى أو ما يسمّيه بعض المؤرخين بالسلفيّة الوطنيّة فقد نجحت في مقاومة المستعمر وفشلت في بناء أرضيّة لمشروع وطني ناهض ممّا أفسح المجال أمام القوى الوطنيّة القريبة من ثقافة المستعمر لتمسك بزمام الأمور بعد رحيل عسكره.

إذا كان هذا حال تيار الإسلام السياسي الذي واجه موجات الاستعمار المتأخّرة فكيف بالذي واجه الدولة الوطنيّة؟

إنّ المواجهة الأخطر حجما ومدًى ونتائجَ كانت بين التيّار والدولة، وهي صورة من صراع على الإسلام توتّر بين المغالبة والمطالبة. وكما لم تكن الجماعات تقرّ للدولة بالشرعيّة من منظور عقدي، لم تكن الدولة لتسمح بأنْ يتكلّم تيّار من المجتمع باسم الإسلامّ. فبدأ الصراع طرحا متأخّرا للمسألة الدينيّة من قبل الدولة.

ومن المفارقات أنّ الدولة الأكثر جذريّة في مواجهة التيّار هي التي كان دستورها ينصّ على أنّ الإسلام دينها. ويعود الأمر في تقديرنا إلى اختلاف السياق الذي صيغ فيه الدستور وهو سياق بناء الدولة الوطنيّة والذي لم يكن فيه الإسلام محلّ نزاع، عن السياق الذي أعيد فيه طرح موضوع الإسلام والهويّة الوطنيّة في صورة تحدّ سياسي للدولة من خارجها.

كان تيّار الإسلام السياسي، في اندفاعه الأوّل، يرى في نفسه بديلا عن الدولة وعن المجتمع. وأنّ ما قام بعد سقوط الخلافة الإسلاميّة قوس يجب أن يُقفل. وهذا معنى من معاني الغلوّ قابله غلوّ من الدولة فكان الصراع بينهما مريرا والنتائج كارثيّة. ولم تكن الدولة والقوى الخارجيّة الداعمة مهيّأة لكي تفهم الظاهرة على أنّها وجه سياسيّ لحداثة أهليّة مغايرة مثلما أشار بيار روبير باديال Pierre Robert Baduel المدير السابق لمركز URBAMA في مراجعة له متميّزة لمفهوم الحداثة.

لقد ترك شطب مؤسسة العلماء في بعض الأقطار، وحلّ أساسها المادي (أوقاف ومؤسسات تعليميّة) وإلحاقها بالدولة وبتعليمها الحديث في أقطار أخرى فراغا سيملؤه تيّار الإسلام السياسي الذي كان أغلب مؤسّسيه من خريجي مدرستها.

كان روجي غارودي من القلائل الذين انتبهوا إلى خطر الأصوليات في طَمْر الأصل. وكان هذا شأن الصهيونيّة مع اليهوديّة والحركات الإنجيلية مع المسيحيّة وأقصى اليسار مع الماركسيّة، ويُخشى أن يكون مصير الإسلام مثلها مع الحركات الإسلاميّة بتوهّم أنّ ما تقدّمه من تصور للإسلام إنّما هو الأصل بلا ريب.

ويُعتبر وهْمُ الأصل،على إجرائيته، أخطرُ ما في الأصوليّات بمختلف مرجعيّاتها. فمن الإسلاميين من يتوهّم أنّه يتعامل مع الإسلام بلا وسائط من الثقافة والتاريخ فيخلط بين القيمة والنموذج وبين الوحي والتاريخ. ولم يكن ليسلّم بأنّ نُطْق الإنسان بالنص، عملاً به، يسحب النصّ من الوحي إلى التاريخ.

ميّز تيّار الإسلام السياسي في المجال العربي شدّةُ تنوّعه واكتمالُ دورة تجربته التي اضطلع خلالها بالأدوار الممكنة: مارس الثورة الشعبيّة والصراع المسلّح تحريرا وإرهابا، وخاض الانتخابات وعرف الحكم. ومثلما كان ضحيّة للانقلاب في الجزائر وفلسطين بعد تفويض من الجماهير لم يتردّد في الانقلاب في السودان على حكومة منتخبة ديمقراطيّا. فصار بالإمكان تقييمه. إنّ التيّار الذي يقدّم نفسه على أنّه المنقذ للأمّة صار جزءا من الأزمة رغم نجاحه في أن يعيد الإجماع حول مرجعية الإسلام: من صراع مع الإسلام إلى صراع عليه.

"
إذا تغوّلت الدولة وضعفت قُوى المجتمع كانت الديكتاتوريّة، وإذا طغى المجتمع وضمُر حضور الدولة فهي المقدّمة للفوضى والحرب الأهليّة
"
تبدو الأزمة، في المجال العربي، عميقة الجذور في بنية السياسة. ولقد استقرّ في علم الاجتماع المعاصر الناشئ عن وصف أحوال التمدّن الحديث أنّ السياسة تؤسّسها علاقة الدولة بالمجتمع، فإذا تغوّلت الدولة وضعفت قُوى المجتمع كانت الديكتاتوريّة، وإذا طغى المجتمع وضمُر حضور الدولة فهي المقدّمة للفوضى والحرب الأهليّة. ويكون التوازن بينهما مدخلا إلى الديمقراطية باعتبارها قواعد تضبط العلاقة بين الفاعلين في المجتمع والدولة.

أمّا النظام العربي فقد تجاوز الاستبداد إلى تأسيسه على بنية سياسية ثلاثيّة الأطراف، فإلى جانب الدولة والمجتمع طرف ثالث خارج من الدولة وفوق القانون، يوظّف الدولة والمجتمع لمصالحه، فكان مانعا من قيام قواعد للحياة السياسية تضمن التداول السلمي على الحكم.

وكان من نتائج حالة الانسداد هذه أن برز من عمق المجتمع طرف رابع عديل للثالث متبرّم بالدولة والمعارضة، يائس من الإصلاح (لاَ يَصْلُحُ وَلاَ يُصْلَحُ)، لا يجد معنى لما يسمّى حياة سياسيّة. وليست أحزاب المعارضة القانونيّة، في مثل هذه الشروط، إلاّ مجرّد ديكور ديمقراطي.

يبدو أنّه لا سبيل إلى تجاوز هذه الحال إلاّ باستعادة المعادلة الطبيعية: دولة/مجتمع، تتويجا لكلمة سواء بين الفرقاء؛ أساسها حرّية الاختيار وأداتها الاقتراع العام وغايتها التداول السلمي على الحكم وضامنها علوية القانون.

وسينهي تقعيد الحياة السياسية نزاعا سيزيفيّا حول الدولة والإسلام والهويّة. ويثبّت مؤسسات مرجعيّة تحتضن المشترك والمختلف. ومع الشروع في تأسيس الحرّية تبدأ الخطوة الأولى نحو تخليص الإسلام من الإسلاميين الذين سيكونون مادّة التخليص وأحد شروط تأسيس الحرّية. وإعادة بناء مؤسسة العلماء باعتبارها جهة علميّة مستقلّة يسترشد بنظرها من يشاء. ويكون الإسلام بمعانيه المختلفة مرجعا للجميع.

ولكن كيف السبيل إلى تأسيس هذا الإجماع الواسع؟

يُسْلمنا السّؤال إلى نقيضة سياسية، في المجال العربي، تذكّر بنقائض العقل، ذلك أنّه لا سبيل إلى النّضال السياسي إلا بتوفّر حدّ أدنى من الحريّة السياسية، ولا يكون هذا الحد الأدنى من الحريّة إلا بالنضال. فما العمل؟

إنّه لا بديل، لتأسيس الحرّية، عن النّضال السياسي المدني السلمي العلني.

كان من مظاهر الفرز على قاعدة الحريّة توتّر تياّر الإسلام السياسي بين اتجاه مدخله الحدود وآخر مدخله العدل عبّر عن نفسه بشعار: تأسيس الحرّية مُقدَّم على تطبيق الشريعة. وانفتح بهذا التوجّه مجالٌ سياسيّ عُرِف بالعدالة والتنمية نُنزّل ضمنه تجربة الإسلاميين في تركيا وجانبا من الحركة السياسيّة في المغرب العربي.

ولئن رأى كثيرون في تجربة حزب العدالة والتنمية انحرافا عن الإسلام وأوّل هؤلاء أب الإسلامية التركية نجم الدين أربكان، فإنّنا رأيناها أوّل تجسيد لتخليص الإسلام من الإسلاميين. ومما يعزّز مصداقيّة تيّار العدالة والتنمية في المجال العربي أنّ نجاحات الإسلاميين الأتراك تمّت في ظل علمانيّة استقرّت عند حياة سياسية حقيقيّة لولاها لكان أردوغان وصحبه في الهامش مثلما هو حال كثير من الإسلاميين العرب رغم إظهارهم الاعتدال. فهل تكون العلمانية مطلبا؟ وهل نعْتُ بعض الأنظمة العربيّة بالعلمانيّة دقيق؟ وهل حقيقة المشهد صراع بين متديّنين وعلمانيين؟

"
نجاحات الإسلاميين الأتراك تمّت في ظل علمانيّة استقرّت عند حياة سياسية حقيقيّة لولاها لكان أردوغان وصحبه في الهامش مثلما هو حال كثير من الإسلاميين العرب رغم إظهارهم الاعتدال
"
قد يذهب الظن بالبعض إلى أنّ حزب العدالة والتنمية سيكشف عن وجهه الحقيقي حينما يخلو له وجه الدولة ويعلنها إسلاميّة تركيّة. ولو كان هذا لكان أردوغان كمن يقتحم بابا مفتوحا،لأنّه لا فرق في سياقٍ مُؤسّسٍ على الحريّة بين الصفتين العلمانيّة والإسلاميّة مثلما أنّه لا فرق بينهما في سياق من الاستبداد تُكره فيه الدولة رعاياها على معتقد معيّن.

وهل الدولة الدينيّة إلاّ تلك التي تُكره الناس على معتقد أو منشط أو ذوق، وإن بعنوان اللائكيّة والتحرّر؟ وهل تُصرَف صفة الاستبداد عن دولة تُكرِه الناس باسم الإسلام؟ ولذلك لا يفهم دفاع حزب العدالة عن حرّية اللباس أو السعي إلى تنقيح الدستور إلا على أنّه نضال لتجذير الحريّة.

إنّه لا مطمع في استنساخ التجربة التركيّة وإنما هي دعوة إلى الانتباه إلى هذا المجال السياسي الجديد الناتج عن فرز على قاعدة الحريّة: العدالة والتنمية, مدخلا إلى مصالحة واسعة تؤسس للمواطنة وتحرّر الإبداع وتَبْنِي القيم.

المصدر : الجزيرة

التعليقات