جيريمي كينان

جيريمي كينان

جيريمي كينان، أنثربولوجي بريطاني، درّس مادة الأنثربولوجيا الاجتماعية في عدة مؤسسات جامعية بريطانيا، وهو حاليا أستاذ باحث ومشارك في برنامج أبحاث في كلية الدراسات الأفريقية والشرقية التابعة لجامعة لندن.


بعيدا عن الجدل الذي يحيط بتصريحات بن لادن القليلة نسبيا، خاصة الجدل المتعلق بكونه حيا أم لا وصحة بياناته، تكمن أهمية تصريحاته في مدى تصديقها والإجراءات التي تتخذ على أساسها.

وفي ما يتصل بالتسجيل الصوتي الذي أذاعته الجزيرة في 27 أكتوبر/تشرين الأول، الذي أنب فيه فرنسا على معاملتها للمسلمين وعلى دورها في أفغانستان وتدخلها في شؤون المسلمين في شمال وغرب أفريقيا، فإن القليل من تصريحاته (أو تصريحات القاعدة) قد حصلت على صدى كهذا.

ومن المؤكد أنه ما من تصريح سابق له كان له مثل هذا الوقع على شمال وغرب أفريقيا وفرنسا وحتى الاتحاد الأوروبي برمته. كما أنه من المحتمل أن يكون له تأثيرات كبيرة على ما يسمى الحرب على القاعدة في الصحراء الكبرى ومنطقة الساحل، وعلى سياسات فرنسا والاتحاد الأوروبي في المنطقة.

أول شيء يمكن أن يقال عن هذه الخطوة، أن الضجة الإعلامية التي حظيت بها جعلت من منطقة الساحل التي لا يعرف عنها إلا القليل، منطقة تستحوذ على الاهتمام، كما أنها جعلت صراعا مغمورا يستحوذ على اهتمام العالم، خاصة في أوروبا حيث تبوأت منطقة الساحل رأس أولويات مجلس وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 25 أكتوبر/تشرين الأول.

في الواقع، من الصعب اعتبارها صدفة بأن تسجيل بن لادن الصوتي قد أذيع عقب أقل من 48 ساعة على اجتماع مجلس الاتحاد الأوروبي، وبعبارة أخرى، بينما كانت أزمة الساحل وربما أزمة فرنسا -بشكل أصح- كانتا تحت النقاش المحاط بالسرية في أروقة الاتحاد الأوربي، كان بن لادن يصعد القضية إلى المستوى الدولي.

لقد أرسلت تصريحاته رسائل عديدة، أولها، جاء التصريح على أنه "مباركة" للجهاديين الذين أخذوا سبعة رهائن -خمسة من فرنسا وواحدا من توغو وواحدا من مدغشقر- من موقع لاستخراج اليورانيوم في مدينة آرليت يوم 16 سبتمبر/أيلول. "إن اختطاف خبرائكم في النيجر" قال بن لادن "رد فعل على ظلمكم تجاه المسلمين".

"
رسالة بن لادن ربما تعطي ملامح لطبيعة المطالب التي قد يطلبها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي لإطلاق الرهائن السبعة وكيفية التعامل مع تلك الطلبات
"
وثانيها، أن مثل هذه "المباركة" قد تكون له آثار مركبة. وذلك لأن القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في الصحراء الكبرى والساحل هي من صنع مديرية الأمن والاستعلامات الجزائرية، وبثلاثة أمراء في الصحراء الكبرى والساحل هم عبد الحميد أبو زيد ويحيى دجوادي ومختار بن مختار (ولجميعهم أسماء حركية كثيرة)، وتحوم حولهم شكوك قوية بكونهم عملاء مديرية الأمن والاستعلامات الجزائرية.

بين نهاية العام 2008 والسنة الحالية ارتفعت قوة التنظيم من حوالي 200 عنصر إلى ما بين 300 و400 عنصر، كما تغيرت تركيبة التنظيم.

إن زيادة انجذاب الشباب الموريتاني إلى إمارة الصحراء الكبرى كما يسمونها جعل عددهم أكبر من عدد الجزائريين، مما أدى إلى اضمحلال نفوذ مديرية الأمن والاستخبارات الجزائرية على المجموعة.

تشير الأحداث إلى ازدياد الالتحاق بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي من قبل "الإسلاميين" و"الجهاديين" الشباب منذ الغارة الفرنسية الموريتانية المشتركة في مالي في 22 يوليو/تموز، والتي زعم أنها لتحرير الرهينة الفرنسي ميشيل جيرمانو.

وتكرر الأمر كذلك بعد 16 سبتمبر/أيلول عندما انضمت موريتانيا حليفة فرنسا (وكيلها) إلى فرنسا في "إعلان الحرب" على تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، وقد لقنت درسا قاسيا من قبل مقاتلي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في رأس الماء (غربي تومبوكتو).

إن نتيجة زيادة التجنيد الذي تعود إلى فرنسا معظم أسبابها، ستكون تغييرا شبه أكيد على النظام المؤسسي الداخلي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وذلك بدخول إسلاميين لا يخضعون إلى مديرية الأمن والاستعلامات الجزائرية وبسط نفوذهم على الإستراتيجية العامة للتنظيم وعملياته الميدانية.

ولا شك أن "مباركة" بن لادن سيكون لها أثر في تسريع ذلك التحول، بإعطاء دفعة قوية للعدد المتزايد من العناصر الجهادية في التنظيم، وكذلك ستعطي زخما كبيرا لعمليات تجنيد المقاتلين، وذلك ما سيكون من الأهمية بمكان بالنسبة للاتحاد الأوروبي.

وثالثة الرسائل، أن رسالة بن لادن ربما تعطي ملامح لطبيعة المطالب التي قد يطلبها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي لإطلاق الرهائن السبعة وكيفية التعامل مع تلك الطلبات.

فرنسا تخطط لمنع ارتداء غطاء الوجه (البرقع) في الأماكن العامة، وهذا يمكن أن يتم التخلي عنه بسهولة، ولكن سحب ما بين 3500 و4000 جندي فرنسي من أفغانستان، أو الانسحاب من عمليات التنقيب عن اليورانيوم في النيجر -إذا كان ذلك هو المقصود بعبارة بأخذ الكثير من خيراتنا بصفقات مشبوهة- تبدو أمورا خارج نطاق البحث.

والحال هذه، يمكن تفسير الرسالة على أنها تحذير من إمكانية إعدام الرهائن أو جرّ فرنسا إلى مفاوضات طويلة ومهينة.

"
فرنسا تواجه أزمة لا يبدو لها حل فوري واضح، لأن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بعد انقضاء ستة أسابيع لم يفصح عن مطالبه بعد
"
وهذان الاحتمالان هما نتاج محتمل يعكس اختلاف وجهات النظر بين أهداف كل من مديرية الأمن والاستعلامات الجزائرية والعناصر الإسلامية العاملة في التنظيم.

إن رد فعل فرنسا على التسجيل الصوتي له دلالة على الطبيعة المجهولة للاتجاه الذي يمكن للأزمة أن تأخذه.

وفي الوقت الذي رفعت فيه رسالة بن لادن مستوى التحذير الأمني في فرنسا (وأوروبا)، استنادا إلى قول وزير الداخلية الفرنسية بريس أورتيفو إن بلاده واقعة تحت تهديد إرهابي "حقيقي" وتحتاج إلى "يقظة وحذر كاملين"، يأتي وزير الخارجية الفرنسي بيرنار كوشنير ليهون من أمر التسجيل الصوتي بقوله إن تهديد بن لادن كان انتهازا متوقعا وبأنه يملك القليل من التأثير في أوساط القاعدة في المغرب الإسلامي.

إن فرنسا تواجه أزمة لا يبدو لها حل فوري واضح، لأن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بعد انقضاء ستة أسابيع لم يفصح عن مطالبه بعد.

ومع ذلك، يمكن للمرء أن يتصور حلا محتملا يتضمن خيارات منطقية لإنقاذ ماء وجه فرنسا. ولكن يظل كل ذلك طي الكتمان حيث إنهم لا يريدون رؤية الشمس ولو من خلال غربال فيما يتعلق بالجزائر.

دعوني أوضح ذلك:
إذا كان الأمر كما يعتقد الكثيرون، وهو أن مديرية الأمن والاستعلامات الجزائرية لها نفوذ كبير على تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، فإنه من الممكن أن تقوم المديرية بترتيب إطلاق الرهائن على أسس دينية أو إنسانية تقابلها سلسلة من التنازلات المؤلمة من جانب فرنسا.

الثمن الذي ستطلبه الجزائر يمكن أن يكون باهظا، ويمكن أن يصل إلى إعطاء مديرية الأمن والاستعلامات الجزائرية حرية أكبر للعمل في فرنسا وكذلك التأثير على الاتحاد الأوروبي لإضعاف المغرب.. إلخ.

هذه الأمور قد تكون مقبولة للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من الناحية السياسية، لأنه هو المسؤول أصلا عن جرّ فرنسا إلى هذا المأزق، خاصة أن تلك المطالب لن تكون ذات أهمية مباشرة أو حتى مفهومة لدى الجمهور الفرنسي.

السيناريو الآخر الأقل إيجابية للجزائر هو أن تخرج الجزائر من هذا الوضع كالخاسر الأكبر بدلا من فرنسا. وذلك أن معظم الدول المجاورة للجزائر بدأت بتوجيه اللوم إليها لكونها المتسبب بشكل أو بآخر في تعاظم الخطر "الإرهابي" لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في منطقة الساحل.

وزير الصحة الموريتاني الشيخ المختار ولد حرمة مثلا "صرح" مؤخرا بأن الجزائر كانت "المتحدث الرسمي" باسم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وعناصر في الإعلام المغربي اتهموا واشنطن بتسهيل علاقة الجزائر بالتنظيم واستخدامه كمؤسسة "إرهابية"، كما أن مسؤولا رفيع المستوى في قوات الأمن المالية اتهم مديرية الأمن والاستعلامات الجزائرية بأنها "في قلب تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي".

النيجر أيضا غاضبة من الدور الذي تلعبه مديرية الأمن الجزائري في زعزعة الاستقرار في الأقاليم الشمالية، بينما اعتبر القائد الليبي معمر القذافي بعبارات مخففة أن مشكلة الإقليم هي مديرية الأمن والاستعلامات الجزائرية.

"
إذا استمر التمحور الإقليمي ضد الجزائر بهذا الشكل، فقد تكون لفرنسا فرصة في استعادة وربما توسيع نفوذها ووضعها في المنطقة
"
كل ذلك زاد في الموقف السلبي من الجزائر الذي برز بشكل واضح في المؤتمر الأمني الذي عقد في باماكو في 13-14 أكتوبر/تشرين الأول. وهذا المؤتمر الذي بدأته فرنسا أغضب الجزائر، القوة الإقليمية الوحيدة التي تتمتع بقدرة عسكرية على استئصال تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في إقليم الساحل.

الجزائر على أي حال وبدعم أميركي (وربما المغرب يدعوه استرضاء) كانت تستخدم التنظيم طيلة الفترة الماضية لخدمة مخططاتها للسيطرة على المنطقة.

لذلك فالجزائر تعارض بشدة أي تدخل خارجي، وقد أسست بالتالي، وبطريقة مسرحية عددا من الأجهزة الأمنية والاستخبارية الخاصة بها، تقدم خدماتها لجيران الجزائر الضعفاء الثلاثة موريتانيا ومالي والنيجر، وبذلك ضمنت الجزائر سيطرتها على الوضع في المنطقة.

جرأة مالي على اقتراح دعوة المغرب -الذي تحاول الجزائر استبعاده من أي مشاركة في الوضع الأمني في منطقة الساحل- للمؤتمر كانت بمنزلة إشهار خرقة حمراء بوجه ثور هائج.

الجزائر قاطعت المؤتمر الذي حضره خبراء في مكافحة الإرهاب من جميع دول مجموعة الثماني، وبالتحديد من بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وروسيا والولايات المتحدة ونظرائهم من بوركينافاسو ومالي والمغرب والنيجر ونيجيريا والسنغال، بالإضافة إلى ممثلين من إسبانيا وسويسرا وأستراليا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والتجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا، وكان ذلك من أكثر مظاهرها الجديرة بالاهتمام.

إن الحضور الذي فاق التوقعات في باماكو يمكن تفسيره على أنه استنكار دولي لدور الجزائر في الفبركة والمبالغة، وحتى استخدام "الإرهاب" في المنطقة منذ تورط مديرية الأمن والاستعلامات الجزائرية في خطف 32 رهينة أوروبية في الجزء الجزائري من الصحراء الكبرى عام 2003.

إذا استمر التمحور الإقليمي ضد الجزائر بهذا الشكل، فقد تكون لفرنسا فرصة في استعادة وربما توسيع نفوذها ووضعها في المنطقة. وفي الوقت الذي لا يؤمن هذا السيناريو بالضرورة حياة الرهائن، فإنه يوضح بصورة جلية أن الجزائر لا فرنسا ستكون هي الخاسر الأكبر.

وعلى أي حال، فإن هناك نتيجة أكيدة واحدة لهذا الوضع، وهي أن دول الساحل -مالي وموريتانيا والنيجر- ستتأهب لطلب زيادة ضخمة في المساعدات التنموية والأمنية، وما يتصل بهما من الاتحاد الأوروبي في السنة الجديدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك