غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


مسارات الأزمة
خيمة الضمانات المثقوبة

يعيش لبنان حالة من التوتر والاصطفاف المذهبي والسياسي، وصلت إلى مرحلة سماها البعض بـ"حفلة الجنون"، وذلك على وقع توارد الأخبار عن اقتراب المحكمة الدولية الخاصة بالتحقيق في اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري من إصدار قرارها الظني الذي يتهم عناصر "غير منضبطة" في حزب الله بالاشتراك في الجريمة، وعلى وقع ذلك وصل الاحتقان المذهبي في لبنان إلى مرحلة غير مسبوقة، كما أن التعبئة بلغت بدورها مرحلة غير منضبطة، وتتجمع مكونات تمازج الفوضى بالفتنة والتمذهب على وقع تطورات مشابهة في البحرين والكويت والعراق واليمن.

مسارات الأزمة
وكانت البلاد قد تجاوزت منحدرا سياسيا خطيرا سببته أحداث 7 مايو/أيار 2008 الشهيرة، وذلك بفضل اتفاق الدوحة الذي أنهى أزمة سياسية استعصت لأكثر من ثلاثة أعوام حيث جرى إعادة التوافق الوطني اللبناني وتشكيل حكومة وحدة وطنية، كما تم التأكيد على ثوابت السلم الأهلي وأهمها تحريم استخدام السلاح في الداخل.

غير أن مناخات الأزمة ما لبثت أن عادت بأدراجها إلى الساحة اللبنانية عقب التقرير الذي نشرته مجلة دير شبيغل في العام 2009 وتحدثت فيه عن تورط عناصر في حزب الله في جريمة الاغتيال، ثم قيام رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري بإخبار الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله أن المحكمة الدولية تتجه إلى إصدار قرار ظني يجرم عناصر "غير منضبطة" في الحزب.

"
تجاوز لبنان منحدرا سياسيا خطيرا سببته أحداث 7 مايو/أيار 2008 الشهيرة، وذلك بفضل اتفاق الدوحة الذي أنهى أزمة سياسية استعصت لأكثر من ثلاثة أعوام, غير أن مناخات الأزمة ما لبثت أن عادت بأدراجها إلى الساحة
"
وقد سعت القمة الثلاثية، التي عقدت في بيروت بين الملك السعودي والرئيسين السوري واللبناني، إلى تجاوز هذه الأزمة، وعلى الرغم من اعتراض البعض على كون هذه القمة لم تقدم ضمانات حقيقية لتأمين الاستقرار في لبنان وطمأنة الطرفين الأساسيين في القضية (الحريري وحزب الله)، فإن النتائج الإيجابية لهذه القمة ظللت الوضع اللبناني طوال الفترة الماضية، وحالت دون انزلاق الوضع الهش فيه نحو مهاوي الاحتمالات السلبية تحت وطأة القرار الظني، إلى أن جاءت تصريحات الحريري الابن لجريدة الشرق الأوسط والتي تحث فيها عن شهود زور "أثروا على التحقيق وخربوا العلاقات السورية اللبنانية"، الأمر الذي رأى فيه حزب الله مبررا لإعادة موضعة القضية من جديد على أساس هذا المعطى المستجد، ذلك أن القضية برمتها بنيت على أساس شهادات زور ولا بد من سحبها من الأطر القانونية وكذا من الجدال السياسي، الأمر الذي أثار موجة من الردود والردود المقابلة وصلت إلى حالة سماها البعض بـ"حفلة الجنون".

ومع انسداد الأفق الداخلي فشلت عملية ضبط الخطاب السياسي الذي انفلت على غاربه، حيث استحضر كل الفرقاء مفردات ظن اللبنانيون أنها تلاشت مع المتغيرات التي طرأت على المشهد الإقليمي الذي تحول إلى مظلة ترعى الاستقرار السياسي في لبنان.

ولم تفلح كل المحاولات لجمع الحريري ونصر الله، ذلك أن الأخير يرى أن شروط اللقاء لم تتوافر بعد، فحزب الله يريد ضمانات من رئيس الحكومة "برفض أي قرار ظني يضع السكين على رقبة الحزب ويوصل البلد إلى كارثة"، كما أن الحزب يرى أن المحكمة الدولية "ذريعة لتصفية حسابات مع محور الممانعة"، وقد بدأت بسوريا ولم تنجح، والأن يجربون مع حزب الله، ولذا فإنه يريد من الرئيس الحريري "القيام بخطوات فعلية تقطع الطريق أمام أي تداعيات يمكن أن تترتب عن القرار الظني، كما أنه يريد منه أن يدرك أن هذا القرار يستهدف سلاح المقاومة وإلا فما معنى أن لا تشكل محكمة دولية للتحقيق في اغتيال الرئيس جون كينيدي أو رئيسة وزراء باكستان بينظير بوتو".

أما المخرج من هذا المأزق، حسب مصادر حزب الله، فهو "إلغاء المحكمة والعودة إلى آليات قضائية لبنانية يتوافق الفرقاء اللبنانيون جميعا عليها"، وهو ما كشف عنه النائب وليد جنبلاط عندما تحدث عن توافق داخلي يفضي إلى تسوية على إلغاء المحكمة.

ونتيجة لكل ما سبق، فقد تداعت، وإلى أقصى الحدود، أركان الهدنة السياسية التي خيمت على الوضع اللبناني فترة من الزمن، وبدأت مبارزة كلامية غير مسبوقة بين تيار المستقبل وقوى 14 آذار من جهة، وبين حزب الله وقوى المعارضة من جهة أخرى، وغابت نهائيا كل الاتصالات ومساعي الوساطة التي كان يبذلها عادة بعض الأطراف والشخصيات السياسية، وبالتالي، وبعدما رفع تيار المستقبل شعار أن حزب الله يقود انقلابا سياسيا وأمنيا، وبعدما أعلن الحزب بلسان أكثر من مسؤول فيه أنه سيواصل معركته المفتوحة الاستباقية ضد المحكمة الدولية وقرارها الظني الموعود حتى النهاية ومهما كانت الأثمان.. فقد صار السؤال الأكثر إلحاحا يتمحور حول انسحاب الغطاء العربي الذي أعلن عن رفعه فوق سماء لبنان طوال المرحلة الماضية، وبالتالي بات المشهد السياسي اللبناني مفتوحا أمام ما كان يتم التحذير من تداعياته منذ زمن.

خيمة الضمانات المثقوبة 

"
إن مناخا من الارتخاء الإقليمي يسيج الوضع اللبناني ويمنع أي انفجار يهدد الاستقرار الداخلي بانتظار القرار الظني الذي يبدو أنه مرجَأ إلى السنة المقبلة
"
لكن ثمة من يرى ضوءا في آخر نفق الأزمة اللبنانية "القديمة الجديدة"، وذلك على اعتبار أن لبنان ليس منعزلا عن بيئته الإقليمية، وبالتالي فهو يتحرك في ظل معادلات إقليمية هي التي فرضت وتفرض محاصرة أي مشكلة داخلية ومنعها من الإخلال بالتوازنات العامة، وعنوان هذه المعادلات الإقليمية هو اتجاه الولايات المتحدة إلى تهدئة المشاكل والبحث عن حلول سياسية سلمية لها، وقد تجلى ذلك في ثلاثة ملفات: العراق، وفي الساحة الفلسطينية، والعلاقة مع سوريا.

وفي لبنان، على وجه التحديد، يبدو واضحا أن لا اعتراض أميركيا على عودة الخيمة السعودية السورية المنصوبة فوقه، ولا دخول في لحظة مناوشات سياسية مع سوريا التي تبدي ارتياحا متزايدا لعلاقاتها مع فرنسا وتركيا سواء بسواء، وعليه فإن مناخا من الارتخاء الإقليمي يسيج الوضع اللبناني ويمنع أي انفجار يهدد الاستقرار الداخلي بانتظار القرار الظني الذي يبدو أنه مرجَأ إلى السنة المقبلة.

وفق زاوية النظر هذه، يبدو الوضع اللبناني وكأنه حالة من المناوشة المضبوطة إقليميا وصلت إلى السقف المسموح به، وهي الآن في طور التراجع، وبالتالي فإن لبنان ليس مسرحا يتهيأ لحفلة جنون تتكاثر يوما بعد يوم محفزاتها المحلية والإقليمية.

غير أن وجهة النظر هذه، على ما تحمله من موضوعية نسبية انطلاقا من حقيقة ارتباط النزاع اللبناني بالملفات الإقليمية الأخرى، تحمل في طياتها أيضا سذاجة نسبية في تشخيص الحالة اللبنانية وتوصيف علاجاتها، وذلك انطلاقا من إغفالها عددا من المعطيات المهمة في الواقعين اللبناني والإقليمي:

- وصول حال الاحتقان في لبنان إلى درجة تنذر بحدوث الانفجار، وخاصة في ظل استسهال الفرقاء اللعب على حافة الخطر، والأهم الاختلاف الجذري في تقديرهم للأزمة. ففي الوقت الذي يرى حزب الله أن من شأن المحكمة تحويله من مقاومة إلى مليشيا غير منضبطة وتفتح عليه باب الاستهداف الدولي، فضلا عن خسرانه رصيده الجماهيري العربي والإسلامي، فإن تيار المستقبل يرى في التنازل عن المحكمة نوعا من الخضوع السياسي اللامبرر في ظل رفع الفريق الآخر لواء التحدي.

- لا تضمن السياقات الإقليمية الهلامية واللامستقرة، إن على مستوى العلاقات والتحالفات السياسية أو على مستوى التكوينات "المذهبية والإثنية"، استقرار لبنان وسلامه، وخاصة في ظل حالة الانخراط في السعار المذهبي الذي بدأ يرسم حدودا جديدة للعلاقة بين المكونات الاجتماعية في المنطقة، ويبدو أن الصراعات المذهبية في المنطقة تجد في لبنان متنفسا لها، ربما بسبب الخبرة العريقة التي يملكها هذا البلد في هذا النمط من الصراعات، أو بالنظر لهشاشة الدولة اللبنانية.

"
لا تشكل التوجهات الأميركية أي ضمانة حقيقية للاستقرار والسلم في لبنان، نظرا للفشل الهائل في قدرة إدارة أوباما على إدارة الأزمات المتفجرة في وجهها في أكثر من مكان في العالم
"

- وبالقدر نفسه، لا تشكل التوجهات الأميركية أي ضمانة حقيقية للاستقرار والسلم في لبنان، نظرا للفشل الهائل في قدرة إدارة أوباما على إدارة الأزمات المتفجرة في وجهها في أكثر من مكان في العالم. ومن نافلة القول إن لبنان لا يشكل مصلحة إستراتيجية مهمة لواشنطن، وفي ظل إستراتيجية الهروب التي باتت تتبعها إدارة أوباما والتي أوصلت باكستان إلى حالة الفشل، وأفغانستان إلى الفوضى، ومفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية إلى تراجيديا إغريقية، يتوجب الحذر من اجتراحات العقلية السياسية الأميركية في لبنان والتي قد تفكر في التجريب بحرق البلاد لإنقاذ المصالح الأميركية في المنطقة عبر إعادة ترتيب الأولويات السياسية فيها، بحيث تشكل الحالة اللبنانية وما تتضمنه من بعد مذهبي إقليمي حالة ضاغطة على الوضع الإقليمي برمته، مقابل تهميش كل ملفات المنطقة، وتاليا إراحة أميركا مؤقتا من أزماتها.

لبنان.. إلى أين؟ لا شك أن البلد يسير بخطى متسارعة صوب الأزمة الكبرى، فالخطاب السياسي المنفلت من كل عقال، وشوارع بيروت المتوترة، وحالة الاصطفاف والتحفيز التي تدق بقوة عنق التعايش الأهلي، كلها مؤشرات على مسارات ودروب لبنان القادمة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات