توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


حديثنا اليوم هو عن موقع الانتخابات النيابية الأخيرة في مسار الوضع الأردني. لهذا فإننا ننصح القراء المعنيين بقراءة مقالتنا هذه تالية لمقالين لنا نشرا في موقع الجزيرة نت: الأول نشر في الشهر الأول من عام 2007 تحت عنوان "مأزق يدعو للقلق", والثاني نشر في نهاية العام ذاته وبعد انتخاب مجلس النواب السابق (الذي هلل الجميع لقرار حله) وكان قد تبع انتخابه تشكيل حكومة برئاسة شقيق مدير المخابرات العامة حينها, وبتركيبة أملت علينا عنوان مقالنا ذاك وهو "وضع غير مسبوق".

فالمقالات الثلاث -بإضافة مقالتنا هذه- تشكل تأريخا متصلا لمرحلة أوصلتنا إلى هذه اللحظة, وهي مرحلة حكم وتحالف واقتتال ما ظهر باسم "مراكز قوى" لا تتمتع في الحقيقة بأي من مبررات القوة في عالم السياسة, لا قواعد شعبية ولا كفاءات.. مراكز قوى مشكلة من أفراد جرى تصنيعهم عبر تعيينهم في المنصب الحكومي أو التزوير لهم للوصول إلى المركز المنتخب, وعبرهما أتيح لهم التصرف بالمال العام فجمعوا ثرواتهم بطرق وكميات لا يمكن تبريرها, وعادوا إلى توظيف نفوذ المركز والمال للاستحواذ على مراكز متقدمة أو التحكم بها من وراء ستار بوضع الأتباع فيها, بعدما استحالت عودة أو إعادة بعض هؤلاء إلى الواجهة لشدة رفض الأردنيين لهم.

"
طول جلوس مسؤولي الصف الأول على الحبر المندلق دون تجفيفه وتنظيف موقعه, أدى إلى تفشيه للأعلى أيضا بحيث باتت سوية الجالسين في المواقع العليا والآتين إليها تتراجع
"
والدفع بالأتباع هذا أدى إلى تدن مطّرد في سوية شاغلي مختلف المناصب التنفيذية والتشريعية التي يفترض أن تكون منتخبة (النواب) أو معينة (الأعيان). فمقابل تزوير كافة انتخابات مجلس النواب, جرت تزكية من لا ينطبق عليهم حتى الحد الأدنى من الشروط المفترض توفرها -دستوريا- في عضو مجلس الأعيان. وتدرّج الأمر, كما يتفشى الحبر عند اندلاق الدواة, ليصل إلى مواقع أخرى هامة وحساسة ومفصلية, وبخاصة في الشأن الاقتصادي والمالي, وتحديدا مع بدء اختلاق وتفصيل تلك المواقع على مقاس مصلحة "مراكز القوى" تلك وعلى مقاس صغار الأتباع الذين زرعوا فيها.

وطول جلوس مسؤولي الصف الأول على الحبر المندلق دون تجفيفه وتنظيف موقعه, أدى إلى تفشيه للأعلى أيضا بحيث باتت سوية الجالسين في المواقع العليا والآتين إليها تتراجع هي أيضا. والأدهى أن هذا الاحتراب على المواقع والاحتكار لها شكلا حالة طاردة للقلة الكفأة, أو على الأقل حسنة التوجه (بتنا نقبل بإحدى الصفتين) التي طرأت عليها ولم تدم فيها.. بعضهم آثر الاستقالة أو عدم العودة (كأحمد عبيدات ومروان المعشر وعبد الرحيم ملحس), وبعضهم جرى إقصاؤه صراحة أو مواربة (كعبد الكريم الكباريتي وعون الخصاونة وطارق علاء الدين). أما تحالف "مراكز القوى تلك" في مواجهة كامل الشعب وقواه وممثليه -وهو تحالف على المكاسب المالية فقط- فقد أنتج احتكارات وبيوعا لأصول هامة بأسعار بخسة, ولخسائر اقتصادية هائلة يصعب حصرها.

ولم نكن نحن أول من تحدث عن الأثر الكارثي لمطامع "مراكز القوى" تلك، فالظاهرة كانت متفاقمة ومولدة لأزمات عدة في إدارة الدولة, لدرجة استدعت أن يدعو الملك إلى اجتماع لمجلس النواب -السابق للمجلس الذي جرى حله- وكامل طاقم الحكومات الأخيرة, من كان منهم في موقع السلطة حينها ومن غادره, وألقى فيهم خطابا غاضبا انتقد "مراكز القوى", مضيفاً "حسبما يسميها البعض", وقائلا إن هناك "تحديات أكبر بكثير من الوقوف عند من يريد أن يصبح رئيساً للوزراء أو رئيساً لمجلس النواب أو الأعيان".

كان ذلك في صيف العام 2005 حين قامت "أزمة ثقة بالحكومة", ليس لأن مجلس النواب كان يراقب ويحاسب, بل لأن رئيسه عبد الهادي المجالي كان يعتقد أنه الأحق برئاسة الحكومة كإرث لعائلته تحصل لها من توقيع حكومة أخيه لاتفاقية وادي عربة. وكان قد زعم انتخابه مرتين لمجلسين أشرفت حكومة أخيه على انتخابهما. وفي انتخابات عام 2003 التي جرت بقانون غير دستوري وبإجراءات بلغت درجة التزوير فيها أن دخلت التاريخ الأردني تحت اسم "انتخابات الكي" ("كي" البطاقة الشخصية لإزالة الختم الانتخابي المضغوط عليها لإعادة التصويت بها), أوصل عبد الهادي إلى مقعد النيابة بل ورئاسة مجلس النواب في "تحصيل فواتير" على رئيس تلك الحكومة الذي كان سبق للدكتور عبد السلام المجالي أن أوصله إلى مجلس النواب هو الآخر مرتين بذات وسائل إيصال أخيه.. وتلك عيّنة من تحالفات "مراكز القوى" الذي خلق ناديا مغلقا للحكم هو ما عرضنا له في مقالتنا "وضع غير مسبوق".

ورغم غضب الملك وخطابه الناري ذاك, أمكن لعبد الهادي المجالي العودة إلى المساومة بأصوات مجلس مزور لفرض ابنه وزيرا للأشغال العامة وأخذه حصة من عطاء "سكن كريم" (سكن للفقراء شاعت أنباء فساده) لصالح شركة مقاولات كان يملكها الأب وسجلت باسم الابن, في خرق صريح للدستور والقوانين.

والأعجب ما يقال علنا وفي الصحافة الأردنية عن أن مجلس النواب الأخير حُلّ للتخلص من "نفوذ" رئيسه, وأن تعيين الملك لعبد الهادي في مجلس الأعيان جاء استرضاء له كي لا يترشح للنواب ثانية!! ويزيد من العجب أن يعود المعني ليعلن أنه لم يحسم أمره في الترشح, ولكنه حسم أمر مرشحي حزبه المفبرك لهذه الغاية في آخر لحظة, مؤكدا أنهم سيحصدون غالبية مقاعد المجلس.

والأعجب أن يقوم بتسيير حافلات بركابها من الكرك (التي انطلقت منها انتفاضة نيسان وكان عبد الهادي المجالي مدير الأمن العام الذي تحمس لقمعها فطالب المنتفضون بإقالتة إلى جانب إقالة حكومة زيد الرفاعي) إلى عمان لتقوم بمظاهرة عند بيته مطالبة "الزعيم" بالترشح, في ضغط منه ليس على الحكومة, بل على القصر.. ثم إذا بالمشهد يتقزم في حصيلة الانتخابات بسقوط آخر لحزب عبد الهادي الثالث كما سقط حزباه السابقان, إذ لم يصل من مرشحيه سوى ستة فازوا عشائريا, ولحين كتابة هذه المقالة كان ثلاثة منهم قد أنكروا انتماءهم للحزب ابتداء.

يصعب منطقيا تصور أن يستغرق تحييد الحكم لرجل هو صنيعة ذلك الحكم أكثر من خمسة أعوام يكون الفوز خلالها وإلى حينه للصنيعة, وأقله بموقع عضو مجلس أعيان!! وهذه الحالة تمثل عينة فقط, تعمدنا أن يكون كل ما أوردناه عنها منقولا عن أكثر من صحيفة وموقع أردني, مع أن ما يتناقل كتابة وشفاهة عن "مراكز قوى" أخرى في عرض عضلات مشابه, يذهب إلى أبعد من هذا.

"
حين يجادل الشارع في عدالة ما يجري لمتهمين هم وزراء سابقون ومليارديرة سوق في وقت عم فيه الفقر حد الجوع وباتت محاكمة الفاسدين المطلب الأول للجماهير, فإن الأمر يؤشر على خطأ في النهج
"
حتى تبرير مثل هذا الوضع بالاستقواء بطرف خارجي عبر "وادي عربة", أو بجيش الاحتلال الأميركي للعراق (حسب مركز القوة المعني بالحديث) لا يفسر هذا, بل يفسره خطأ في النهج أدى إلى خلق مراكز قوى بلا أي قوة حقيقية, أدى في المحصلة إلى غضبة قوى شعبية حقيقية وصلت معاقل الولاء التقليدية. وهذا الخطأ في النهج يتكرر بتسليم آخر صريح لرئاسة المجلس القادم لرئيس وزراء سابق ترشح أو رُشّح (أو استأذن) للانتخابات النيابية كخطوة لابد منها لتوليه تلك الرئاسة. والرئيس الجديد سيحاول ضمان أن لا تتكرر أي أزمات ثقة بأي إجراء حكومي.. وإجراءات الحكومة الحالية -وقوانينها المؤقتة- التي تنتظر ختم المجلس، كلها موضع غضب شعبي..

فحتى الإجراء الذي يفترض أن يحسب للحكومة وهو مكافحة الفساد، حسبت الحالة الوحيدة التي تصدت لها هذه الحكومة -قضية عطاء مصفاة البترول- عليها لا لها.. ليس لأن الذين أحيلوا إلى المحكمة أبرياء في نظر الشارع, ولكن لأن القضية اعتبرت تصفية حسابات عطاء تنازعته مع هؤلاء الشركة التي كان يرأسها رئيس الحكومة, ولأن الرئيس استعمل صلاحيات وردت في قوانين غير دستورية, تجاوزت قرار المحكمة النظامية التي أحيلت إليها القضية ابتداء, لإحالة المتهمين إلى محكمة أمن الدولة. وحين يجادل الشارع في عدالة ما يجري لمتهمين هم وزراء سابقون ومليارديرة سوق في وقت عم فيه الفقر حد الجوع وباتت محاكمة الفاسدين المطلب الأول للجماهير على تباين فئاتها وولاءاتها.. فإن الأمر يؤشر على خطأ في النهج.

والنهج الذي أدى إلى "وضع غير مسبوق" بيناه في مقالة سابقة, تفاقم بقدوم الحكومة الأخيرة ليصبح نهج "إزاحة" تامة. والحكومة بدأت مسارها متكئة على ما يمكن اعتباره إزاحة مؤقتة للشعب عن طريقها بإعفائها من السعي "للشعبية المؤقتة". ولكن اتضح من نهجها أنها لم تكن تطلب تلك المساحة مؤقتا, بل بصورة دائمة.

فزيادة على كل إجراءاتها التي اتخذتها منفردة, فإن قانون الانتخاب المؤقت العجيب غير المسبوق في العالم كله والذي أصرت عليه الحكومة مجازفة بمقاطعة كل من لهم وزن سياسي للانتخابات الأخيرة, إضافة إلى مجريات انتخابات أدت إلى إجماع على وصفها "بالتعيين", يشكل إزاحة تامة لما كان يزعم من قبل أنه تمثيل للشعب في نادي الحكم المغلق.

وتمثلت إزاحة "الأقطاب" تحديدا في أكثر من صورة منها الإبقاء على مواد غير دستورية في القانون وضعت لمنع قيادات وطنية مضمونة الفوز من الترشح, وعدم الإذن لعبد الرؤوف الروابدة الذي ضمن إعادة انتخابه, وعدم التجديد "لمراكز قوى" غير عبد الهادي المجالي, منهم رئيس مجلس النواب السابق سعد هايل السرور الذي كان يتم إيصاله إلى المجلس بكوتا يُحجز له مقعد دائم فيها، وأوصل إلى رئاسة المجلس بتدخل غير دستوري من السلطة التنفيذية. كما تمثلت في إسقاط مرشحين (رجال دولة وليس معارضة) بوزن عبد الله النسور وعبد الله العكايلة, لإنتاج مجلس بلا أقطاب عائدة تنافس على الرئاسة أو تقف ندا محرجا لرئيس المجلس أو للحكومة.

وخطأ النهج هنا تحديدا يتمثل في حقيقة أنه لا الدبلوماسية العشائرية التي يجيدها السيد الفايز, ولا خلو المجلس من الأقطاب سيفيد في إلغاء الأزمات مع الحكومة. وخير مؤشر على هذا تعدد الأسماء التي طرحت نفسها لتنافس على رئاسة مجلس النواب, ومنها ما يستغرب مجرد طرحه إلا أن يكون محاولة لجذب الضوء نحو صاحبه. وما بين طلب الضوء والمنافسة الجادة, فإن المجلس لا محالة سيخوض أزمات مع الحكومة. فهذه تنتج من صلب العلاقة الملزمة في نصوص كل الدساتير كونها وسيلة "الضبط والتوازن" في أي ديمقراطية.

و"تعيين" أعضاء هذا المجلس لا يسقط حقوق وحصانة أفراده في ممارسة دورهم ذاك، بل إن زعم انتخابهم هو تحديدا ما سيدفع البعض للبحث عن نقاط ضعف في أداء الحكومة ليؤكد ذاته في نظر من يُزعم أنهم قواعده. ولو كان مجلس النواب منعقدا عند تسجيل قضية المصفاة, فإن مرافعات كتلك التي نشرت في الصحافة, كانت ستسمع.. بل وما هو أبعد من المرافعة, لكون النواب قادرين على استجواب طرف واحد في القضية هو الحكومة, وإصدار أحكامهم عليها. والأحكام -بدءا من النقد والاتهام وصولا إلى حجب الثقة- من صلب صلاحيات النواب، والنواب بعامة لا يستعملون تعبيرات قانونية, بل سياسية, بما يعني أن قولهم كان سيكون أشد وقعا من قول أي محكمة.

"
بعض ما يطرحه الرئيس لضبط أداء السلطة التشريعية المنتخبة على إيقاع إرادة السلطة التنفيذية يزيد على ليّ عنق الدستور إلى مناقضة أحكامة صراحة, وإن نجح في إخضاع النواب الحاليين تحديدا بتلك الطرق, فإن هذا النجاح سيكون مقدمة لأزمة أكبر
"
كل ما يمكن أن يقال عن مزايا رئيس المجلس فيصل الفايز لن يقلب هذه المعادلة الثابتة، ولا يستبعد أن يخسر في أول قضية من هذا النوع مقارنة مع رئيس المجلس السابق دونما أي مزايا للأخير, بل لمجرد أنه كان غير معني بوقف "الطخ" على الحكومة, ولو لكونه استفاد من ذلك الطخ.

فإذا كان رئيس المجلس هو مرشح العرش, وبلغ تفانيه في خدمته أن قبل الترشح لانتخابات نيابية بلا مصداقية بعد توليه مناصب أكبر لا تتأتى بالانتخاب, فلا يجدر به أن يحاول إلحاق مجلس النواب بالقصر, ببساطة لأن ذلك لن ينجح. فبعض ما يطرحه الرئيس لضبط أداء السلطة التشريعية المنتخبة على إيقاع إرادة السلطة التنفيذية يزيد على ليّ عنق الدستور إلى مناقضة أحكامة صراحة.. وإن نجح في إخضاع النواب الحاليين تحديدا بتلك الطرق, فإن هذا النجاح سيكون مقدمة لأزمة أكبر.

انتفاضة نيسان قامت ضد حكومة وخاطب الشعب فيها الملك الراحل, فتجاوب الملك مع المطلب الشعبي.. وتلك هي الملكية الدستورية التي يكون فيها الملك رئيسا للسلطات الثلاث، ولكنه لا ينازع أعضاء السلطات صلاحياتهم, وحتما هو لا يضطر لدخول معارك بأي درجة من افتراض الندية مع أي من أعضاء تلك السلطات, ناهيك عن أن يضطر لمناورة واسترضاء من يهبطون عليها بلا استحقاق, تعيينا أو تزويرا.. أو أن تستكمل باسمه إزاحة نهائية, هدفت إليها حكومة غير شعبية بانتخابات لا تقنع أحدا في الداخل, لما لا يقل عن الشعب كله ومجلسه الذي يمارس صلاحياته ويضمن حقوقه الدستورية عبره.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك