مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


انزياح الفيتو الأميركي
طاقة أمل
بوابة الحل
ألغام المصالحة
ما بعد التوقيع

ارتفعت موجة التفاؤل بقرب التوقيع على ورقة المصالحة المصرية بين حركتي حماس وفتح بشكل غير مسبوق عقب لقاء دمشق الأخير، ولن يفصلنا عن إعلان التوافقات النهائية بين الحركتين سوى حسم الطرفين آخر النقاط العالقة بينهما متمثلة في الملف الأمني كما تستبشر بذلك معظم التوقعات، لييمّم الجميع من بعد وجوههم شطر القاهرة للتوقيع البروتوكولي على المصالحة وإنهاء الانقسام الفلسطيني.

وبقدر ما تستحث الخطوات الأخيرة اتفاقا مكتوبا وقريبا بين طرفي الانقسام الفلسطيني فإنها تستبطن في الوقت ذاته تفاصيل مرحلة عسيرة عاشها الكل الفلسطيني عقب وقوع الانقسام، وتتهيأ لمواجهة ألغام كبرى وتعقيدات أساسية في مرحلة ما بعد التوقيع على الورقة المصرية في ظل بيئة إقليمية ودولية لا تزال تعطي الشرعية للحصار اللاإنساني على قطاع غزة، وتحارب نتائج وإفرازات المسيرة الديمقراطية الفلسطينية وتشجع على طمسها واستمرار الانقلاب عليها.

انزياح الفيتو الأميركي

"
انزياح الفيتو الأميركي عن جهود المصالحة اليوم يعطي فرصة عالية لإنهاء القطيعة بين الفلسطينيين، ويُرجّح قرب إتمام إجراءات التوقيع على الورقة المصرية خلال الأيام القليلة القادمة
"
كان لافتا أن نوعا من الأريحية قد ظلل الجهود الأخيرة في إطار تحقيق المصالحة، فقد هبطت مستويات التشنج السياسي والإعلامي المعتادة بين حركتي حماس وفتح إلى حدها الأدنى، وبدا أن السياقات الوطنية بين الحركتين تأخذ بهما إلى مساحات توافق والتقاء جديدة بعيدا عن كل عثرات وارتكاسات المرحلة السابقة.

تمثل الخطر الأكبر في وجه مفاعيل العمل الوطني الفلسطيني دوما في التدخلات الأميركية وعبثها اللامحدود بجنبات الساحة الفلسطينية، وقدرتها على قلب وتغيير المعادلات الداخلية بحكم هيمنتها السياسية والأمنية والمالية على السياسة الفلسطينية السلطوية وتأثيرها الكبير على القرارات الإستراتيجية للسلطة الفلسطينية وعمودها الفقري حركة فتح.

لذا لم يكن غريبا أن تقترب حركتا حماس وفتح من التوافق في مرات سابقة، ثم ما تلبث الأمور بعدها أن ترتكس من جديد بفعل التدخل الأميركي المباشر، ولعل آخر تلك الأمثلة ما تم إبان زيارة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى لقطاع غزة التي حملت بشرى قرب إنهاء الانقسام قبل أن يتدخل المبعوث الأميركي ميتشل ويعيد جهود الحوار من جديد إلى مربعها الأول.

لكن انزياح الفيتو الأميركي عن جهود المصالحة اليوم يعطي فرصة عالية لإنهاء القطيعة بين الفلسطينيين، ويُرجّح قرب إتمام إجراءات التوقيع على الورقة المصرية خلال الأيام القليلة القادمة.

طاقة أمل
أنباء اقتراب المصالحة لم تثلج صدور أهل غزة الذين أثقلهم واقع المعاناة وباتوا ينتظرون انفراجة ما في أوضاعهم المعيشية المتلبدة بفعل قسوة الحصار، ويبنون آمالا مستقبلية في غدٍ أقل ألما ومعاناة وأكثر راحة وانفتاحا، وقلوب أهل الضفة الذين أرهقتهم سياط التعاون الأمني والواقع الأمني المرير الذي يحيونه هناك، فحسب، بل ضخّت دفقة جديدة من ماء الحياة في شرايين القضية الفلسطينية التي تعايش اليوم ارتكاسات ومخططات تصفية وإنهاء غير مسبوقة.

المصالحة في حد ذاتها لا تكفي لمد طوق النجاة للشعب والوطن والقضية الفلسطينية، فهي محض خطوة تستلزم إتباعها بخطوات في إطار سلسلة من الخطوات والإجراءات "الإنقاذية" التي تكمل بعضها بعضا في سبيل استعادة ألق وحيوية القضية التي طمسها النهج الاستبدادي لقادة فتح والمنظمة في إدارة الشأن الفلسطيني من جانب، وطحنها الانقسام وتداعياته الكارثية من جانب آخر.

لذا من الصعب تخيّل مدى اللهفة التي تهيمن على نفوس الفلسطينيين في الضفة والقطاع والشتات مع توارد البشريات حول اقتراب التوقيع على ورقة المصالحة المصرية.

فالناس لا يلتفتون كثيرا إلى تفاصيل العقد السياسية والأمنية المستحكمة التي تعيق إقلاع قطار المصالحة، ولا يدرون أن اللعبة السياسية لعبة مجردة بلا قيم أو أخلاق، ولا تتورع عن نفث قذاراتها بعيدا عن أي ضمير وطني أو إنساني، ولا تضع الناس في دائرة اهتماماتها إلا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

على أية حال فإن ما يحدث اليوم يشكل استدراكا بكل معنى الكلمة، فالشقاق والانقسام الفلسطيني ما كان له أن يستمر ويتمدد حتى الوقت الراهن، وهو يعبر عن نضج متأخر تحت ضغط التحديات ونار الضغوطات التي تستهدف الكل الوطني الفلسطيني من الألف إلى الياء.

"
حوارات دمشق فتحت طاقة أمل في جدران اليأس والإحباط لإعادة بناء الذات الوطنية الفلسطينية في الداخل والخارج، ومنحت شعورا بإمكانية اللقاء والشراكة بين الأشقاء الفلسطينيين من جديد
"
تحدث قادة من حماس عن أن الفلسطينيين جميعا خاسرون جراء استمرار الانقسام، وتحدث آخرون من فتح عن أزمة تواجه الكل الوطني، وهي لغة جديدة وواقعية في القاموس الفصائلي الذي تحكمه مفردات التنافر والبغضاء والخطاب الملبد بالتشاحن والصدام.

من الواضح أن حماس لا تستطيع إدارة غزة في ظل الوضعية الراهنة إلى الأبد، وأيضا فتح التي تلطخ تاريخها الكفاحي الطويل، ونزع فياض أوراق قوتها وأفرغها من مضامينها وأحال الضفة إلى محمية إسرائيلية بكل معنى الكلمة.

حوارات دمشق فتحت طاقة أمل في جدران اليأس والإحباط لإعادة بناء الذات الوطنية الفلسطينية في الداخل والخارج، ومنحت شعورا بإمكانية اللقاء والشراكة بين الأشقاء الفلسطينيين من جديد.

بوابة الحل
المصالحة الداخلية الفلسطينية تشكل بداية الطريق نحو إنهاء الانقسام الفلسطيني وبوابة الحل فحسب وليس الحل كله، ولا يزال هناك الكثير من العمل اللاحق لتحصينها ووضع الآليات الكفيلة بوضعها موضع التنفيذ، ومن السابق لأوانه الإفراط في التفاؤل بشأن نتائجها النهائية أو توقع الكثير في مرحلة ما بعد التوقيع.

بين يدي النقاش حول موضوع المصالحة وقرب إنجازها تنتصب قضيتان أساسيتان:

الأولى أن تحقيق المصالحة قد لا يقي قطاع غزة، وحماس تحديدا، من أي تهديد أو ضربة إسرائيلية، وإن كان ذلك من شأنه حرمان إسرائيل من هامش مناورة هام لا يستهان به أمام المحيط الدولي والرأي العام العالمي.

فالمخططات الإسرائيلية الجاهزة التي تعبّر عنها التهديدات العسكرية المتواصلة لن يعيقها أي توافق فلسطيني داخلي لا يزال غامضا وقابلا للكثير من التصورات والاجتهادات، وإنما يكبحها توافق حقيقي ذو لبوس سياسي وأمني يتيح إدارة الصراع مع الاحتلال بشكل كامل بعيدا عن المؤثرات الخاصة أو الأجندات الخارجية.

أما الثانية فهي أن قضية الوطن، والمصالحة جزء أساسي منها، لا تقاس وفق حسابات الربح والخسارة الفصائلية، فالعبرة في النهاية بما تحققه من كسب وفوائد للصالح الوطني الفلسطيني العام بعيدا عن الحسابات الفصائلية الضيقة.

وفي كل الأحوال فإن المشوار نحو الحل الوطني الشامل وتفكيك عُقَد الأزمات الفلسطينية الداخلية لا يزال طويلا، لكن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة المصالحة وإنهاء القطيعة بين شطري الوطن الفلسطيني، ولو كانت في إطار النصوص الإجمالية والخطوط العامة.

ألغام المصالحة

"
الحقائق والوقائع الثقيلة على الأرض التي تجذرت في مرحلة ما بعد سيطرة حماس على غزة منتصف يونيو/حزيران 2007، تشي بأن التوافقات والتغييرات العملية التي ستترتب على التوقيع على الورقة المصرية ستكون جزئية ومحدودة
"
ما أكثر الألغام التي تنتصب على درب المصالحة الفلسطينية المنشودة، وما أكثر العوائق التي تحول دون إتمامها وبلوغها مراميها المرجوة، وما أكثر المتربصين بالمصالحة الذين يرون فيها جسرا محضا لتحقيق مكاسب تكتيكية صغيرة بعيدا عن أي رؤية أو مصلحة وطنية حقيقية.

غياب إرادة التوافق والشراكة تشكل أول الألغام والإشكاليات والعوائق، فلو تحققت يوما شذرات منها لما بلغ الحال الفلسطيني الراهن ما بلغ، ولما أفضى واقع الفلسطينيين إلى التناحر والاحتراب والتدابر والانقسام.

كانت الانتخابات والمسيرة الديمقراطية محط الآمال ومعقد الرجاء، لكن الانقلاب عليها وعدم الاعتراف بنتائجها خلط الأوراق والحسابات الوطنية، ومزق النسيج الاجتماعي، وأعاد القضية الفلسطينية القهقرى والانحدار.

ما يزيد عن ثلاثة أعوام منذ حدوث الانقسام لم يكن كافيا لاقتناع البعض أن الوطن لا يحلق بجناح أو فصيل واحد، وأن البديل عن الشراكة السياسية والأمنية الحقّة هو تعميق جذور الانقسام والانغماس أكثر فأكثر في مسارات الهوان والتمرغ في أحضان الاحتلال.

الإشكالية الثانية التي تعترض سبيل المصالحة أن نصوص الورقة المصرية نصوص مجملة تتناول مبادئ عامة ولا ترقى إلى مستوى معالجة التفاصيل وإرساء الآليات العملية الكفيلة بإعمال التطبيق، مما يستدعي اللجوء إلى حوارات جديدة لبحث صور وكيفيات التطبيق، وهو ما يعني –في نهاية المطاف- أن كثيرا من البنود، وخاصة الهامة والخطيرة منها، ستبقى حبرا على ورق ولن تخضع لإرادة التنفيذ لدى أي من طرفي الانقسام.

أما الإشكالية الثالثة فتكمن في الرؤية المثالية التي رسمتها الورقة إزاء بعض القضايا، وخاصة قضيتي الأمن ومنظمة التحرير، وهي قضايا محسومة سلفا ومحكومة بسقف الفيتو الإقليمي والدولي، ويعلم الجميع أن ملفاتها لن تفتح عمليا اللهم إلا من بعض الجهود والاجتماعات التي ستبقى تدور في إطارها النظري البحت دون أي تغيير.

هل من الممكن –مثلا- أن نشهد شراكة أمنية وعملا أمنيا وطنيا فلسطينيا تستجيب في ضوئه الأجهزة الأمنية في الضفة لجهود إعادة الهيكلة والترتيب وفق المفاهيم والعقيدة الوطنية البحتة؟! وهل يتوقع أحد أن تنتظم مرجعية فلسطينية جديدة تتولى البت في القضايا المصيرية لشعبنا على طريق إعادة بناء وترتيب منظمة التحرير على أسس سياسية وإدارية جديدة؟!

يخطئ من يظن أن الواقع الراهن في الضفة الغربية قد يؤول، سياسيا وأمنيا، إلى التحسن الجذري وفقا لنصوص الورقة المصرية، وواهم من يعتقد أن المرجعية الوطنية القيادية التي تحدثت عنها الورقة المصرية قد تأخذ دورها في البتّ في القضايا المصيرية للشعب الفلسطيني.

كل تلك الحقائق والوقائع الثقيلة على الأرض التي تجذرت في مرحلة ما بعد سيطرة حماس على غزة منتصف يونيو/حزيران 2007، تشي بأن التوافقات والتغييرات العملية التي ستترتب على التوقيع على الورقة المصرية ستكون جزئية ومحدودة.

ما بعد التوقيع
لا تغيير حقيقيا في الأفق، فالإرادة الخالصة لم تظلل بعد المشهد الفلسطيني، أو تمنحه حظوة القفز عن أدغال التآمر والخديعة التي يتلظى بنيرانها المحرقة الشعب الفلسطيني الصامد على إيقاعات أمنية مستوردة عزّ نظيرها.

تعيش الضفة واقعا يدور في فلك المسلّمات السياسية والأمنية التي لن يُسمح بالمساس بها، إقليميا ودوليا، بأي حال من الأحوال، فالنهج السياسي القائم على خيار التفاوض الإستراتيجي الأوحد والتفاوض الأبدي، والنهج الأمني القائم على التعاون الأمني مع الاحتلال، يشكلان لازمة ارتباط عضوية ومصيرية لا انفكاك عنها بين السلطة والاحتلال، وفيها يرتبط بقاء ووجود السلطة ببقاء ووجود الاحتلال في ظل استمرار تأديتها مهامها الوظيفية التي أُنشئت من أجلها (حفظ الأمن لإسرائيل) دون أي خلل أو تقصير.

ما سوى ذلك قابل للأخذ والرد وفق سقف معين ومساحة محددة، وخصوصا في مضمار المصالحة الاجتماعية وقضايا الموظفين والعمل الإداري، وإعطاء هوامش للعمل الفصائلي والمجتمعي في الضفة وغزة، وإعادة افتتاح بعض المؤسسات المغلقة التابعة لطرفي الانقسام، وإيجاد حل لمشكلة معبر رفح والمعابر التجارية الأخرى.

"
مرحلة ما بعد التوقيع على ورقة المصالحة مرحلة ثانوية بامتياز من حيث محدودية إنجاز النقاط والبنود المطروحة، إلا أنها مرحلة أساسية وخطيرة بكل المقاييس
"
من الصعب تصور قبول النظام الإقليمي والدولي بهذه المعادلة الجديدة التي تكرس واقع غزة كما هو في وقت يُخطَّط فيه لإخراج حماس من مشهد القوة والتأثير الفلسطيني، مما يعني أن علاقة التوتر والاشتباك ستعود إلى المشهد السياسي الفلسطيني بعد عدة أسابيع على الأكثر، ولن يكون وقع المفاجأة ثقيلا حين تتلبد الأجواء من بعد، وتتوافق أطراف الحصار على ضرب حماس عسكريا عبر الفوهة الإسرائيلية، وتركها تلعق جراحاتها انتظارا لميقات إجراء الانتخابات التشريعية المتوافق عليه التي يُؤمل من خلالها إخراج الحركة من المشهد السياسي الرسمي عبر البوابة الانتخابية التي دخلت منها.

ما بعد التوقيع على ورقة المصالحة ليس هيّنا، فلا تزال المناخات غير ناضجة أو مهيأة لاستيعاب متطلبات واستحقاقات المصالحة في ظل الأهداف اللاوطنية التي تحكم حركة الجهود المتصلة بها، ومحاولات العبث الإقليمي والدولي ببنية وتفاصيل المشهد الفلسطيني الداخلي.

ومع ذلك فإن من المهم أن تعمد حماس إلى استقطاب قيادات فتح المؤمنة بالمصالحة الحقيقية، والعمل والتنسيق معها ومع كل القوى والشخصيات الوطنية بهدف عزل ومحاصرة التيار الإسرائيلي والأميركي الذي يختطف قرار وسياسة فتح، ومحاولة بناء مقاربة جديدة لمرحلة فلسطينية جديدة أكثر تفهما واقترابا من قيم الإخاء الوطني والتعايش الداخلي المشترك.

أخيرا فإن مرحلة ما بعد التوقيع على ورقة المصالحة هي مرحلة ثانوية بامتياز من حيث محدودية إنجاز النقاط والبنود المطروحة، إلا أنها مرحلة أساسية وخطيرة بكل المقاييس إذا ما قيست بحجم الاستهداف الذي ستتعرض له غزة، وما يدبر لحماس وراء الكواليس.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك