فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت

قبل أن يقرر جوليان أسانغ -مؤسس وصاحب موقع ويكيليكس- الهرب خلال أيام إلى أستراليا (موطنه الأصلي) ليطلب اللجوء السياسي هناك كمواطن أميركي، قد يكون من المناسب التساؤل عن صحة ما يثار حول علاقته بوكالة الاستخبارات الأميركية CIA، وعن صحة المزاعم القائلة، إن الوكالة هي التي تدير الموقع من خلف الجدار؟ إذ بات من الواضح الآن، أن طرفا أميركيا آخر، يعمل من خلف جدار آخر، هو الذي يقف خلف تسريب معلومات تفضح علاقة أسانغ بالوكالة.

ليس هذا الطرف الآخر كما يبدو، سوى البنتاغون الذي يملك تراثا ضخما من الصراع مع الوكالة، حول المال والسلطة والنفوذ، وهو صراع تقليدي -وتحت السيطرة- داخل المؤسسة الأميركية الحاكمة، وهذا حقيقي بما فيه الكفاية وليس خيالا.

"
هل تسّربت وثائق ويكيليكس أم ُسّربت؟ وهل يعكس نشرها صراعا داخل المؤسسة الأميركية الحاكمة بالفعل، أم إن هذا الصراع يجري ضمنيا في إطار من التوافق على التخلص من (قاذورات) الحرب في العراق وأفغانستان؟
"

ما هو خيالي في هذا الصراع أن الطرفين، الوكالة والبنتاغون أدارتا لعبة أسانغ في إطار من الصراع والتفاهم على حدودها وأغراضها. فهل تسّربت الوثائق أم ُسّربت؟ وهل يعكس نشرها صراعا داخل المؤسسة الأميركية الحاكمة بالفعل، أم إن هذا الصراع يجري ضمنيا في إطار من التوافق على التخلص من (قاذورات) الحرب في العراق وأفغانستان؟

إن الفصل التالي من فضيحة وثائق ويكيليكس، قد يكون أكثر إثارة من فضائح الحرب في هذين البلدين، ذلك أنه سوف يكشف عن نوع وطبيعة التلاعب بالعالم. وبالفعل، ثمة نمط غير مسبوق من التلاعب بالعالم وثقافاته وأديانه وشعوبه ومصائره، فما يبدو لنا اليوم، فضيحة مدّوية، قد يتكشف في الغد عن لعبة صراع معقدة، تتطلب خيالا واسعا لإدراك متطلبات فهمها.

ولعل تجربة العالم مع فضيحة سجن أبو غريب التي جرى تسريب وقائعها المأسوية، هي من بين كثرة من الوقائع التي تؤكد، أن نشر الفضائح والجرائم، يتصل بهذا النوع من ألعاب الصراع -تحت السيطرة- بين مراكز المؤسسة الحاكمة.

فإذا كانت الوثائق قد تسرّبت بالفعل، كما يُقال لنا في وسائل الإعلام -أي أن موقع ويكيليكس حصل عليها من طرف أميركي رسمي أو شبه رسمي وبطريقة ما- وأن الهدف من وراء ذلك، كشف النقاب عن جرائم مرّوعة وقعت بحق العراقيين، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح في هذه الحالة هو التالي:

لماذا، إذاً، قالت الوثائق المتسّربة، نصف الحقيقة أو أقل، عمّا حدث في هذا البلد المنكوب؟

ولكن، إذا ما كانت الوثائق ذاتها، قد ُسربت بفعل فاعل، له مآرب أخرى غير قول الحقيقة، أي إن طرفا أميركيا رسميا لم يعلن عن نفسه، قرر فضح مجرمين أميركيين للتخلص من العبء الأخلاقي والقانوني لجرائم الاحتلال، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح في هذه الحالة، هو التالي: لماذا ُسربت؟ وما الهدف من التسريب؟ وهل هو محاولة لتوزيع الجريمة على مجرمين كثر بدلا من حصرها في الجانب الأميركي وحده؟

هذه أسئلة جوهرية، يتعيّن الإجابة عنها بدقة كافية، لكي يتسنى للعراقيين والعرب والعالم أن يدركوا بصورة صحيحة الوظيفة الحقيقية لوثائق ويكيليكس.

كل ما يمكن قوله الآن إن الوثائق وزعت -بطريقة منهجية مدروسة واحترافية- دم العراقيين على مجموعة متهمين متساوين إلى حد ما، فإيران مثلها مثل المالكي، وهذا مثله مثل المليشيات، وتلك مثلها مثل بلاك ووتر، والأخيرة مثلها مثل الجنود الأميركيين عند الحواجز (عند الحواجز فقط) مجرد متهمين "افتراضيين" في جريمة شديدة الواقعية.

والمثير للدهشة، أن الوثائق سوف تمكّن الولايات المتحدة الأميركية -كدولة احتلال- من الإفلات بسهولة من أي قصاص أو مساءلة قانونية، بينما يصبح أمر الجنود الذين قتلوا العراقيين عند الحواجز، موضوعا قانونيا شائكا وشديد التعقيد، يتصل بمسائل إجرائية أكثر تعقيدا، نظرا لوجود قوانين أميركية تمنع تسليمهم أو محاكمتهم أمام محاكم غير أميركية، أي تمنع كل محاولة لتطبيق القانون وإنزال القصاص العادل بحقهم؟

أغرب من كل هذا، أن الأميركيين -عبر هذه الوثائق- يمكن أن يتحولوا إلى "شاهد ملك" يفضح مرتكبي الجريمة الآخرين، ويوجه لهم التهم ويدعو ويحرّض على مقاضاتهم. أما الأكثر غرابة من كل هذا وذاك، فهو أن الوثائق لا تحدد بطريقة تسمح للقانون بالعمل، درجة تورط الأطراف المفترضة في الجريمة، وبما يجعل من هذه الاتهامات في النهاية، مجرد أوراق ضغط سياسية، تستخدمها الإدارة الأميركية للتلاعب بالأطراف المتورطة.

مثلا، ماذا يعني إلقاء المسؤولية على مليشيات، لا تذكرها الوثائق لا بالاسم ولا بالوقائع الضرورية للاستدلال إليها؟ وأي مليشيات بالضبط، هذه التي تورطت في أعمال القتل؟ هل هم أفراد بعينهم يمكن إلقاء القبض عليهم بمذكرات قانونية، أم هم جماعات سياسية وشبه عسكرية، ذابت واندمجت في بنى الدولة ومؤسساتها الأمنية والعسكرية؟ وهل هي فرق الموت الأميركية التي أشرف عليها السفير نغروبونتي في فبراير/شباط عام 2005، وكانت مسؤولة عن الجرائم الطائفية ضد أهل السنة والشيعة والمسيحيين والصابئة؟

أم هي جماعات فيلق بدر وجيش المهدي، وخلايا حزب الدعوة السرية التي نظمت تصفيات منهجية ضد عراقيين من مختلف المذاهب والأديان والعقائد الفكرية؟ أم هي جميعا؟ وهل يمكن -في حالة العراق الراهنة- تقديم "جيوش من المتهمين" إلى محاكم فعلية؟ وماذا عن إيران؟ هل يمكن، حقا تحديد درجة مسؤليتها عن تصفية عشرات الضباط الطيارين؟ وماذا عن علماء العراق الذين قتلوا أو اختفوا؟ 

"
لماذا أغفلت الوثائق الإشارة إلى ما يزيد عن خمسة عشر ألف عراقي (من المعارضة السابقة) جرى توزيعهم قبل الغزو على 44 فرقة من فرق الموت التي شكلها الأميركيون وأشرفوا على تدريبها في معسكرات مغلقة؟
"

لماذا أغفلت الوثائق الإشارة إلى ما يزيد عن خمسة عشر ألف عراقي (من المعارضة السابقة) جرى توزيعهم قبل الغزو على 44 فرقة من فرق الموت التي شكلها الأميركيون وأشرفوا على تدريبها في معسكرات مغلقة في بودابست ووارسو؟ ومن الذي أدخلهم إلى العراق؟ وماذا يعني أخيرا، أن عدد القتلى عند الحواجز، هم فقط ستمائة عراقي سقطوا برصاص الجنود الأميركيين المتهورين؟

لعل قراءة أخرى لوثائق ويكيليكس، يمكن أن تكشف عن هذا النمط المرّوع من التلاعب بالحقيقة.

أولا: إن التصنيف الجنائي للمتهمين كما قامت به الوثائق، ُيعيد توزيع الجريمة على خمسة أطراف هي بالتتابع: إيران، والمليشيات، وبلاك ووتر، والمالكي، والجنود الأميركيون (فقط عند الحواجز). وهذا يعني من المنظور الجنائي نفسه، أن الوثائق تقوم بنوع من إعادة توزيع لدم العراقيين وتفريقه، بين أعداء محتملين.

ثانيا: وهذا التصنيف من شأنه أن يؤدي تلقائيا إلى نشوء انطباع، بأن الجريمة ارتكبتها طائفة بعينها ضد طائفة أخرى، وأن قوات الاحتلال تتحمل -فقط- وزر جريمة ارتكبت عند الحواجز. ولكنه، من جانب مواز سيؤدي إلى خلق (عدو طائفي) مطلوب لوحده، ومنفرد دون سائر المتهمين، ويمتلك قابلية تقديمه في هذه الصورة.

ولعل الطريقة التي جرى فيها عرض الوقائع الخاصة بالجرائم، تكرّس مثل هذا الانطباع، وبأن كل ما حدث، صراع محلي تورطت فيه أطراف محلية، وتسببت به طائفة تملك مليشيات ضد أخرى لا تملك مليشيات، وهذا واضح كل الوضوح من تشديد الوثائق وطريقة عرضها في وسائل الإعلام على أن المليشيات والمالكي وإيران، كانوا يستهدفون أهل السنة.

إن رسم إطار طائفي للجريمة، هو ما يجب أن يثير شبهتنا. ومع ذلك، فهؤلاء جميعا، من وجهة نظر معظم المواطنين العراقيين حتى البسطاء منهم، صناعة أميركية في الأصل. أي إنهم من خلق طرفا آخر، تحسّب للحظة مغادرة مسرح الصراع، بأن يترك فيه جماعات من صنعه، يمكن تحميلها مسؤولية الجريمة.

ولذلك، ما انفك العراقيون في مجالسهم يرددون دون حرج، أن إيران ما كان لها أن تصبح طرفا في الصراع، لولا رغبة الأميركيين في خلق فوضى عارمة في هذا البلد، ولولا مسارعتهم بعد احتلال بغداد إلى تفكيك الدولة ومحوها كليا، ثم مسارعتهم إلى حل الجيش الوطني، وبحيث أن الحدود مع إيران ظلت دون رقابة أو حماية طوال سنوات.

إن الذين سمحوا لها باللعب في الساحة العراقية طوال السنوات المنصرمة، هم من يقومون اليوم بتقديمها للعراقيين في صورة (العدو). ومن غير شك فإن وضع إيران في قائمة المجرمين المفترضين، وربط دورها وتصنيفه في إطار دعم ومساندة المليشيات فقط، وربط دور المليشيات، بشخص رئيس الوزراء المالكي، واتهامه وحده دون سائر الآخرين المتورطين، بقيادة فرق خاصة، هو تصنيف سيجعل منه ومن إيران والمليشيات، طرفا واحدا له ملامح طائفية واحدة.

إن الحلقة الأهم في إستراتيجيات الاحتلال الأميركي للعراق، كانت باستمرار، تكمن في خلق (عدو) بديل من أجل التلاعب بأولويات الصراع. وبالطبع، فلا أحد يبرئ إيران أو المليشيات أو المالكي من مسؤولية الجرائم المرّوعة التي حدثت وتحدث في العراق منذ أكثر من سبع سنوات، ولكن تصوير الجريمة في العراق وكأنها ليست ولم تكن جريمة المحتلين، وإنما جريمة عراقيين آخرين، أو طرف إقليمي بعينه، أمر يدعو للتساؤل والشكوك في النوايا.

ثالثا: إن الصراع الخفي بين وكالة الاستخبارات المركزية CIA والبنتاغون، حول طريقة إدارة الحرب على العراق وأفغانستان -وهو صراع تغذيه مصالح ورؤى وسياسات ومصالح كبرى- لا يجب أن يحجب عنا رؤية هذه الإستراتيجية بقدر كاف من الوضوح، ذلك أن خلق (العدو) المحلي، المتحالف مع (العدو) الإقليمي، والمتورط في النزاع الداخلي، من شأنه أن يؤدي إلى خلق وقائع جديدة للصراع، تصبح فيه قوات الاحتلال هي الحمل الوديع، بينما يصبح الآخرون ذئابا كاسرة.

"
الذين عملوا تحت غطاء وزارة الدفاع كانوا جميعا من أهل السنة، وكانت مهامهم القيام بأعمال إجرامية في مناطق الشيعة, أما الذين عملوا تحت غطاء الداخلية فكانوا من الشيعة، وكان واجبهم اليومي القيام بأعمال إجرامية في مناطق أهل السنة؟
"

لقد نشأت داخل العراق بفعل هذا التلاعب بالحقائق، ثقافة شعبية رائجة وتتغذى من كراهية لا حدود لها للنفوذ الإيراني وللمليشيات، تقول من بين ما تقول، إن الأسر والعائلات العراقية، لا تشعر بالخوف على مصيرها أو مصير أحد أفرادها، حين تقوم القوات الأميركية بحملات دهم واعتقال، ولكنها تشعر بالذعر، وينتابها اليأس، حين تتعرض لحملات دهم واعتقال مماثلة تقوم بها القوات الحكومية (أو المليشيات).

ليس هذا الذعر ناجما عن بطش وقسوة مجرمي المليشيات أو وحشية القوات الحكومية، وهما أمران لا يجادل فيهما أحد، بل ناجم عن إنشاء منهجي ومنظمّ لصورة (العدو الطائفي) المحلي، المرتبط (بالعدو الإقليمي الطائفي). وهذا ما كرّسته وثائق ويكيليكس بدهاء.

في فبراير/شباط 2005 كشف كاتب أميركي مغمور يدعى درايفوس في مقالة ممتازة تحمل عنوانا مثيرا Our Monsters In Iraq (وحوشنا في العراق) وقائع مذهلة عن فضيحة لم يتوقف العالم قط عند فصولها. لقد أدخل الأميركيون إلى العراق ما يزيد عن عشرين ألف عراقي تم تدريبهم في معسكرات خاصة ببودابست ووارسو، وتلقوا خلالها دروسا مكثفة في فنون الإجرام الفتاك والأكثر وحشية، وأن هؤلاء توزعوا على وزارتي الدفاع والداخلية.

الذين عملوا تحت غطاء وزارة الدفاع كانوا جميعا من أهل السنة، وكانت مهامهم القيام بأعمال إجرامية في مناطق الشيعة. أما الذين عملوا تحت غطاء الداخلية فكانوا من الشيعة، وكان واجبهم اليومي القيام بأعمال إجرامية في مناطق أهل السنة؟ هناك كانت "وحوشهم في العراق". وهنا دمنا الضائع يفرقه الأميركيون بين القبائل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك