سمير ساسي

سمير ساسي

سمير ساسي


شهدت العلاقات بين فرنسا وتنظيم القاعدة تطورا لافتا بعد السجال الكلامي غير المباشر بين الرئيس الفرنسي ساركوزي وزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، وزعم الرئيس الفرنسي أنه لن يسمح للإرهابيين أن يملوا على بلاده سياستها، فهل كان هذا التشدد في الرد على بن لادن عودة عن موقف الاستعداد الفرنسي لإجراء مفاوضات مع تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" بعد اختطاف خمسة فرنسيين وبعد أن أثار هذا الموقف ردود فعل مختلفة اتسم كثير منها بالغضب خاصة أن الحكومة الفرنسية عبرت في السابق عن رفضها لأي حوار مع الإرهابيين على حدّ تعبيرها.

ورغم أن موقف المعارضة لم يختلف عن موقف الرئيس ساركوزي فإن هذا الموقف يعد تطورا لافتا في السياسة الدولية تجاه ما يسمى الإرهاب خاصة بعد سابقة إسبانيا في هذا المجال ويستحق الوقوف عنده.

"
ليس من اليسير التسليم بأن موقف التشدد الفرنسي الجديد تجاه القاعدة يعد تحولا جذريا في موقف الدول الغربية مما يسمى الإرهاب لكن من الممكن القول بأن مثل هذا الموقف من شأنه أن يضع ظلالا كبيرة من الشك على أخلاقية هذه الحرب
"
وجاء هذا التطور بعد فشل فرنسا في محاولتها الأخيرة إنقاذ الرهينة الفرنسي ميشال جرمانو لدى التنظيم في موريتانيا باستعمال القوة العسكرية. وتبرز أهمية الوقوف عند هذا التطور بالنظر إلى التشدد المعلن من فرنسا خاصة تجاه تنظيم القاعدة عموما وفرع "التنظيم في بلاد المغرب الإسلامي" كما يسمي نفسه. فكيف يمكن فهم هذا التحول؟

ليس من اليسير التسليم بأن الموقف الجديد يعد تحولا جذريا في موقف الدول الغربية مما يسمى الإرهاب لكن من الممكن القول بأن مثل هذا الموقف من شأنه أن يضع ظلالا كبيرة من الشك على أخلاقية هذه الحرب التي أطلقها الغرب وأدخلت العالم في دوامة الاستقطاب الثنائي على أساس "من مع الإرهاب ومن ضد الإرهاب"، وهو استقطاب تسبب في ضياع أولويات هامة مطروحة على قادة العالم كقضايا الفقر والبطالة وأساسا قضايا التحرر والحريات.

ويقفز إلى ذهن المتابع العادي من خلال هذا الموقف الجديد مسألة ازدواج المعايير أو سياسة المكيالين التي تعد تهمة ثابتة في العالم الإسلامي ضد الغرب عموما والولايات المتحدة وفرنسا على وجه الخصوص، خاصة إذا استحضر هذا المتابع موقف فرنسا من قضية الجندي الإسرائيلي الأسير لدى حركة حماس جلعاد شاليط.

ولأن الحديث عن المكيالين في السياسة الغربية أصبح من تحصيل حاصل فإننا سنكتفي بما أشرنا إليه لنتعداه إلى البحث في ظلال الشك المختلفة الأخرى المحيطة بالموقف الجديد التي لمحنا إليها.

نقطة الشك الأولى التي تتسرب إلينا من الموقف الفرنسي الجديد تتعلق بـ"أكذوبة" الربط بين نشر الديمقراطية والإصلاح في المنطقة العربية الإسلامية من أجل مقاومة الإرهاب التي أطلقتها الولايات المتحدة ومن ورائها الدول الغربية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.

وحتى لا يكون حديثنا هنا حديثا عاما نشير إلى ما خفي من السياسة الفرنسية في هذا المجال باعتبارها صانعة الحدث في الموقف الغربي الجديد الذي نحن بصدد تناوله، وباعتبارها أيضا إحدى الدولتين إلى جانب الولايات المتحدة التي بذلت جهودا كبيرة في تدريب القوات المسلحة المحلية وتحسين أدائها كي تكون قادرة على مجابهة الجماعات المسلحة في إطار القوة العسكرية الأجنبية التي تعرف بقوات "أفريكوم" التي تتولى قيادتها الولايات المتحدة.

وقد نظمت هذه القيادة منذ سنة 2005 مناورات مشتركة مع دول المنطقة، وحملت الطبعة الأخيرة منها رمز السنة الجارية "فلينتلوك 10". وتدرّب أكثر من مائتين من القوات الخاصة الأميركية مع خمسمائة جندي أفريقي في مايو/أيار الماضي في آخر جولة من تلك المناورات العسكرية.

غير أن جهود فرنسا لم تقف عند هذا الحدّ، وتحت ذريعة حماية الأمن القومي الفرنسي سرّعت الدولة الفرنسية وتيرة المصالحة بينها وبين نظام الرئيس الموريتاني الجنرال محمد ولد عبد العزيز بعد جفاء استمر منذ الانقلاب الذي قاده على سلفه سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، بعد ادعاء فرنسا رفضها للانقلاب على المؤسسات الديمقراطية.

غير أن عودة مستشاري الجيش الفرنسي وخبرائه إلى موريتانيا لتدريب الجيش بعدما طُردوا منها قبل نحو عقد من الزمن، إبان حكم الرئيس الأسبق معاوية ولد طايع. ومباشرة تسعة ضباط وضباط صف فرنسيين الإشراف مجددا على تدريب وحدات من الجيش الموريتاني والحرس الرئاسي في قاعدة رئيسية تقع في ولاية آدرار شمال موريتانيا وتضم مختلف الأسلحة، جعلت شعار الحفاظ على الديمقراطية يتراجع خلف ستار المصلحة الأمنية القومية.

"
تسود خشية كبيرة لدى شعوب منطقة المغرب العربي من أن يدفع حكامها السلطات الفرنسية، وربما الأميركية، إلى حرب غير مدروسة تحت ذريعة محاربة تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي من أجل تعطيل كل المسارات "المعطلة أصلا"
"
وتسود خشية كبيرة لدى شعوب منطقة المغرب العربي من أن يدفع حكامها السلطات الفرنسية، وربما الأميركية، إلى حرب غير مدروسة تحت ذريعة محاربة تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي من أجل تعطيل كل المسارات -المعطلة أصلا- بدعوى التفرغ لمقاومة الجماعات الإرهابية، ويأتي على رأس هذه المسارات مسار إصلاح النظام السياسي ومسألة الخلافة على الحكم التي أصبحت مشتركا بين دول المغرب العربي وشمال أفريقيا باستثناء موريتانيا.

نقطة الشك الثانية تتمحور حول حقيقة الدور الذي تلعبه الاستخبارات المغاربية مجتمعة أو منفردة في هذه الحرب المفتعلة ضد ما يسمى الإرهاب فرغم أن القيادة العسكرية المشتركة التي شكلتها أربعة من بلدان المنطقة هي الجزائر وموريتانيا ومالي والنيجر في أبريل/نيسان الماضي، وقدمتها على أنها حاجز أمام التدخل الأجنبي في المنطقة تبدو غير فعالة ولا قادرة على حماية منطقة الساحل والصحراء من تداعيات ما يسمى بالحرب الكونية على الإرهاب، فإن المتابعين لا يستبعدون تواطأ استخبارات بلدانهم في تزيين الحرب على القاعدة خاصة أن تقديرات بعض الخبراء العسكريين تشير إلى أن عدد أعضاء الجماعات المسلحة العاملة جنوب الصحراء لا يتجاوز ثلاثمائة عنصر ترجح معلومات استخباراتية غربية أن الأمر يتعلق بالتنظيم الجزائري المعروف "الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، الذي أعلن أمراؤه ولاءهم لـ"القاعدة" عام 2007، وهو عدد ضئيل يمكن لأي جيش مجهز ومسلح مثل الجيش الجزائري أن يُبيدهم، خاصة في ظل السماح بتتبعهم داخل أراضي الدول المجاورة.

ويبدو أن تشكيك خبراء عسكريين في قدرة القوات النظامية لبلدان المنطقة على احتواء خطر "القاعدة" يندرج ضمن الإعداد لسيناريو تعطيل الإصلاح السياسي أو تأجيله على رغم الاعتمادات التي تنفق لتعزيز جاهزيتها القتالية، ولعل العملية الأخيرة التي قتل فيها الفرنسي ميشال جرمانو أكبر دليل على اعتماد القوات الأجنبية وحكومات البلدان المغاربية لإستراتيجية التهويل الإعلامي من أجل إخفاء الحقيقة عن الشعوب، ذلك أن الإعلام الأوروبي والموريتاني على حدّ السواء ضخم من خطر هجوم محتمل لتنظيم القاعدة، مؤكدا أن مائة وخمسين عنصرا من عناصر "القاعدة" كانت تستعد لمهاجمة قاعدة عسكرية في شمال مالي مما سهل مشاركة ثلاثين من قوات الطلائع الفرنسية إلى جانب عدد لم يُحدد من القوات الموريتانية في العملية الاستباقية.

لكنهم اكتشفوا أن المعسكر لم يضم أكثر من عشرة عناصر من "القاعدة" قُتل سبعة منهم في الاشتباكات وتمكن الآخرون من الفرار من دون أن تستطيع القوات الفرنسية أو الموريتانية إلقاء القبض عليهم لأنها تخلت عن ناقلات الجنود والآليات قبل الهجوم، وسارت نحو عشرة كيلومترات على الأقدام لتُباغت "العدو".

لكن السؤال الأهم في هذه التطورات يتعلق بطريقة معالجة ملف الإرهاب في الدول العربية التي ترفض إلى الآن توسيع سبل المعالجة إلى أبعد من الخيار الأمني الذي اثبت فشله، فهذه الدول تجد نفسها أمام موقف صادم من الدول التي أطلقت الحرب على الإرهاب, فحين تعلق الأمر برعاياها ومواطنيها تخلت عن كل الشعارات المبدئية والأخلاقية التي التزمت بها أمام العالم.

ففرنسا مثلا صاحبة الشأن في هذا المقال كانت تعهدت بدعم مشروع جزائري قدم للأمم المتحدة ينص على أن دفع أية فدية للإرهابيين مقابل الإفراج عن معتقلين وأي تمويل للإرهابيين عمل مرفوض وغير أخلاقي.

وهنا يكون من المشروع لنا التساؤل إن كان بمقدرة الحكام العرب التجرؤ على إعادة النظر في طرق معاملتهم لمن تورطوا في أعمال صنفت بالإرهابية باعتبارهم مواطنين يستحقون من دولهم اهتماما أكثر وحلا أعمق من مجرد ممارسة التعذيب ضدهم ينهي انخراطهم في ما انخرطوا فيه، أم أن عجزهم عن التحرر من موقف "التابع أبدا" سيتواصل، وهو ما يجعل الشك يحوم حول حقيقة موقفهم إن كان فعلا مجرد تبعية في القرار بما أن التبعية تقتضي النسج على منوال السيد في كل ما يفعله أم أن مصالح خفية تجعلهم يصمون آذانهم عمّا كشف من مواقف الدول العظمى؟

يبدو أن نتائج هذه الحرب المفتعلة يتعاظم حولها الشك في ظل الصعوبات الاجتماعية القاسية التي يمر بها الشباب في بلدان المنطقة وتنامي النقمة والتمرد، مع توافر وسائل الاتصال والإعلام الحديثة، بما يجعل اتساع بقعة الزيت وتنامي قدرة تنظيم القاعدة على الاستقطاب أمرا شديد الورود، وهو ما من شأنه أن يطيل أمد المعركة ويدفع بها إلى صراع طويل ومنهك، خاصة أن الأنظمة التي تقف وراء هذه الحرب سواء منها المصنفة ديمقراطية شأن البلدان الغربية أو أنظمة الحكم الشمولي شأن الأنظمة المغاربية تشترك في تجاهل شعوبها في مخطط إدارة هذه المعركة.

وإذا كانت طبيعة الأنظمة الشمولية منسجمة مع هذا التوجه الذي يقصي الشعوب من المشاركة في كل ما يتعلق بالشأن العام، كما أنه يحقق لها "أمانيها" في استدامة الكرسي تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت الأمن القومي" فإن الغريب هو موقف الدول التي تدعي بأنها ديمقراطية أو هي كذلك في واقع ممارستها الداخلية، وهو ما يزيد من إضعاف حجة المراهنين من قوى التغيير في البلدان العربية على الدعم الغربي لهم إذ يبدو أن الغرب لم يتخلص بعد من أزمة ديمقراطيته التي تأبى أن تجوز خارج حدود دوله أو تمتد بظلالها على رؤوس المقهورين من الشعوب الأخرى.

"
كشف الموقف الفرنسي المتشدد من القاعدة أن الأزمة الأخلاقية -التي تعاني منها ديمقراطية الغرب- أزمة لا يمكن التقليل من شانها, خاصة بعد تتالي الفضائح الأخلاقية التي رافقت مسيرة الحرب على ما يسمى بالإرهاب من تعذيب وسجون سرية وصفقات مشبوهة
"
كشف الموقف الفرنسي الجديد إذن أن الأزمة الأخلاقية -التي تعاني منها ديمقراطية الغرب- أزمة لا يمكن التقليل من شانها، خاصة بعد تتالي الفضائح الأخلاقية التي رافقت مسيرة الحرب على ما يسمى بالإرهاب من تعذيب وسجون سرية وصفقات مشبوهة تجاوزت كل الضوابط القانونية والأخلاقية، لأن مثل هذا التقليل من خطورة هذه الأزمة يدفع بالأسئلة المحرجة إلى التراكم في عقول المؤمنين بالديمقراطية مثالا نموذجا للاجتماع المدني في ظل كثرة المتربصين بهذا النموذج المثال من الذين لم يطوروا بعد نموذجهم الخاص واكتفوا بالسعي الدؤوب لهدم النموذج السائد.

وهذا منهج تفكير يفضي إلى الخراب التام والدمار الشامل خاصة في أوساط الشعوب والمجتمعات التي تعيش مرحلة "تحول القيم"، وهي مرحلة يحذر علماء الاجتماع من خطورة إطالة أمدها على المستقبل الاجتماعي للشعوب لأن طولها يفقد هذه الشعوب بوصلة طريق النجاة.

إن شعوبنا العربية بصفة عامة تعيش هذه المرحلة، وهي أشد وقعا لدى الشعوب المغاربية القريبة من دول الغرب الأوروبي، ومرشحة لأن تفعل "فعلها العدمي" في أوساط النخبة والجماهير على حد سواء في ظل هذا "السجال السكولاستيكي" بين القوى الفاعلة في المجتمع، وهو سجال لا يدع قوى التغيير تطرح القضايا الجوهرية للأمة وإنما يدفعها باتجاه طرح القضايا التي لا علاقة لها بالمجتمع.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك