محجوب الزويري

محجوب الزويري

أكاديمي وكاتب أردني


عام مضى على تولي الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد مسؤولية رئاسته الثانية، ومع مضي ذلك العام فإن هناك جدلا متزايدا حول رئاسته وسياساته وتصريحاته، ولعل زيارته الأخيرة إلى بيروت المثال الأقرب، حيث أثارت ما أثارت من جدل في الداخل اللبناني، إضافة إلى ردود الفعل التي جاءت من واشنطن وتل أبيب.

القراءات المتباينة حول زيارة أحمدي نجاد إلى لبنان وكذلك الجدل والتباين الكبير حول سياسات إيران وما إذا كانت هناك مواجهة قادمة بين إيران والمجتمع الدولي بسبب ملفها النووي.. تخفي موقف الداخل الإيراني من مثل هذه القضايا، فالانتخابات الرئاسية في العام 2009 كشفت بشكل واضح التباين بين مواقف الحكومة وبين ما تراه شريحة من الإيرانيين بضرورة التركيز على الأولوية الإيرانية وليس قضايا فلسطين ولبنان.

"
الانتخابات الرئاسية في إيران العام الماضي كشفت بشكل واضح التباين بين مواقف الحكومة وبين ما تراه شريحة من الإيرانيين بضرورة التركيز على الأولوية الإيرانية وليس قضايا فلسطين ولبنان
"
بعد مرور حوالي عام على الانتخابات الرئاسية الإيرانية العاشرة، يعود الحديث عن الآثار التي تركتها الأحداث التي تلت الانتخابات الرئاسية، فبعد الضخ الإعلامي لنشر قراءة واحدة قائمة على التفسير التآمري وتحميل المحتجين والمعترضين كل المسؤولية للمعارضة الإصلاحية في إيران، تظهر قراءة جديدة بعيدا عن السياسيين والمراقبين حيث إن مصدرها هو العسكريين، الذين حاولوا طوال العام الماضي التقليل من شأن ما حدث أو أحيانا عدم الالتفات أو التعليق على ما حدث, ولعل هذا يمكن فهمه في إطار أولويات المؤسسة العسكرية الإيرانية في أن تدعم انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد أو ربما في منع أي محاولة من سوء الاستفادة من قبل قوى إقليمية ودولية.

صمت المؤسسة العسكرية الإيرانية في وقت الأزمات ليس جديدا، فقد تأخر تعليق القائد العام للحرس الثوري آنذاك رحيم صفوي على احتجاجات الطلبة في جامعة طهران في العام 1999 حيث خرج صفوي عن صمته وهدد بقطع ألسنة أولئك الذين يتطاولون على مؤسسات النظام، في إشارة إلى أولئك الذين تعرضوا إلى منصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية.

حديث المؤسسة العسكرية هذه المرة يبدو ملفتا للانتباه إذا ما تذكرنا أن هذه المؤسسة لم تتردد في تأييد انتخاب الرئيس أحمدي نجاد في العام 2005، بل يمكن القول إنها كانت إحدى أهم القوى التي تزايدت قوتها بعد انتخاب نجاد. المؤسسة العسكرية الإيرانية اليوم تبدو لها قراءاتها للتطورات في إيران، وهي رؤية تبدو متباينة مع وجهة نظر الحكومة التي يرأسها الرئيس أحمدي نجاد.

لقد كان الحديث عن تسييس المؤسسة العسكرية يرفض من قبل أطراف متعددة داخل إيران، والمهم ربما محاولة رفض أي إشارة إلى دور سياسي لقوات التعبئة (سباه باسداران) في العملية السياسية، هذا كله يبدو في طريقه للتغير.

قائد قوات التعبئة في طهران حسين همداني يقول بمنتهى الصراحة "إن الانتماء إلى قوات التعبئة هو سياسي ومن لا يهتم بالسياسة فهو ليس سباهي" . اعتراف همداني فيه تأكيد على اقتراب المؤسسة العسكرية من المؤسسة السياسية، وهو أمر لا يمكن تجاهله في دولة أقامت جزءا من شرعيتها على أنها دولة ثورية، فأي محاولة كانت أو ستكون لفك هذا العقد غير المكتوب بين ما هو سياسي وما هو عسكري تفتقد إلى الدقة.

الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية هو الحديث عن أن هناك حضورا سياسيا قديما جديدا، يتبع له تباين بين ما تراه المؤسسة العسكرية وبين ما تراه الحكومة، فهمداني يرى أن قوات التعبئة وفروعها لم تكن منسجمة مع حكومة الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، وأنها كانت تحافظ على مستوى من التعاون لأنها (أي قوات التعبئة) تعير أهمية إلى أن خاتمي هو منتخب ويمثل ركنا من أركان النظام. عدم الانسجام هذا لم يتوقف عند خاتمي فهو اليوم موجود مع حكومة الرئيس نجاد.

"
المؤسسة العسكرية الإيرانية وعلى رأسها قوات التعبئة تبدو مقتنعة بأن الخطر الخارجي قائم حول إيران، وأن هذا الخطر متعدد المصادر والأسباب
"
لماذا الاختلاف مع حكومة أحمدي نجاد؟ المؤسسة العسكرية الإيرانية وعلى رأسها قوات التعبئة تبدو مقتنعة بأن الخطر الخارجي قائم حول إيران، وأن هذا الخطر متعدد المصادر والأسباب. فإذا كانت المؤسسة الأمنية والعسكرية قد نجحت في مواجهة تبعات الانتخابات الرئاسية العاشرة، فإن ذلك لا يعني أن الخطر قد زال.

هذا التقييم ليس هو تقييم الحكومة التي يرأسها الرئيس أحمدي نجاد، فالتقييمات الأمنية الإيرانية تبدو مركزة على أنه بمواجهة ما تسمى "الفتنة" ومنع تمددها فإن هناك مسببات قادمة سيكون هناك استثمار فيها لإثارة قلاقل وتهديد إيران من الداخل. مصدر التهديد القادم -وفق القراءة العسكرية الإيرانية- قد يأتي من استغلال غضب قاعدة عريضة من الإيرانيين بسبب القانون الجديد القاضي برفع الدعم عن سلع أساسية اعتادت الحكومة الإيرانية على دعمها.

التهديد الجدي الآخر الذي تتباين فيه تقييمات الحكومة الإيرانية مع المؤسسة العسكرية هو مدى جدية التهديد الخارجي، وتحديدا موضوع مهاجمة إيران بسبب برنامجها النووي. فالقيادة العسكرية -وفق همداني- ترى جدية مهاجمة إيران، وأن احتمالية مهاجمتها قوية رغم تأخرها، لكن هذه القراءة لا تبدو منسجمة مع قراءة الحكومة التي لا تقلل فحسب بل ترى أن هذا التهديد غير موجود.

لقد تجاوزت القراءة المختلفة للمؤسسة العسكرية لتتحدث عن مسألة طالما اعتبر الحديث عنها نوعا من المؤامرة، ألا وهي الحديث عن أن نتائج الانتخابات والأحداث التي تلتها قد تركت أثرا سلبيا على صورة إيران إقليميا ودوليا، وأن ما حدث يرقى ليعتبر نوعا من الخسارة التي تواجهها إيران، وهي مسألة ساعدت خصوم إيران وفق قراءة المؤسسة العسكرية على إبقاء حالة التحالف الأممي قائمة ضد طهران.

إن رؤية المؤسسة العسكرية تمتد إلى تقديم نصيحة للرئيس أحمدي نجاد للعمل من أجل المصلحة العليا "لإيران" وتجنب المعارك الهامشية، ويبدو أن هذا فيه إشارة إلى خلاف بين رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية على أثر تعيين الرئيس موفدين خاصين له لبعض المناطق مثل الشرق الأوسط.

كما أنه ربما يكون مرتبطا بجملة القرارات التي اتخذها الرئيس بشأن تعيين أسفنديار رحيم مشائي نائبا للرئيس، الأمر الذر رفضته شخصيات بارزة في النظام مما دفع إلى تدخل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية آية الله علي خامنئي، حينها أحجم الرئيس عن اختيار مشائي وأوكل إليه منصب مدير مكتبه وكذلك موقع كبير مستشاريه.

"
الحديث القادم من طهران عن وحدة الجبهة الداخلية لم يكن دقيقا، فكما ثبت أن النخبة السياسية منقسمة انقساما حقيقيا، فإن هناك انقساما من نوع آخر بين المؤسسة العسكرية والسياسية
"
وأخيرا, فإن القراءة الجديدة من طهران تؤكد بشكل واضح أن القراءة التي تم العمل على تسويقها طوال العام الماضي لم تكن دقيقة، وأنها لم تكن في الحقيقة إلا محاولة لمواجهة احتمالية استخدام تلك التطورات من قبل دول خارجية.

الأهم ربما هو عامل أن الحديث القادم من طهران عن وحدة الجبهة الداخلية لم يكن دقيقاً، فكما ثبت أن النخبة السياسية منقسمة انقساما حقيقا، فإن هناك انقساما من نوع آخر بين المؤسسة العسكرية والسياسية.

كل ذلك يؤكد أن ثمة "جمرا تحت الرماد"، وأن هناك حديثا بل جدلا حقيقيا وأكثر تفصيلا حول تبعات تلك الانتخابات. في سياق هذا الجدل هناك تحميل للمسؤوليات، وهناك إقرار مشترك بالتقصير من قبل الحكومة بقيادة أحمدي نجاد، لكن من المهم التنبيه إلى ضرورة الحذر في قراءة كل ذلك لأن القراءة التي تقدمها المؤسسة العسكرية هي في محصلة الأمر من داخل أركان النظام، وهي في مبتغاها تتشابه مع القراءة النقدية المعترضة للحركة الإصلاحية، فكلاهما في آخر المطاف تريدان الإصلاح من داخل النظام، وبعبارة أوضح تريدان ضمان أمن واستقرار النظام السياسي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك