عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


كشف موقع ويكيليكس (Wikileaks) حجم الانتهاكات السافرة والصارخة لحقوق الإنسان التي تعرض لها العراق إثر غزوه واحتلاله من قبل القوات الأميركية في التاسع من أبريل/نيسان 2003، لا سيما في الفترة الواقعة ما بين مطلع العام 2004 ونهاية العام الفائت 2009، وذلك من خلال تسريب وثائق سرية عسكرية في عملية وصفت بأنها الأكبر في التاريخ المعاصر.

وقد بلغ عدد هذه الوثائق قرابة أربعمائة ألف وثيقة حول ممارسات الجيش الأميركي خلال الحرب على العراق، تضم بين دفتيها معلومات موثقة ومعززة بأسماء القتلى والمفقودين والجرحى، كما اشتملت على أسماء المعذبين والمختفين قسريا.

وضمت هذه الوثائق معلومات تحمّل الجهات الأميركية والجهات الحكومية الرسمية العراقية إضافة للشركات الأمنية بما فيها شركة بلاك ووتر، مسؤولية ما جرى ويجري في العراق من مآس، مؤكدة أن ثلثي عدد الضحايا هم من المدنيين، على الرغم من المزاعم الأميركية التي تفيد بانتهاء المهمات القتالية والعمليات الحربية منذ مايو/أيار 2003 وسحب القوات ذات الطبيعة القتالية في أغسطس/آب الماضي حسب إفادة الرئيس الأميركي باراك أوباما.

"
بلغ عدد الوثائق على موقع ويكيليكس قرابة أربعمائة ألف وثيقة حول ممارسات الجيش الأميركي خلال الحرب على العراق، تضم بين دفتيها معلومات موثقة ومعززة بأسماء القتلى والمفقودين والجرحى والمعذبين والمختفين
"

ولعل لغة الوثائق والأرقام والتي تضمنها موقع ويكيليكس ألقت بظلال كثيفة وجديدة من الشك والريبة على المزاعم الأميركية التي روّجت قبيل احتلال العراق، والتي تدعي العمل على توفير نظام ديمقراطي بديل يؤمن الاستقرار والرفاه للعراق والعراقيين بعد سنوات من القهر والمعاناة للحكم الشمولي الاستبدادي السابق، وإذا بنا وبعد احتلال دام أكثر من سبع سنوات ما زلنا في المربّع الأول من حالة انعدام الأمن على الرغم من تحسنّه النسبي في السنتين الأخيرتين.

لكنه ما لبث أن عاد وتدهور قبيل وبُعيد الانتخابات، ليؤكد استمرار تردي الوضع الأمني وصعوبة استمرار العيش مع التناقص الكبير في توفر الخدمات الأساسية والضرورية للعيش، كالحاجة الملحة لمياه الشرب الصالحة والكهرباء والتعليم والنظام العلمي ونظام الصرف وغير ذلك، فضلاً عن استشراء الطائفية السياسية والانقسام المذهبي الوظيفي، وتفشي الرشى والفساد المالي والإداري، وضعف هيكلية الدولة وهشاشة بنيتها.

إن أهمية هذه الوثائق التي تم الكشف عنها من قبل "مؤسسة" جوليان أسانغ والموقع الذي سيغدو الأكثر شهرة في العالم وأعني ويكيليكس، تتأتى من كونها في الدرجة الأولى قد جاءت من جهة أميركية، وثانيا لأنها كشفت وثائق سرية كُتبت في حينها ولم يكن هدفها منحازا لهذا الفريق أو ذاك، بل حاولت توثيق الأحداث بيومياتها وتفاصيلها الدقيقة، ومن هنا تأتي القيمة الفعلية للمعلومات التي نقلها الموقع على نحو موثق بما احتوت من حيثيات.

وإذا كانت المعلومات التي قدمها موقع ويكيليكس غير مفاجئة للعديد من المتابعين والناشطين في ميدان حقوق الإنسان، لا سيما وقد اطلعوا على التقارير التي نشرت وعلى مدى السبع سنوات ونيّف الماضية من جانب منظمة العدل الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان والفدرالية الدولية والمنظمة العربية لحقوق الإنسان ومنظمات عراقية مختلفة، إلا أن حجم الضحايا من المدنيين الآخذ بالاتساع يدفعنا إلى التوقف عند هذه الوثائق التي تشير إلى أن بعض الفئات كان هدفا سهلا، كالعلماء والأكاديميين الذين سقط منهم أكثر من أربعمائة ضحية للعنف والإرهاب، والإعلاميين الذين بلغ عدد ضحاياهم 291 إعلاميا، وكذلك الأطباء والمهندسين والمعلمين وغيرهم.

وكان لتصفية العسكريين وخصوصا الذين شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية نصيب، كما تم استهداف التنوّع الثقافي العراقي، الذي كان على الدوام جزءا من المكوّن العراقي الموحد، القومي والديني، وعلى الأخص بعض الطوائف المسيحية واليزيدية والصابئة, واستهدفت العمليات الإرهابية المبرمجة العرب والتركمان والكرد على حد سواء في محاولة لزرع الفرقة والشقاق والريبة بين جميع مكونات النسيج الاجتماعي العراقي.

وبموجب المعلومات المنشورة في موقع ويكيليكس فقد ضمّت السجون مختلف الفئات التي تعرضت لحالات منهجية وروتينية صارخة من التعذيب، الأمر الذي يترتب عليه مسؤوليات قانونية ضد مرتكبيه.

كما تحدثت المعلومات المنشورة عن جرائم ترتقي إلى جرائم الحرب والإبادة وجرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى التعذيب والاختفاء القسري والاغتصاب وغيرها من الأمور المنتهكة لحقوق الإنسان في كل المعايير، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم.

"
بما أن العراق ومنذ العام 2003 يقع تحت الاحتلال، فإن المسؤولية الأساسية إزاء الانتهاكات والخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان تقع على عاتق قوات الاحتلال، حتى وإن وجهت الاتهامات إلى الإرهابيين
"
وبما أن العراق ومنذ العام 2003 يقع تحت الاحتلال فإن المسؤولية الأساسية إزاء الانتهاكات والخروقات الجسيمة للشرعة الدولية لحقوق الإنسان، والتجاوزات العديدة للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977 (بروتوكولي جنيف حول حماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة وحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية)، كلها تقع على عاتق قوات الاحتلال، حتى وإن وجهت الاتهامات المختلفة إلى الإرهابيين أو المحسوبين على النظام السابق، لأن ذلك لا ينفي ولا يلغي المسؤولية الرسمية والقانونية لقوات الاحتلال بموجب بنود قوانين الاحتلال (حقوق وواجبات المحتل) لا سيما باتخاذه إجراءات تغيير سكاني أو ديمغرافي أو إجراء تعديلات قانونية من شأنها إلحاق الضرر بوحدة المجتمع وتقاليده المتبعة، وهو الأمر الذي تم تجاوزه، وتم تكريس الطائفية عبر مجلس الحكم الانتقالي وفتح حدود البلاد بعد حلّ الجيش العراقي وتفكيك الأجهزة الأمنية، مما سهّل انفلات الوضع الأمني وتعاظم سيف الإرهاب المسلط على رقاب العراقيين.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن التغاضي عن مسؤولية الحكومة العراقية في ذلك كما تتحمل قوات الاحتلال، وإلا فلما هي حكومة تتصدر سدة الحكم إن عجزت عن حماية أرواح وممتلكات المواطنين وضبط النظام العام وحفظ الأمن والسلام المجتمعي؟

فإذا كانت مسؤولية الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وجرائم الحرب تقع بالدرجة الأساسية على قوات الاحتلال، فإن ورود أسماء أعضاء في الحكومة العراقية بمن فيهم رئيس الوزراء مسألة خطيرة تحتاج إلى درجة عالية من التدقيق والتوثيق ضمن الإطار القانوني والحقوقي ومن موقع المسؤولية والنزاهة، كما تتطلب تدخلاً دولياً، خصوصاً وأن العراق ما زال يخضع للفصل السابع الخاص بالعقوبات، وقد ينجم عن ذلك اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة النظر بما هو قائم خصوصا بعد تعثر تشكيل الحكومة لأكثر من سبعة أشهر ونصف.

وعلى الرغم من أن الاتهام موّجه بالأساس إلى الولايات المتحدة، فإنه قد ينطوي على أثر سلبي في الساحة السياسية العراقية، لا سيما بعد أن لاحت في الأفق تباشير تؤكد إمكانية تشكيل حكومة من طرف المالكي الذي حصل على توافق واقعي سياسي من كل من واشنطن وطهران وبعض الحكومات العربية، لتأتي المعلومات المنشورة من قبل ويكيليكس متهمة المالكي، الأمر الذي يعقّد مشكلة تشكيل الوزارة ويدفع الأمور نحو التعويم ويُعاظم عوامل التباعد والتنافر القائمة، فضلاً عن كونها فضيحة سياسية وأخلاقية تطيح بالكثير من السياسيين فيما إذا ثبتت صحة الاتهامات الموجهة.

ومقارنة بما يمكن أن يكون لو كان هذا الأمر قد حدث في أي من البلدان الديمقراطية، فإن مجرد ورود مثل تلك الاتهامات كفيلة بإجراء تحقيقات مباشرة قد تؤدي إلى الإطاحة بالحكومة، وقد تدفع السياسيين في الحد الأدنى إلى اعتزال الحياة السياسية والانزواء بعيدا، بل إن أقل من ذلك لو تم التوثق منه سيدفع السياسيين لتقديم استقالتهم.

"
دقّ موقع ويكيليكس ناقوس الخطر لا لحكومة المالكي فحسب، بل للحكومات التي سبقتها وللحكومات التي تليها، ولهذا لا ينبغي لأحد أن يفرح أو يشمت لاعتقاده أن خصومه ستتم مساءلتهم وحدهم
"
فإذا كانت الولايات المتحدة تستنكر ما أقدم عليه موقع ويكيليكس من نشره للوثائق السرية وتطالبه بتسليم جميع الوثائق المحفوظة لديه، وإذا كانت الحكومة العراقية التي سارعت إلى تشكيل لجنة وزارية برئاسة وزير العدل العراقي لرصد ومتابعة الوثائق التي تم نشرها على موقع ويكيليكس، قد شككت في صحة ما ورد في الوثائق المنشورة، متهمة بعض الجهات بالوقوف وراء ذلك لإعاقة تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة المالكي، وألقت إيران بكرتها في ملعب الآخرين، فمن هو والحال هذه المستفيد من هذا التوقيت الذي سيجعل الدولة العراقية المجروحة السيادة معوّمة أكثر مما هي عليه؟ ومن المستفيد من استمرار الفوضى غير الخلاقة في العراق منذ العام 2003 وحتى اليوم؟ وما هذا إلا واحد من أوجه المأساة العراقية المستمرة.

إن موقع ويكيليكس دقّ ناقوس الخطر لا لحكومة المالكي فحسب، بل للحكومات التي سبقتها وللحكومات التي تليها، ولهذا لا ينبغي لأحد أن يفرح أو يشمت لاعتقاده أن خصومه ستتم مساءلتهم، لأن المسؤولية جماعية ومشتركة وقد تمتد يد المساءلة للجميع.

إن ما ينبغي التركيز عليه هو تحديد المسؤوليات إزاء الانتهاكات خارجياً وداخلياً، وجعل القضاء هو الكفيل والحكم لتعويض الضحايا وجبر الضرر وذلك في طريق إصلاح النظام القانوني والقضائي لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان أينما وقعت.

كما أن الشفافية والعلانية في المساءلة والمحاسبة ورفع دعاوى ضد المرتكبين لا ينبغي أن يكون القصد منها الانتقام وبث روح الكراهية، بقدر ما يقصد منها إنهاء هذه الظواهر المشينة وجعل القانون هو الحَكَم الفاصل، وليتذكّر الجميع أن لا أحد فوق القانون ولا أحد يستطيع الإفلات من يد العدالة إن آجلاً أم عاجلاً ومهما طال الزمن، ولعل السلطة الحقيقية التي يتدافع حولها وبشأنها الطاقم السياسي الحاكم وحواشيه لن تدوم بالانتهاكات والقسوة، فالمعيار الأساسي الذي يجب أن يكون هو احترام حقوق الإنسان والإقرار بالتعددية والتنوّع الثقافي والتداول السلمي للسلطة والحريات العامة ولا سيما حرية التعبير وذلك هو أحد دلالات تسريبات ويكيليكس.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك