عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي


تحييد الإسلام أم هيمنة الدولة عليه؟
الاستفتاء وسياقاته الحقيقية

نشر موقع الجزيرة نت مؤخرا بعض المقالات التي تناولت بالتحليل الاستفتاء التركي الأخير حول تحوير مواد من الدستور. وقد اعتبرت جلّ هذه التحاليل أن الاستفتاء جاء بمثابة صفعة إسلامية للموروث الكمالي العلماني من طرف حزب العدالة والتنمية التركي.

وذهب أحد الكتاب أبعد من ذلك واعتبر أن تركيا تقدم أثمن هدية لأمة الإسلام في عيدها. مثل هذا المنحى يكشف عن خلط كبير على مستويين، يتعلق الأول بحقيقة السياق الحالي لهذا التحوير الدستوري وأهدافه، ويتعلق الثاني بالفهم المغلوط للسياق التاريخي للتجربة اللائكية التركية.

فهل الحالة التركية تمثل فعلا تجربة لائكية على شاكلة النموذج الفرنسي الذي ألهمها؟ وهل للاستفتاء الذي جرى مؤخرا نفَسٌ إسلامي؟

تحييد الإسلام أم هيمنة الدولة عليه؟
أود الإشارة منذ البداية إلى أنني سأستعمل مفهوم اللائكية عوضا عن لفظ العلمانية وذلك لسببين على الأقل، يتمثل الأول في ضبابية معنى العلمانية في الإعلام العربي والذي يكاد ينحصر فهمه في محاربة الدين وفي الكفر.

في حين يميز علم اجتماع الأديان بين اللائكية كسياسة رسمية لجهاز الدولة، مثل حالة فرنسا، وبين سيكولاريزيم (sécularisme) باعتباره سيرورة اجتماعية يفقد من خلالها الدين فاعليته الاجتماعية وطابعه الكلياني (التقاليد الأنجلوساكسونية).

"
المتتبع لأغلب المقالات التي اهتمت بالتحولات السياسية في تركيا مؤخرا يجد خلطا كبيرا بين تركيا كما نحبها نحن العرب أن تكون في ظل واقعنا المتردي وعجزنا أمام الغرب, وتركيا كما يقاربها المؤرخ بعيون أكثر موضوعية
"
السبب الثاني تاريخي ويتمثل في أن التاريخ التركي الحديث، حتى قبل ثورة الاتحاد والترقي سنة 1908، وكذلك في الدستور، استعمل كلمة اللائكية اقتداء بالنموذج الفرنسي.

إضافة إلى هذا الخلط المفاهيمي، يلاحظ المتتبع لأغلب المقالات التي اهتمت بالتحولات السياسية في تركيا مؤخرا خلطا كبيرا بين تركيا كما نحبها نحن العرب أن تكون في ظل واقعنا المتردي وعجزنا أمام الغرب، وبين تركيا كما يقاربها المؤرخ بعيون أكثر موضوعية.

فعلى سبيل المثال يحمل الإسلاميون كمال أتاتورك المسؤولية التاريخية عن القضاء على الخلافة سنة 1924 وفي هذا مغالطة كبيرة. فأهل الاختصاص في التاريخ الإسلامي يعرفون جيدا أن نموذج الخلافة انتهى مع تدمير بغداد سنة 1258 (على الرغم من تواصلها في نسخة أخرى في مصر) وربما قبل هذا التاريخ من خلال الفصل الذي حصل أواخر الدولة العباسية بين مؤسسة الخليفة ومؤسسة السلطنة أو الإمارة التي احتكرت النفوذ السياسي الفعلي.

وكمثال على هذا التطور التاريخي بالإمكان تقديم شهادة من التاريخ المغاربي الحديث. فعند احتلال الجزائر سنة 1830، أرسل سكان تلمسان رسالة إلى ملك المغرب يترجون نصرته فكتبوا: "لو صح أن للإمام العثماني في عنقنا بيعة لكان علينا حجة وليس الأمر كذلك، وإنما له مجرد الاسم هناك.." (أورده أحمد الناصري في كتاب الاستقصاء).

والحديث عن الإمامة يعني الخلافة هنا وكيف أضحت اسمية فقط. يمكننا أن نذكر كذلك مثال الفتاوى التي صدرت في بعض البلدان المشرقية الخاضعة لبريطانيا في بداية القرن العشرين والتي رفضت دعوة السلطان عبد الحميد الثاني للجهاد خلال الحرب العالمية الأولى نازعة عنه صفة الخلافة لأنه غير قرشي.

نضيف إلى هذا الرصد التاريخي بعض الأسئلة التي تطرح نفسها بإلحاح: فهل كان السلطان عبد الحميد رمزا من بين الرموز التاريخية للخلافة كي نتباكى عليه؟ لا أعتقد ذلك. ولماذا لم تعلن دولة أخرى الخلافة بعد إلغائها في تركيا؟ كانت الدولة السعودية الناشئة مؤهلة نظريا لذلك. الواقع أن الكمالية أعلنت موت مؤسسة كان التاريخ قد حدد مصيرها من قرون خلت.

أما النقطة الثانية فتتعلق بمدى لائكية التجربة التركية من وجهة نظر تاريخية. حيث يتم الاستشهاد دوما بما يسمى بالتطرف العلماني التركي كمثال على استحالة تطبيق نموذج غربي في الحقل الحضاري الإسلامي. وكي نقرب الصورة أكثر إلى القارئ لا بد من المقارنة مع النموذج الفرنسي خاصة وأن القوميين الأتراك الناشطين في جمعية الاتحاد والترقي لم يخفوا إعجابهم به وبلائكيته.

ففي الحالة الفرنسية لا تعد لائكية سنة 1905 تهميشا للدين أو محاربة له، بل كان هدفها ضمان تحييد مؤسسة الدولة كي تتمكن من بناء المواطنة بعيدا عن الاختلافات الدينية والمذهبية. ولذلك تواصل وجود الدين والتدين على المستوى الفردي وعلى المستوى الاجتماعي.

فمفهوم اللائكية مرتبط بمفهوم المواطنة والمواطن. ولهذا تضمن الدولة حرية العبادات والأديان دون أن تتبنى هوية إحداهما بما يمكن أن يضر بالآخرين. ومن هذا المنطلق تعني اللائكية التعدد والتنوع الديني.

نستبق الحديث عن الحالة التركية بالقول إن التجربة التركية بنت لائكيتها ضمن هدف أساسي تمثل في بناء الوطن لا المواطنة كما كان عليه الشأن في فرنسا. وفي هذا السياق لعب الإسلام دورا مهما ورئيسيا في بناء الوطن التركي منذ بداية الكمالية، وذلك على عكس الصورة التي ينقلها إعلامنا العربي وأقلام بعض الكتاب.

يعرف المتخصصون في التاريخ التركي المعاصر (راجع حميد بوزارسلان مثلا) أن اللائكية في تركيا ترسخت على حساب التعدد الديني. فقد ضمن شباب الاتحاد والترقي ثم كمال أتاتورك التخلص من الأقليات سواء بالقوة مثل حالة الأرمن أو من خلال التبادل كما حصل مع اليونان.

في سنة 1920 تم طرد كل من هو غير مسلم سني من الوظائف العمومية. وكان هذا أمرا طبيعيا لأن كمال أتاتورك فرض في معاهدة لوزان الاعتراف بتركيا دولة إسلامية. ونتيجة لذلك بقي غير المسلمين يعيشون ضمن إطار الأقليات دون إمكانية الوصول إلى المواطنة التامة.

وليس لهذا أية علاقة باللائكية كما فهمتها فلسفة التنوير. لم يقتصر الأمر على غير المسلمين، ذلك أن الشيعة الأتراك (حوالي 20%) اعترف بهم إما كجزء من المسلمين السنة، أي أنه تم إنكار وجودهم. أما في حالة تأكيدهم على هويتهم فقد كان يتم تهميشهم واعتبارهم يدا للعدو الخارجي (تلميح إلى إيران الصفوية المنافسة خلال التاريخ الحديث).

"
اللائكية الكمالية تأسست على مفهوم الدين القومي في سياق بناء دولة كليانية يمتع فيها القائد الرمز، أتاتورك، ومن بعده الجيش بحق التصرف في الدين وفي الدولة في إطار بناء الوطن الموحد والمتجانس دينيا
"
بهذا الشكل بقيت تركيا اللائكية الكمالية أمة أو وطنا تركيا مسلما سنيا بالدرجة الأولى. حيث تحرص الدولة عن طريق رئاسة الشؤون الدينية منذ 1924 على ضمان تفوق الأغلبية الدينية، مصدر المواطنة والوطن، على حساب الأقليات الأخرى. فخلال الحرب العالمية الثانية -مثلا- تم اعتماد سياسة ضريبية أساسها الاختلاف المذهبي، وفرضت على الأقليات ضرائب أعلى مما فرض على المواطنين الأتراك المسلمين السنة. رئاسة الشؤون الدينية هذه تمول من طرف ضرائب كل الأتراك، لكنها إلى حد الآن لا تمول بدورها إلا المشاريع الموجهة للمساجد السنية. والحال أنه في المنظور اللائكي لا تتولى الدولة تمويل الحياة الدينية أصلا.

لا وجود للتعدد الديني في المنظور الكمالي للائكية، والأخطر من ذلك أنه لا وجود للحريات الدينية. فتغيير الدين ممنوع ويصاحبه تغيير لوضع الشخص إداريا. أي بالإمكان فقدان حق المواطنة بناء على مبدأ الأغلبية.

لهذه الأسباب يرفض بعض المختصين، مثل إرنست غلنر، تصنيف اللائكية الكمالية ضمن كبريات التجارب اللائكية وذلك على عكس برنار لويس الذي يمتدحها ليؤكد أطروحاته السلبية عن الإسلام.

ملخص القول إن اللائكية الكمالية تأسست على مفهوم الدين القومي في سياق بناء دولة كليانية يمتع فيها القائد الرمز، أتاتورك، ومن بعده الجيش بحق التصرف في الدين وفي الدولة في إطار بناء الوطن الموحد والمتجانس دينيا.

الاستفتاء وسياقاته الحقيقية
ذهب بعض الكتاب عبثا إلى تصوير التحويرات الدستورية الأخيرة على أنها رد فعل إسلامي ضد التغريب العلماني الكمالي. والحال أن أغلب بنود الإصلاح تندرج ضمن مطالب الدول الأوروبية المساندة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي كي تزيد من فرص نجاح هذا المسعى.

ودليل ذلك ترحيب البرلمان الأوروبي بهذه النتائج. فقد قالت المفوضية الأوروبية على لسان مفوض شؤون توسيع الاتحاد ستيفان فولي، إن هذه الإصلاحات تعالج جملة من القضايا المرتبطة بوفاء تركيا بمعايير الانضمام للاتحاد الأوروبي. فأين الأسلمة وأين التغريب من كل هذا؟

على مستوى مضمون الاستفتاء فإن النقاط الخمس التي تمثل قاعدة العملية الإصلاحية، والتي أثارت حولها الجدل والخلاف، هي نقاط سياسية تهدف إلى تطويق آثار الانقلاب العسكري لسنة 1980 كما يريد ذلك الشارع التركي ولكن أيضا كما يريده أصدقاء تركيا في المحفل الأوروبي.

إصلاح مجلس القضاء الأعلى هو مطلب أوروبي وكذلك تحييد الجيش ومراقبة تدخله في الحياة السياسية. الهدف من هذا الإصلاح هو بطبيعة الحال إرساء ديمقراطية حقيقية وتعددية تسمح بتمثيل الأقليات مثل الأكراد.

وفيما يخص هؤلاء، ذهب البعض إلى أن دعوتهم لمقاطعة الاستفتاء نابعة من طبيعة أحزابهم العلمانية مثل حزب العمال. والحال أن سبب المقاطعة هو رفض حزب العدالة والتنمية تخفيض نسبة النجاح المطلوبة في الانتخابات لضمان الدخول في البرلمان من 10 إلى 5% خاصة وأن النسبة التي تتحصل عليها هذه الأحزاب لا تتعدى 7%.

كما يوجد إصلاح مهم قلما أثارته الأقلام العربية المتأثرة بالطابع الإسلامي لرجب طيب أردوغان، ويتعلق بالمساواة بين الجنسين. وهو إصلاح أبعد ما يكون عن الحركات الإسلامية كما أنه يعيد إلى الواجهة السؤال المتعلق بمدى "تغرب" تركيا في نسختها الكمالية وكذلك بمدى إسلامية الإصلاحات الدستورية التي جرت.

يأتي هذا الإصلاح إذن في سياق المسعى التركي للانضمام إلى المحفل الأوروبي، لكنه يتنزل كذلك في سياق أشمل ربما يفسر سهولة استهداف المؤسسة العسكرية.

"
ذهب بعض الكتاب عبثا إلى تصوير التحويرات الدستورية الأخيرة على أنها رد فعل إسلامي ضد التغريب العلماني الكمالي, والحال أن أغلب بنود الإصلاح تندرج ضمن مطالب الدول الأوروبية المساندة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي
"
فقد اعتلى العسكر سدة القيادة السياسية في تركيا بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد تراجع حزب الشعب الكمالي، أي مع بداية الحرب الباردة حيث كان الغرب يبحث عن حليف قوي لمواجهة الخطر الشيوعي السوفياتي.

وقد بسط الجيش نفوذه على أجهزة الدولة وعلى الحياة السياسية مستعملا رموز البلاد الوطنية مثل اللائكية. هكذا أضحى هذا المبدأ وسيلة لهيمنته على الحياة السياسية أكثر من كونه وسيلة لتنظيم العلاقة التنظيمية بين الدين والدولة.

دور الحليف هذا لم يعد له أي معنى بعد نهاية الحرب الباردة حيث فقدت المؤسسة العسكرية مساندة حلفائها في الخارج (ما عدا إسرائيل) مما مكن الحراك السياسي الداخلي من الدفع نحو الإصلاح بقيادة حزب العدالة والتنمية. بلغة أخرى لم يعد الجيش التركي مرغوبا فيه خاصة من طرف الأوروبيين.

لا بد من الإقرار إذن بأن هذه الإصلاحات ليست إسلامية، رغم أن خصومها حاولوا تقديمها كذلك. وهي ليست إصلاحات ضد العلمانية وضد التطرف العلماني لأن التجربة اللائكية الكمالية تجربة عرجاء ومنقوصة على هذا المستوى.

كما يجب أن ننتبه إلى أن فصل الدين عن الدولة وكذلك إلغاء الخلافة يمثلان قاسما مشتركا بين كل الأحزاب التركية بما فيها حزب العدالة والتنمية، وهو حزب شبيه اليوم بأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا، أي أنه لائكي أو علماني حسب التعبير الشائع.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك