نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي


ألمانيا.. نموذجا للتناقضات
الضغوط المالية ومخاطر العنف
"الإسلام جزء من ألمانيا".. خطر مخيف؟
خلفية المخاوف على "القيم الغربية"

لا يمكن الجزم بحقيقة خطر ما يُسمى "الإرهاب" في ألمانيا تخصيصا وأوروبا عموما، رغم شدة الصخب الإعلامي، وتجدد التصريحات السياسية الرسمية على هذا الصعيد. وتوجد أسباب عديدة لضرورة التمحيص فيما يقال، فمن جهة لا يُستبعد وجود معلومات عن خطر حقيقي لا تفصح عنها أجهزة الاستخبارات والدوائر السياسية لدواعٍ أمنية، ومن جهة أخرى لا يستبعد أيضا التهويل المتعمد لحقيقة الأخطار لأسباب سياسية محضة.

هذا بالإضافة إلى تناقض واضح بين وجود ما يستدعي الحذر مما ظهر للعيان عبر الطرود الملغومة المنتشرة في اليونان والموجهة لبلدان أوروبية أخرى، وبين التركيز الأكبر على ما يُسمى "الإرهاب الإسلامي"، مما يدفع إلى التساؤل عن مدى علاقة ذلك بحملة جديدة من حملات "التخويف المرضي من الإسلام" في الغرب عموما.

ألمانيا.. نموذجا للتناقضات

"
كانت التصريحات السياسية الألمانية والأوروبية –باستثناء الفرنسية- تهون من شأن التحذيرات الأميركية ضد "الإرهاب" وتعزوها بصورة غير مباشرة إلى متطلبات معركة الانتخابات النصفية, لكن الأمر اختلف الآن
"
لأول مرة ينتقل وزير الداخلية الألماني دي ميزيير يوم 8/11/2010م بالحديث على هامش ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، من القول بوجود "خطر إرهابي عام" إلى القول بوجود "خطر جادّ يستهدف ألمانيا، وإلى دعوة المواطنين للحذر عموما والتنبيه على ما قد يرصدونه من أمور تستدعي الاشتباه".

ربما كان الحرص على عدم التهويل من شأن أخطار "إرهابية" صادرا إلى وقت قريب عن الحرص على عدم ازدياد المعارضة الشعبية للمهام العسكرية الألمانية في المنطقة الإسلامية، لا سيما في أفغانستان، ولكن الوزير نفسه يؤكد إلى جانب التحذير الجديد تمسكه بأن "كثرة التحذيرات تفقدها مفعولها".

وعند مساءلته عما استدعى تعديل أسلوب حديثه كرر الحديث عن "إشارات عامة وليس معلومات محددة عن خطر ماثل للعيان" كما ذكر معلومات قديمة، معروفة سابقا، مثل وجود سبعمائة شخص تحت مراقبة الاستخبارات ومنهم عشرون من "العائدين" من أفغانستان، وتقدير وجود "خمس خلايا نائمة" في منطقتي بون/ كولونيا وميونيخ، علاوة على التنويه بما سبق الحديث عنه منذ شهور، منسوبا إلى المخابرات الأميركية واستجوابها شخصين يحملان الجنسية الألمانية، رامي ماكينزي وأحمد صدّيقي، في معتقل "بغرام" بأفغانستان، وهو ما تناقلته وسائل الإعلام في حينه وتضمن القول بـ"توجه 25 شخصا في أربع مجموعات إرهابية" إلى أوروبا"، وكانت التصريحات السياسية الألمانية والأوروبية –باستثناء الفرنسية- تهون من شأن تلك التحذيرات الأميركية وتعزوها بصورة غير مباشرة إلى متطلبات معركة الانتخابات النصفية.

هل تغيرت المعطيات الاستخباراتية فعلا –وهو ما لا تكشفه تصريحات أو معلومات رسمية- فأدت إلى تصعيد "لهجة" التصريحات الرسمية على لسان وزير الداخلية الألماني، أم أن الحملة الإعلامية على "الإرهاب الإسلامي" التي انطلقت مجددا على خلفية الطرود الملغومة من اليمن ثم من اليونان، ضاعفت ضغوط الإعلام على الوزير المعروف بتجنب التهويل من الأخطار؟

تساؤل آخر يمكن طرحه عن احتمال الرغبة في تركيز الأنظار مجددا على "الإرهاب الإسلامي" لتخفيف وطأة الانتقادات المتصاعدة على صعيد ما انكشف من ثغرات تقنية واسعة النطاق في الرقابة على حركة الملاحة الجوية، وعدم التحرك الجاد لسدها حتى الآن (بسبب النفقات المالية المطلوبة في الدرجة الأولى) وهذا رغم طرحها رسميا -في ألمانيا وأوروبيا- وكان من المثير بشأن تلك الثغرات أن معظم ما كُشف أمره من طرود ملغومة، يعود إلى الاستخبارات السعودية وليس الغربية، وإلى أجهزة الأمن اليونانية الداخلية، وليس إلى الرقابة الأمنية على الملاحة الجوية الأوروبية.

الضغوط المالية ومخاطر العنف
يلفت النظر أيضا أن التصريحات الجديدة الصادرة عن جهات أمنية واستخباراتية في ألمانيا لا تواري خلفيات تستدعي التساؤل عن دواعيها وحقيقتها، فبالتزامن مع تصريحات وزير الداخلية الألماني تحدث مثلا رئيس نقابة الشرطة كونراد فرايبيرج منتقدا الخطة التي طرحها الوزير على زملائه الأوروبيين، من خمس نقاط، لرفع مستوى الإجراءات الأمنية في الملاحة الجوية, وقال فرايبيرج إنها "مائعة المضمون وبعيدة عن متطلبات واقع الممارسات اليومية".

ولكنه رحب بقول الوزير إن خطر "الإرهاب" خطر جاد في ألمانيا. بينما لا يسهل الفصل بين الغرض من هذا الترحيب، وتكرار معارضة رئيس نقابة الشرطة للقرار السياسي الصادر مؤخرا بشأن تخفيض عدد أفراد الشرطة خلال السنوات المقبلة بما يصل إلى تسعة آلاف شخص، وفق متطلبات سياسات "التقشف" المالية، علاوة على تكرار المطالبة بتوسيع صلاحيات الشرطة لتشمل وسائل الاتصال الحديثة، وهو ما تعارضه منظمات المجتمع المدني ولا يسهل تمريره دستوريا على خلفية انتهاكه للحريات الشخصية.

يمكن ذكر المزيد من الأمثلة المشابهة كأقوال رئيس دائرة المباحث الجنائية الألمانية يورج تسيركي قبل أسبوعين مكررا ذكر معلومات قديمة منشورة في وسائل الإعلام، دون أن يطرح ما يشير –ولو تنويها- إلى وجود خطر جديد، على نحو ما توحي به الحملات الإعلامية المتصاعدة تحذيرا مما تسميه "الإرهاب الإسلامي".

"
لا بد من إدانة العنف غير المشروع بمختلف أشكاله، سيان من يرتكبه، دولا ومنظمات وأفرادا، وسيان من يستهدفهم من الضحايا، من أهل البلدان الإسلامية أو البلدان الغربية
"
وتجدر الإشارة هنا إلى أن وجود ارتباط فعلي بين أنشطة "إرهابية" بخلفية إسلامية على الأراضي الألمانية، لم يثبت خلال عشرة أعوام مضت، فيما يتجاوز حدود أربع حالات، اثنتان من عامي 2001 و2002م استهدفتا أميركا وتونس، واثنتان من عام 2006م كُشف خلالهما عن "التخطيط" لتفجيرات في ألمانيا نفسها.

لا يعني ما سبق التهوين من شأن أي تفكير أو تخطيط أو تنفيذ لأعمال عنف غير مشروع يستهدف مدنيين أبرياء لا توجد علاقة مباشرة بينهم وبين ما يدور من حروب همجية بمشاركة جيوش غربية داخل الأراضي الإسلامية، بذريعة تأمين الأراضي الغربية من هجمات "إرهابية".

إنما لا بد من إدانة العنف غير المشروع بمختلف أشكاله، سيان من يرتكبه، دولا ومنظمات وأفرادا، وسيان من يستهدفهم من الضحايا، من أهل البلدان الإسلامية أو البلدان الغربية. وهذا في مقدمة ما يغيب في الساحة السياسية والإعلامية الغربية، ويغيب نسبيا في بعض البلدان الإسلامية نفسها.

"الإسلام جزء من ألمانيا".. خطر مخيف؟
لا تكفي متابعة ظاهر الحملات الإعلامية والسياسية المتجددة ضد ما يسمى خطر الإرهاب الإسلامي دون نظرة أعمق في دوافعها السياسية والأمنية المحضة، ومن ذلك ما يرتبط مباشرة بحملات التخويف –وليس الخوف- المرضي من الإسلام في الغرب.

من طبيعة الأمور ألا يظهر دليل مباشر –ولكن يوجد ما يسمح بتكهن راجح- على وجود ارتباط وثيق بين تجديد الحملة السياسية والإعلامية على "الإرهاب الإسلامي" في ألمانيا تخصيصا، وبين الضجة الواسعة النطاق التي أثارها تصريح رئيس الجمهورية الألمانية كريستيان فولف بأنه يرى أن "الإسلام أصبح جزءأ من ألمانيا"، وهو ما ورد على لسانه في نطاق كلمته الرسمية بمناسبة مرور عشرين عاما (4/10/2010م) على إعادة توحيد ألمانيا، وقد شملت الانتقادات للرئيس -الذي كان من أركان حزب المسيحيين الديمقراطيين قبل انتخابه رئيسا- رئيسة ذلك الحزب المستشارة ميركل وهي تعلن ما اعتبرته "إخفاق التعدد الثقافي" في ألمانيا.

لم يغفر لرئيس الدولة لدى معارضيه ما ذكره بعد أيام معدودات في قلب تركيا بشأن "الجذور المسيحية في تاريخ تركيا" والمطالبة بمراعاة حقوق المسيحيين الدينية فيها. هذا رغم ما يوحيه هذا الموقف بأنه تعمد استباقَ هذا الطلب بتصريحه الأول عن واقع الوجود الإسلامي البشري في بلده.

خلفية المخاوف على "القيم الغربية"
لقد انتقلت حملات التخويف المرضي من الإسلام في الغرب الأوروبي إلى مرحلة متقدمة (تتزامن مع ازدياد حدتها في الغرب الأميركي قبيل الانتخابات النصفية الأخيرة) فإلى وقت قريب كان محور ما يُطالَب به مسلمو أوروبا هو احترام الدساتير والقوانين والالتزام بها، وهذا ما لم يجد اعتراضا جادا من جانب أي جهة إسلامية معتبرة في أوروبا، وتحولت الحملات في هذه الأثناء إلى المطالبة بالتخلي عن ممارسة "فروض وواجبات إسلامية" كما هو الحال مع الحجاب أو دروس السباحة المختلطة في المدارس وما شابه ذلك، والمطالبة الأبعد مدى بتبني "قيم أخلاقية واجتماعية غربية"، وعلى وجه التحديد ما يرتبط بالعلاقة بين الجنسين. بما يشمل العلاقة دون زواج شرعي، وما يسمى العلاقة المثلية ويعني السحاق واللواط وفق المصطلحات الإسلامية.

في هذا الاتجاه تأتي مطالبة رئيس دائرة المباحث الجنائية يورج تسيركي (يوم 20/10/2010م) على سبيل المثال من بين أمثلة عديدة، بـ"التحرك على مستوى المدارس والروابط والمساجد لمواجهة تطرف الشبيبة المسلمة".

إن هذا التطور يستدعي تأملا أعمق في أطروحات "تعليم الإسلام في المدارس" و"إعداد الأئمة" في الجامعات، إذ لا يسهل فصل ذلك عن الرغبة في التأثير على مستقبل الإسلام في أوروبا عبر التأثير على "تكوين" جيل الناشئة من المسلمين في الغرب، وقد أصبحوا جزءا عضويا من مجتمعاته، وهو تأثير يسعى لتخفيف تنامي ارتباطهم بالقيم الإسلامية (على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي تخصيصا) بعد رصد صعوبة غالبيتهم في بوتقة القيم الغربية الاجتماعية والأخلاقية أيضا. وليس لذلك علاقة بما يرتبط بالحقوق وسيادة القانون واستقلال القضاء، مما تتميز به الديمقراطيات الغربية، وتفتقر إليه غالبية الدول الإسلامية. وليس المبادئ والتعاليم الإسلامية.

"
المتابعة المتعمّقة والمعايشة المباشرة تسمح برصد معالم اهتراء مفعول الحملات العدائية للتخويف المرضي من الإسلام، وتعميم وصمات الأصولية على المسلمين الناشطين، وأحيانا على المسلمين الملتزمين عموما
"
إن المتابعة المتعمّقة والمعايشة المباشرة تسمح -رغم الضجة الراهنة- برصد معالم اهتراء مفعول الحملات العدائية للتخويف المرضي من الإسلام، وتعميم وصمات "الأصولية.. والعنف.. والإرهاب.. والتخلف" وما شابهها على المسلمين الناشطين، وأحيانا على المسلمين الملتزمين عموما.

كما يمكن رصد تنامي تأثير معرفة الإسلام على جيل الشبيبة من عامّة سكان الدول الغربية، مما يسمح برؤية مستقبلية مغايرة لِما تعبر عنه الأجواء العدائية الآنية، سياسيا وإعلاميا.

كما يزداد باطراد ظهور دعوات معاكسة، من قلب الساحة الفكرية ( كتبا ومراكز بحوث) والساحة الإعلامية الغربية، مما ينتقد سياسات التخويف المرضي من الإسلام والممارسات المنبثقة عنها، وتطالب بالتعقل والتسامح والانفتاح، لا سيما مع ازدياد الشواهد على وصول اندماج كثير من المسلمين في الغرب في المجتمعات الغربية اندماجا إيجابيا، إلى مستويات تنعكس في ارتفاع نسبة وصول الكثير منهم إلى مواقع مرموقة، اقتصاديا واجتماعيا، وثقافيا أيضا (رغم ظاهرة ازدياد تكريم أصحاب المنطلقات العلمانية واللادينية من داخل نطاق عموم المسلمين بالجوائز والإشادة الإعلامية بغض النظر عن المستوى الحقيقي لإبداعاتهم. على غرار نموذج سلمان رشدي قديما).

أصبح مؤكدا إخفاق حصيلة حملات عشرين عاما مضت (منذ طرح شعار الإسلام عدوّ بديل) ضد "الأصولية" ثم "الإرهاب" مع استهداف الإسلام في الغرب، واستهداف المنطقة الإسلامية بحروب "الفوضى الهدّامة" وحملات الحصار والتفتيت والفتن المتوالية حتى الآن. فهل تمثل ضجة الحملة الراهنة شكلا من أشكال تجديد مفعول حملاتٍ أخفقت، أم هي من قبيل "الهجوم أنجع وسيلة للدفاع"؟

المصدر : الجزيرة

التعليقات