غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


تثير التطورات المتسارعة في الملف اللبناني أسئلة حول ما إذا كان ثمة عودة للحالة التي كان عليها البلد في الفترة التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري وخروج القوات السورية، وما أعقبها من تطورات مثلت حرب يوليو/ تموز2006 ذروتها.

ففي هذا الوقت لم تخف إدارة الرئيس جورج بوش نيتها جعل هذا البلد الصغير قاعدة لتطبيق مشروعها (الشرق الأوسط الكبير)، حيث رأت كوندوليزا رايس، وتحت ظلال الدخان الذي غطى سماء لبنان، أفق ذلك المشروع الممتد من كابل إلى غزة... لكن الوقائع حينها قالت كلمتها، وجاءت إدارة أوباما التي ستأخذ معها أزمة المنطقة سياقات مغايرة ولو في الشكل، عبر تبريد الخطاب السياسي الأميركي والبحث عن تسويات مع الأطراف وخاصة سوريا.

"
بعد اغتيال الحريري لم تخف إدارة بوش نيتها جعل هذا البلد الصغير قاعدة لتطبيق مشروعها (الشرق الأوسط الكبير)، حيث رأت رايس، وتحت ظلال الدخان الذي غطى سماء لبنان، أفق ذلك المشروع الممتد من كابل إلى غزة
"
لكن، وفجأة ومن دون مقدمات، بلغ التصعيد في اللهجة الأميركية ضد سوريا حدا غير مسبوق إلا في ذروة الحملة الدولية عليها غداة الرابع عشر من فبراير/ شباط 2005، وقد شكّل البيان المكتوب الذي تلته المندوبة الأميركية في مجلس الأمن سوزان رايس فور انتهاء جلسة مجلس الأمن المخصصة لمناقشة التقرير الدوري للأمين العام للأمم المتحدة حول تنفيذ القرار 1559، مناسبة لإطلاق أسئلة حول أبعاده السياسية، ربطا بما يجري في المنطقة من تحركات واستحقاقات في ساحات عدة، من لبنان إلى أفغانستان مرورا بالعراق وفلسطين والسودان وإيران.

واتسم الموقف الأميركي في مجلس الأمن الذي عبرت عنه المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة سوزان رايس بأنه كان تحذيريا وأكثر شراسة وفق ما لاحظ بعض المراقبين من المواقف التي كانت تعبر عنها الوزيرة السابقة للخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.

فرفعت واشنطن بقوة وتيرة لهجتها أو خطابها إزاء دمشق على نحو خاص بعد مراعاة في الأشهر الأخيرة وصولا حتى جولة جيفري فيلتمان، مساعد وزيرة الخارجية الأميركية في المنطقة وزيارته لبيروت.

إذ أن الكلام استمر على صعوبات في العلاقة مع دمشق لكنه كلام معطوف على الرغبة في تذليل العقد في ظل استمرار تأكيد الإدارة الأميركية نيتها إرسال السفير الأميركي المعين روبرت فورد إلى دمشق وفي ظل تعاون أميركي سوري حقيقي في موضوع العراق.

وتزامناً مع ذلك أطلق تيري رود لارسن، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى لبنان، تحذيرا غير مسبوق بأن ما يجري في لبنان «يمثل أخطر قضية تواجه الأمن والسلام الدوليين اليوم»، وقال «لو تمت زعزعة الاستقرار في لبنان، فإنني أخشى أنه ستكون له آثار متتابعة على المنطقة بأكملها»، واصفاً الوضع في لبنان بأنه «خطير للغاية»، وذهب المسؤول الدولي حداً أبعد من ذلك حينما حذر من أن "الشرق الأوسط هو منطقة تهب عليها تيارات هوائية وإعصار، وفي وسط هذا التيار الهوائي تقف خيمة مرتكزة بشكل حرج على عمودين أحدهما فلسطيني والآخر لبناني، وإذا انهار أحد هذين العمودين ستنهار الخيمة بأكملها"، موضحاً: "بكلمات أخرى إذا اهتز استقرار لبنان أخشى أن يؤدي إلى تأثير موجي ينتقل إلى باقي المنطقة"!

واللافت في الأمر حصول حركة في المنطقة في موازاة مناقشات مجلس الأمن حول القرار 1559 وتزامن المواقف الدولية مع مواقف إقليمية موازية تعيد إلى الواجهة الخلاف المصري السوري في مقابل التنسيق المصري السعودي، بحيث يبدو أن الأمور في المنطقة تتجه إلى مفصل مهم نتيجة المعطيات الجديدة في العلاقات بين دول المنطقة، فقد كان لافتاً أيضاً الموقف المصري الذي تطور في الأيام الأخيرة إلى حدود خروج جريدة «الأهرام»، بافتتاحية لرئيس تحريرها أسامة سرايا (القريب جداً من دوائر القرار في الرئاسة وفي الاستخبارات العامة المصرية)، والذي هاجم سوريا بقوة واتهمها بالعمل على تعزيز «المصالح الإيرانية في العالم العربي».

وتضمّنت الافتتاحيّة إشارة هي الأولى من نوعها إلى أن سوريا تسعى إلى تعزيز «مصالح الشيعة في العالم العربي»، فضلاً عن اتهام القيادة السورية بأنها «تبيع الأوهام، وهي تقول إنها تدعم المقاومة لكنها لا تحرر أرضها المحتلة».

"
برغم استمرار التشاور بين سوريا والسعودية وإصرار الطرفين على وصفه بالإيجابي فإن إيجابية العلاقة بين القيادتين السورية والسعودية لم تعكس حتى اليوم أيّ حراك على الأرض في لبنان منذ نهاية يوليو/ تموز الماضي
"
ومن جهتها ، فإن الرياض كان لها «رسائل» كثيرة في هذا المجال. وليس آخرها المناورات السعودية المصرية المشتركة. وصفقة التسلح الكبيرة بين الرياض وواشنطن لرفع قدرات القوات السعودية، والملاحظ أنه برغم استمرار التشاور بين سوريا والسعودية وإصرار الطرفين على وصفه بالإيجابي فإن إيجابية العلاقة بين القيادتين السورية والسعودية لم تعكس حتى اليوم أيّ حراك على الأرض في لبنان منذ نهاية يوليو/ تموز الماضي.

والثابت حتى الآن أن أميركا لم تكن في يوم من الأيام راضية على المصالحة السعودية السورية، وهي ترى أنها كانت وما تزال تعتبر تنازلا مجانيا من جانب الرياض التي لن تستطيع الحصول على أي مقابل من دمشق. 

وبالتالي فإن واشنطن قررت الرد على هجوم سوري إيراني واسع النطاق شنه البلدان في خلال العامين الماضيين، واستغلا فرصة قرار إدارة أوباما الانخراط مع دمشق وطهران، كي يعززا نفوذهما في لبنان والعراق وفلسطين، وكي يعلنا من بيروت بالذات ولادة الشرق الأوسط البديل لذلك الذي سبق أن أعلنت واشنطن قيامه في أعقاب الغزو الأميركي لأفغانستان ثم العراق.

وهكذا تبدو الأوضاع في المنطقة، خصوصاً في لبنان والعراق، كأنها تعود إلى المربع الأول. سقط الرهان على التسويات وأنصاف الحلول بما هي بديل من الانفجار والحسم، أو تأجيل لهما في أحسن الأحوال، غير أن اللافت في جولة التوتر الحالية هذه «العودة» الأميركية المتجددة إلى لبنان على وقع المواقف المنددة بسوريا وإيران، والتي تشبه الحملة التي واكبت إطلاق المفاوضات، غير المباشرة ثم المباشرة، بين الفلسطينيين والإسرائيليين أوائل السنة.

فهل مناسبة «العودة» ممارسة الضغوط في لبنان لتسهيل بعض المقايضات في العراق؟ أم أن مقتضيات معركة الانتخابات الأميركية فرضت مثل هذه الحملة الموقتة؟!

ثمة وقائع في صلب المشهد تؤكد أنه لا انعطافة أميركية جديدة حيال سوريا، بمعنى أنه لا عودة إلى تموضع أميركي قتالي ضد السوريين، شبيه بفترة سابقة، ذلك أن ارتفاع حدة المواقف الأميركية تجاه سوريا، المعبّر عنه في أكثر من قناة في الفترة الأخيرة، يخدم في سياقه المتصل بأكثر من ملف وساحة، ضرورة المسارعة إلى استرجاع التوازن، والمواقف الأميركية ضد سوريا قديمة لجهة مضمونها: تسليح حزب الله عسكرياً؛ تهديد سيادة لبنان وأمنه؛ العمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة؛ مواصلة التحالف مع إيران وحزب الله وحماس، والتحذير من أن النظام السوري مسؤول عمّا يمكن أن يقدم حلفاؤه عليه.

غير أن جديد المواقف، أنها تُطلق في ظل وضع حساس جداً في لبنان، من جهة أخرى لا تملك واشنطن في هذه المرحلة أداة تأثير فاعلة، سوى إطلاق مواقف كلامية غير مقرونة برافعات ضغط عملية ومؤثرة ضد سوريا، فضرورات المصلحة الأميركية في ساحات أخرى في المنطقة، غير الساحة اللبنانية، تلزم الأميركيين بعدم نقل تصعيدهم الكلامي إلى تصعيد عملي.

وما يؤكد على هذه الحقائق جملة من المعطيات:
- أن المناخ الدولي لا يبدو ملائماً لنشوب حرب جديدة في لبنان حتى إشعار آخر.

- لأن الواقع الإقليمي مثقل بالهموم والاستحقاقات ما يستدعي عدم تعريضه لمخاطر جديدة قد يغرق فيها الجميع بما يفوق طاقتهم على المناعة للوقوف في وجهها، أو لتحويل تلك المخاطر في الاتجاه الذي يحقق لكل منهم مصالحه، والعكس صحيح، ذلك أن فلتان التطورات في لبنان من أي مراقبة وسيطرة من شأنه، هذه المرة، أن يصيب المحيط الإقليمي كله بمخاطر غير محسوبة.

"
الواقع الإقليمي مثقل بالهموم والاستحقاقات ما يستدعي من أميركا عدم تعريضه لمخاطر جديدة قد يغرق فيها الجميع بما يفوق طاقتهم على المناعة للوقوف في وجهها
"
- يتوافر لدى المراقبين السياسيين والدبلوماسيين من المعلومات ما يجعلهم واثقين من أن أي فلتان في لبنان سيكون هذه المرة، وبالضرورة، أخطر من العراق، ذلك أن تطورات العراق بقيت، على خطورتها، داخل القطر العراقي، ولكنها إذا اندلعت في لبنان فمن شأنها أن تتجاوز حدوده الطبيعية والمعنوية بسرعة فائقة، لتشعل نيرانها في هشيم منطقة ممزّقة مشرذمة، تتناهشها التناقضات المذهبية والقبلية، وتخضع لمؤثرات اقتصادية بالغة الأهمية.

يبقى أن المشهد الجديد في لبنان والعراق يسبق المشهد الأميركي الجديد الذي يتوقع أن ترسمه نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس. فإذا صدقت التوقعات -وهو المرجح- فإن ميزان قوى حزبياً جديداً في واشنطن سيترك انعكاسه على السياسة الخارجية، الأمر الذي سيعيد خلط الكثير من الأوراق، وسيدفع معظم اللاعبين في المنطقة إلى إعادة النظر في حساباتهم وإعادة تموضعهم واصطفافهم.

لذلك يبدو أن اللاعبين في المنطقة باتوا يستعجلون حسم ما لم يعد يحتمل تأجيلاً، من بيروت إلى بغداد. كما أن كلا المشهدين يسبقان إعلان قرب استئناف جلسة مفاوضات قد تكون مفصلية بين الجمهورية الإسلامية والدول الست حول الملف النووي منتصف هذا الشهر.. وباتت هي الأخرى تحتاج إلى حسم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك