مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


تحالف الأقليات
بين تل أبيب ودمشق
الوحل ومستقبل لبنان

تصريح الجنرال عون من فرنسا بأن حزب الله يستعد لحملة عنيفة ضد "بيروت السنية" ليس مفاجئاً من حيث خطاب التيار العوني وقيادته وشخصية الجنرال عون، لكنّه حمل إضافة في قضية التوقيت وتقدم الجنرال عون في هذه الدورة من الاحتقان الطائفي الشديد للواجهة من حيث إن نقله لتهديد حزب الله هو من باب الاندماج السياسي في الموقف وليس كتحذير مستقل، خاصة أن قرار تعطيل المشاركة تقدم فيه الجنرال عون قبل حزب الله.

تحالف الأقليات
ورغم وضوح قوة التنسيق وتوزيع الأدوار بين حزب الله وحركة أمل من جهة والتيار العوني، فإن أحاديث بيروت القديمة والجديدة في ربط تَحفّز الجنرال عون ضد الحالة السنية تعيد التذكير بما طُرح ويُطرح قديماً في تصوّر الجنرال عون الإستراتيجي في قضية إزاحة الرابط العروبي للبنان عبر إيمانه بفكرة تحالف الأقليات.

وليس هذا التوجه العوني مع حالة تيار المستقبل فقط، بل مع كل العلاقة الوجودية العروبية التي واكبت خطاب وتوجهات الجنرال عون العديدة في فكرة تحالف الأقليات ضد التكتل العربي، وما يعتبره عون من خطورة زحف الحالة الإسلامية السنية للبنان في أوساطه وأطرافه، والتي يرى الجنرال عون أن لا سبيل لمواجهتها إلا بفكرة تحالف الأقليات الطائفية ضد الحالة العربية الإسلامية لتحجيمها وتفكيكها لنجاة هذه الأقليات واستعادة النفوذ القديم المرتبط بعهود دينية مسيحية قديمة وبأوروبا المعاصرة من جهة ثانية.

وسنناقش لاحقاً هذه الفكرة هل هي صحيحة كما يطرحها الجنرال عون؟ وهل ستؤدي بالفعل إلى ما طرحه عون وأعاد التذكير به في الأسبوع الماضي فارس سعيد أمين قوى 14 آذار في معرض رفضه لهذا التوجه وذلك في برنامج سحر الخطيب "الحد الفاصل".

"
يؤمن عون بفكرة تحالف الأقليات الطائفية ضد الحالة العربية الإسلامية لتحجيمها وتفكيكها، من أجل نجاة هذه الأقليات واستعادة النفوذ القديم المرتبط بعهود دينية مسيحية قديمة وبأوروبا المعاصرة
"
وما يعنينا في هذا التصريح من فارس سعيد ليس مواقف 14 آذار وإنما الرسالة السياسية الطائفية الضمنية التي وجهها الجنرال عون مجدداً إلى الفرقاء المسيحيين مؤخراً في أجواء التصعيد الحالي ضد سعد الحريري ومجمل الحالة السنية، وهي متصلة بفكرة خطابه العلني عشية 7 مايو/أيار واجتياح حزب الله لبيروت السنية والتي قال فيها في مؤتمره الصحفي إن الحزب أعطاه ضمانات بأنه لن يتعرض للمناطق المسيحية وإن المفاعيل العسكرية موجهة فقط إلى بيروت السنية ومنتسبيها.

ويذكر فارس سعيد أن الرسالة التي يتداولها المسيحيون كتوجه للجنرال عون في الأزمة الحالية هي ضرورة خروجهم من أي حالة تقاطع أو تضامن أو اصطفاف مع الحالة السنية مجملا وسعد الحريري خصوصا, حتى تنتهي آثار المواجهة العنيفة الحاسمة بحسب رؤية الجنرال عون فيتخذ مسيحيو 14 آذار موقفا من خلال التواصل مع دمشق بعد الحسم العسكري لحزب الله تجاه الحالة السنية، أو من خلال جسور الجنرال عون مع حزب الله والمستقبل السياسي الجديد الذي سيُعيد تشكيل النفوذ السياسي ببعده الطائفي للقوى المنتصرة، أي الائتلاف الشيعي وحلفائه، وبالتالي فكرة الجنرال عون الرئيسية في انتصار تحالف الأقليات وبناء الشراكة المسيحية على هذه القاعدة بعد عزل لبنان عن الغالبية العربية في المنطقة وتحجيمها داخله.

وتبدو الفكرة مثيرة كسيناريو "بلاي ستيشن" ومغرية للتنفيذ للجنرال عون، لكنها كواقع سياسي في وادي الحرائق المحيط تختلف تماما عن تصورات الجنرال عون، وسنناقش تصوراته عن باقي العلاقة بين أركان اللعبة وعلاقة تحالف الأقليات مع دمشق ومع تل أبيب ومع أوروبا المسيحية كيف ستجمع الصورة.

لكن للإنصاف فإن ذات المشروع أي تحالف الأقليات هو أيضا تصور وليد جنبلاط الجديد أو جنبلاط الحالي حتى نكون دقيقين، غير أن جنبلاط يرى أن هذا التحالف قد يحقق هدفه بالعنف المخملي لا العسكري مع الحالة السنية، ويراهن على نجاح استدراج نظام دمشق الذكي والمتمرس في الحالة اللبنانية لقاعدة (س.س) والعلاقات العربية الرسمية وتأثيراتها في الداخل، لتنتهي إلى تحقيق معادلة انتصار الأقليات دون تفجير الداخل.

بين تل أبيب ودمشق
يدرك الجنرال عون أن حالة المواجهة العسكرية بين حزب الله وتل أبيب في تراجع مستمر بنفس القدر الذي يدرك فيه أن الحزب لا يمكن أن يخفّض من حملة الحرب الإعلامية لإضفاء أجواء المواجهة مع تل أبيب للتغطية اللوجستية المهمة لقضية تغيير الاستحقاق التوازني المطلوب من الائتلاف الطائفي الذي ذكره الرئيس بري، في ظل انغماس متزايد للحزب في المواجهة الطائفية تحت سقف المحكمة الدولية أو غيرها.

إضافة إلى حرج حزب الله المتزايد من أن قوى الغالبية السنية للمقاومة الثلاثية المنضبطة المتمثلة في حركة حماس وتحالف المقاومة الإسلامية الوطنية العراقية وحركة طالبان وصعودها القوي والإستراتيجي والذي تواجهه إيران شراكة مع الغرب في قطري العراق وأفغانستان، وهو ما يُشكّل حرجاً معنوياً كبيرا على الحزب ودوره الطائفي الجديد، لذلك يدعم الجنرال عون حالة الاستعداء الإعلامي بين حزب الله وتل أبيب وإن تراجعت فرص الحرب كثيرا.

من هنا يبدو تصور الجنرال عون لفكرة قناعة تل أبيب الاضطرارية أو الاختيارية لانتصار تحالف الأقليات بعد الحسم العسكري ضد السُنّة باعتباره تأميناً إضافيا لتأجيج الصراع الطائفي المهم لتل أبيب، وهو ثانيا يحمل ما يشترك الجنرال عون مع تل أبيب فيه من خشية وصول الامتداد الفكري لأضلاع المقاومة الثلاثية للغالبية إلى الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة.

أما الطرف الآخر أي دمشق فهي هنا الأقلية الطائفية الحاكمة للنظام في دمشق وليست سوريا التاريخية العربية، واعتقاد الجنرال عون -وإن لم يكن واضحا أسباب اندفاعه الشديد له- متصل بأن هذا الاندماج الإيراني السوري في لبنان يحتاج إلى توازن مسيحي يملؤه الجنرال عون وتياره سواء في موقع الرئاسة مستقبلا في بعبدا أو في فكرة تحالف الأقليات وتوازناتها التي تشغل عون ويرى فيها -وفقا للتاريخ القديم لصراع دمشق وتصفيتها للمقاومة الفلسطينية والحراك الاجتماعي اللبناني المندمج معها في قالب الغالبية والتحالف القومي القديم- رهانا يؤسس على بعد التوازن للأقليات أمام الغالبية العربية المقلقة إستراتيجيا للجنرال عون كعمق إستراتيجي تاريخي ومستقبلي وليس في حالة تيار المستقبل الهش المتصدع.

"
الاندماج الإيراني السوري في لبنان يحتاج إلى توازن مسيحي يملؤه الجنرال عون وتياره سواء في موقع الرئاسة مستقبلا في بعبدا أو في فكرة تحالف الأقليات وتوازناتها التي تشغل الجنرال عون
"
خاصة أن الجنرال عون التقط جيدا رسالة المشهد العراقي الأخير التي بُعثت أمام العالم باتحاد قوي بين دمشق وطهران المتحدة مع واشنطن في السيناريو الأخير الذي أعاد اللعبة إلى المربع الأول في العراق وهو تشكيلة بريمر في صفقة أربيل الجديدة، وهي ذاتها تنطلق من ذات التصور أي تحالف الأقليات الذي رُعي ودُعم إيرانيا وأميركيا باحتلال عسكري، في حين لا يحتاج هذا الأمر إلى احتلال في لبنان بل هو يُنفّذ كتوازن شامل بين المحورين الآن، ويعتبر الجنرال عون شخصه وتياره رهان توازن مهمًّا لهذه التقاطعات شرط تصفية أي مكون امتدادي للغالبية العروبية في المنطقة مع لبنان.

هذا التحليل يجيب على التساؤلات التاريخية عن رهانات الجنرال عون وتقديراته لشراكة المشروع المسيحي مع البناء الطائفي في الاتجاه الآخر الذي بات بحسب تصريحات عون وحماسته الأخيرة والقديمة يتجه إلى الحسم العسكري مع الحالة السنية لضمان تحقيق الانتصار الإستراتيجي لتحالف الأقليات. والحسم العسكري هنا سواء انتصر مرحليا أو تطور إلى مرحلة اشتباكات واسعة، فهو يعني مسمى واحدا: حربا أهلية طائفية. فلنناقش هنا فرضيات الجنرال عون وآخرين يشاركونه من خارج المسيحيين البرتقاليين.

الوحل ومستقبل لبنان
مشكلة الجنرال عون وفكرة حلفاء الأقليات أنها تعتمد على تحريك قواعد رقعة الشطرنج على طاولة منتظمة، والحقيقة أن لبنان يبدو حديقة من الوحل متهدمة الأسوار لا أرضاً صلبة يمكن أن يقاس عليها مستقبل انتصار المحور الإيراني، وإن كان هذا المحور حقق انتصارا كبيرا لا يمكن أن يقلل منه، وبرز ذلك في حالة الولاء والاندماج مع القومية الفارسية التي برزت لأول مرة بهذا المظهر الأيدولوجي والثقافي خلال زيارة الرئيس نجاد.

وأيضا لا يقلل ذلك من نجاح دمشق في استغلال الحالة العربية الرسمية ثم تفريغها ووراثة بعض الأطراف المحسوبة عليها وتأديب الأخرى وبالتالي تسيد دمشق للساحة من جديد، كل ذلك قد لا يغير في السيناريو الأكبر الذي لا يُعيره تحالف الأقليات اهتماما في لبنان, فمسألة سقوط المستقبل وعجزه عن تبلوره كقوى ردع لمصلحة الحالة السنية من تبعات الحرب المحتملة أو توازنه الضعيف لمصلحة الاستقرار الوطني هي تحصيل حاصل، بمعنى أن هذا السقوط مرجح بصورة كبيرة.

وبالتالي فإن تشكّل قوى من الغالبية العروبية المواجهة لتوازنات المحور الإيراني والأميركي ودمشق-تل أبيب سينطلق من نسيج آخر خارج تيار المستقبل، أخذاً في الحساب أن بعد الصراع ليس قضية المحكمة الدولية التي ستتراجع في كل السيناريوهات، إنما المفصل هو حالة التغيير المطلوب الذي يطرحه الائتلاف الطائفي والجنرال عون.

وعليه فإن حراك الاستفزاز الضخم الذي يستهدف قوى الغالبية العروبية في المنطقة وعنصرها الإسلامي المتوهج، سيخلق رد فعل لا يخضع لحسابات السيطرة السورية للأرض اللبنانية في الداخل بعد العام 1991، هذا كبعد ذاتي للقوى المستقلة عن المحورين في الغالبية العروبية والتي ستشكل قوى تمثيل أخرى لمواجهة حالة التغول الطائفي عليها، مع إدراك المجتمع الأهلي أن مهمة مواجهة هذا الحراك ستبقى مرهونة بيد حزب الله ليتحول بصورة إستراتيجية إلى مليشيات طائفية في اشتباك مع الحالة السنية وإن هدأت في أول دورة بعد الحرب التي يبشر بها الجنرال عون.

وقد يكون التصور المواجه هو تولي الجنرال عون الرئاسة بعد اضطراب الأمور ودفع سليمان للاستقالة، وبالتالي مواجهة الأحياء السنية عند تفاقم الأزمة عبر الجيش اللبناني المدعوم طائفيا ومن دمشق بدلا من حزب الله، وهذا يعني تمزق المؤسسة العسكرية ويعني أيضاً حربا أهلية شاملة. إن مراهنة الجنرال عون على عزل الحالة السنية مسيحيا لتمهيد الطريق أمام مواجهتها من الائتلاف الطائفي باعتبار أن ذلك يؤمّن المجتمع المسيحي كما حصل مع بيروت الشرقية في بعض مراحل الحرب الأهلية، يبدو خيارا ساذجا.

إن دوائر العنف ما بعد حروب الولايات المتحدة وانشطارات الحالة الطائفية في كل جهة وبلد وماء النار المتنقل عابر الحدود لن يُبقي حالة السلم الأهلي تدار بمزاج "الريموت كنترول" فتشعل في جهة وتخمد في الحي المقابل، بل سيُسدد ضريبته الجميع خاصة في ظل عنف وحشي أعمى ينتقل إلى المدنيين قبل أن يصل إلى محاسبة السياسيين.

"
مراهنة الجنرال عون على عزل الحالة السنية مسيحيا لتمهيد الطريق أمام مواجهتها من الائتلاف الطائفي باعتبار أن ذلك يؤمّن المجتمع المسيحي كما حصل مع بيروت الشرقية في بعض مراحل الحرب الأهلية، يبدو خيارا ساذجا
"
وإن عزل لبنان عن الغالبية العروبية كما يجري في العراق الذي لم يهدأ لن يتم كمسطرة سايكس بيكو، والرصد المتأمل يكفي للفهم والاستنتاج، إضافة إلى أن وضع المجتمع المسيحي اللبناني في زاوية التخندقات ثم إشعال الفتيل في الشارع قضية خطيرة على مستقبل العلاقات الأهلية, فضلا عن تقاطعات أي صراع سياسي خارجي أراد أن يُصفّي حسابات مرحلة أو يُصفي الساحة لعودته، فتشتعل أعواد الثقاب في مخازن ذخيرة لا يمكن أن تنطفئ إلاّ بعد حين.

إن المسيحيين العرب عاشوا تاريخهم الحضاري الأول والأخير في ظل التوازن الطبيعي للغالبية العروبية وتشريعها وحضارتها الإسلامية، ونحن هنا لا نتحدث عن هيكل سياسي بل نقصد المفهوم الشامل للاستقرار والانتماء العربي، وكان سلمهم الأهلي مصاناً بينما عوامل التخلف عن العدل والقيم كانت تظلم المسلمين قبل غيرهم.

وهي مفارقة تاريخية عجيبة ونحن نلتفت بألم تجاه الجرائم التي استهدفت مسيحيي وكنائس العراق وكانت قد استهدفت المدنيين من السنة والشيعة ولا تزال, لكنّه ألمٌ له وقع خاص علينا حين دعا راعي الكنيسة العراقية الأول أبناء العراق من المسيحيين الآشوريين والسريان إلى الخروج لأول مرة تاريخياً وقد شملتهم رعاية إخوانهم في الغالبية العروبية مستقرين مطمئنين شركاء الوطن منذ أن دقت أجراسهم للفتح الإسلامي وكانوا في ذمة محمد وأصحابه.

لكنه درس للبشرية والتاريخ بأن هذا الأمر لم يقع إلا برعاية تنفيذية مباشرة من الاحتلال الأميركي الإيراني للعراق ومشروع تحالف الأقليات الذي تحدث عنه بريمر كمقدمة لمشروعه السياسي للعراق الجديد. ورغم الاختلافات في طبيعة النظام السياسي والتاريخ بين لبنان والعراق، فإن هناك درسا كبيرا يحتاج أن يتأمله الجنرال عون وهو يُبشّر بالحرب الجديدة حتى لا يحترق لبنان كما احترق العراق.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك