أحمد الشيخ

أحمد الشيخ

رئيس تحرير قناة الجزيرة سابقا


هل الإعلام صنعة؟ أكاد وقد خضت فيه عقودا حتى الآن، أن أميل إلى القول إنه صنعة. والكلمة هنا تحمل في ثناياها ومقصودها المعنى الفني الاحترافي تماما كما تعلم النبي داود عليه السلام "صنعة لبوس", إذ اشتُهر داود بإتقان صناعة الدروع وما يتصل بالحدادة. ويقال إن النجمة السداسية التي تتخذها إسرائيل اليوم شعارا هي في الأصل الختم الذي كان داود يُمهر به كل ما يصنع.

وإني لأزعم أن كل مهنة يقوم بها الإنسان, إما ليكسب قوته أو يجد فيها سلوى تكشف مكنونات نفسه, يجب أن تكون صنعة ينسجم في أدائها العقل والوجدان واليدان إذا كان لها أن تبلغ حد الإتقان, أو ترتقي على سلم الجمال درجة أو درجات بمقدار ما أوتي صاحب العمل من قدرة, كما هو ميسر له.

فهل بلغ الإعلام العربي المهاجر منه والمقيم من الإتقان والاحتراف ما يمكن أن يضعه عند حد الصنعة أو التناوش معها من مكان بعيد؟

منذ أن دخلت الطباعة الحديثة الوطن العربي في القرن التاسع عشر, وتبعها ظهور الصحف والمجلات أواخر القرن نفسه, يمكن القول إن الإعلام أصبح أحد مكوّنات الحياة في البلدان العربية حتى وهي رازحة تحت الاستعمار.

"
إذا كان انتشار وسائل الإعلام في سنواته الباكرة مقصورا على النخبة القادرة والمتعلمة, فإنه أصبح اليوم الركن الأساس في كل بيت، بل إن المرء يتمنى أحيانا لو أن التلفزيون لم يوجد لشدة ما تحمل شاشاته من إسفاف إلى منازلنا
"
وإن كان انتشار وسائل الإعلام في سنواته الباكرة مقصورا على النخبة القادرة والمتعلمة, فإنه أصبح اليوم الركن الأساس في كل بيت، بل إن المرء يتمنى أحيانا لو أن التلفزيون لم يوجد لشدة ما تحمل شاشاته من إسفاف إلى منازلنا.

فهل وازى هذا الانتشار ارتقاءٌ في المضمون والشكل, يُمكن قائلا من القول إن إعلامنا بلغ حد الصنعة بمفهومها المهني والجمالي؟

نعم, لقد كان من الطبيعي أن يحقق الإعلام العربي بمضي الأيام وفعل الزمن تطورا تمليه دورة الحياة, وتغذيه حركة التطور الإعلامي من حولنا عبر التقليد والانبهار والفضول, لكنْ, ثمة ظروف حالت دون بلوغ ذلك التطور حد الصنعة, كما أرى, بعد أن عايشت الإعلام مطبوعا ومسموعا ومقروءا ومشاهدا قرابة ثلاثة عقود أو يزيد.

وقبل أن أخوض في تفاصيل ما يحملني على هذا القول, ينبغي أن أشير إلى أن عام 1996 وقد شارف في نوفمبر/تشرين الثاني منه على أن ينصرم كان نقطة فاصلة لا يستطيع مؤرخ منصف للإعلام أن يتجاوزها, فما بعد "الجزيرة" إعلام مختلف عما قبلها.

إذ ما قبل "الجزيرة" هو إعلام سلطة يسبّح بحمدها أو بحمد من يتسودها, وما زال معنا منه الكثير في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين, رغم أن بدايات الإعلام العربي في عهد مجلتي المنار والرسالة حملت من البشائر ما هو أفضل.

وأما إعلام ما بعد "الجزيرة" فمنه, على قلته مقارنا بالغث الغالب، إعلام رصين يعيد تشكيل الوعي العام ويحترم عقل الإنسان العربي ويحاول أن يبلغ من درجات الإتقان حد الصنعة وإن لم يبلغها بعد.

فما الذي يحول دون بلوغ تلك الدرجة من الإتقان. وما هي جوانب القصور؟

انظر إلى من سبقونا في إقامة مؤسسات إعلامية, في الغرب على وجه الخصوص, غدت صروحا تُحتذى وإن كان لنا على نزاهتها في بعض الأحيان الكثير مما يقال. فما كانت تلك الأسماء اللامعة لتصبح مما يشار إليه بالبنان, لولا مناخ الحرية الذي توفر لها والاستقلال الذي تمتعت به.

وهذه هي مشكلتنا الأساس في العالم العربي: غياب الحرية يطمس على قلوبنا وأبصارنا وعقولنا بوصفنا الجمعي فنستبق الصراط على غير وعي ونفقد استقلالنا, وقد خلقنا الله كذلك أحرارا.

وإني لا أكاد أرى سببا آخر وراء تخلفنا في مجالات كثيرة ومنها موضوعنا اليوم المجال الإعلامي, وعجزنا عن بلوغ درجة إتقان الصنعة, إلا هذا الغياب المؤلم للحرية في المقام الأول. وما جوانب القصور التي سنطرقها هنا إلا نتائج للسبب نفسه.

الإتقان في المضمون
ينبغي أولا أن أشير إلى أن ما سيقع تحت هذه العناوين الفرعية لا يخلو من التعميم, إذ قد لا يتسع مقام مقال كهذا لتفصيل أكاديمي يعطي الحق لمن يستحقه. فهناك ثمة قدر من التفاوت في إتقان صنعة المضمون أو الشكل أو الصنعة الفردية, بين مؤسسة إعلامية وأخرى, وبين مراسل وآخر, وصحفي وآخر, وكاتب وآخر.

"
هناك مسائل تشوب المضمون العربي وتجعله بعيدا عن المتقن إلى حد الصنعة, وهو ما يجعله من الأقل جودة من بين ما يكتب باللغات المختلفة في ميادين الإنترنت
"
ومع ذلك فهناك مسائل تشوب المضمون العربي وتجعله بعيدا عن المتقن إلى حد الصنعة, وهو ما يجعله من الأقل جودة من بين ما يكتب باللغات المختلفة في ميادين الإنترنت.

في الأخبار أولا: تغيب في أحيان كثيرة ضرورة وضع الخبر في سياقه وهو ما نسميه بالإنجليزية (Contextualization). فكيف يمكن لقارئ أو مشاهد أن يفهم الخبر إن لم نقدم له سياقه التاريخي والمعرفي؟ وإني لأزعم أن كثيرا مما ينشر في صحفنا أو يبث من شاشاتنا غالبا ما يكون منبتا عن سياقه الماضي, وتلك قاعدة أساسية يتعلمها كل من درج في مدرسة للصحافة: وهي ألا يفصم الخبر عن سياقه وإلا فإنه يكون مبتورا وعصيا على الفهم التام.

وكثيرا ما نجد أن محرر الخبر في صحفنا وشاشاتنا نصب نفسه قاضيا (Judgementalism) وأصدر حكما, وكأنه يقول للقارئ أو المشاهد هذا هو القول الفصل وعليك أن تقبل حكمي وألغ عقلك.

أما الحرفة في صياغة الخبر فتلك ثالثة الأثافي كما قالت العرب قديما, وهي أكثر ما يدمي قلب كل محب لهذا اللسان وعاشق لإيجازه وفصاحته. ومع أني والله لا أُنصب نفسي أستاذا, فدون كل من يشك في ضعف صياغة ما يكتب من أخبار أو يقرأ في كثير من المنابر, إلا من رحم ربي, دونه مواقع الإنترنت أو صفحات اليوميات أو شاشات التلفزيون.

وأما التوازن في عرض وجهات النظر التي ينطوي الخبر عليها فكثيرا ما يسقط ضحية للعاطفة أو الانتماءات الحزبية أو المذهبية أو العرقية, فتجد ما هو إقرب إلى هوى الكاتب أو المحرر بارزا وما خالفه باهتا.

وأما الدقة وتوخي الصدق فكثيرا ما يكون هو أيضا ضحية لغياب الإتقان والميل إلى السلق والارتجال. والارتجال هو أشد الآفات في واقعنا ولا يكاد يخلو منه ميدان ثقافي أو إداري أو تعليمي. فلا يكلف الصحفي أو المحرر نفسه عناء البحث المعمق، وما أسهل البحث في زمن الإنترنت ومكتباته العملاقة مع تطور أنظمة البحث والاسترجاع (Search and retrieve).

أما في التلفزيون بالذات, إذ هو اليوم الأداة الإعلامية الأكثر تأثيرا بفعل الصورة والخبر العاجل, فإن الصنعة الإخبارية لم تبلغ حتى الآن ما بلغته في قنوات أخرى رغم ما تحقق من تطور منذ عام 1996.

فالتعامل مع الصورة وتسخيرها لتكون أداة توضيح وشرح ترفد الخبر وتقدمه مفهوما, لا أداة وصف, ما زال قاصرا سواء منه ما يخرج من غرف الأخبار أو ما يأتي من كثير من المراسلين. وكثيرا ما يكون ما يتناهى إلى الأذن منبتا عن الصورة حتى إن المشاهد غير الخبير يتساءل عن سبب هذا الفصم.

ولعل مشاهدة نشرات أخبار القنوات الغربية العريقة, تكفي لتوضيح الفرق المهني والإبداعي الكبير في التعامل مع الصورة بعد أن أمضت تلك القنوات قرابة تسعة عقود من البث التلفزيوني الإخباري. فما تشاهده هناك, وعلى بعض شاشاتنا أحيانا من تقارير يذكرك بقول أبي العلاء المعري:

"
الارتجال هو أشد الآفات في واقعنا, فلا يكلف الصحفي أو المحرر نفسه عناء البحث المعمق، وما أسهل البحث في زمن الإنترنت ومكتباته العملاقة مع تطور أنظمة البحث والاسترجاع
"
ليلتي هذه عروس من الزنج ** عليها قلائد من جمان

فما أجمل التقرير التلفزيوني حين يتلألأ بكناية الصورة وتشبيهها الضمني الموضح للخبر فيصبح عرسا لن ينمحي من الذاكرة أبدا.

أما أداء مقدمي نشرات الأخبار, فهو أيضا لم يبلغ درجة إتقان الصنعة كما حاله عند غيرنا في الغرب بالذات, رغم التقدم الواضح الذي تحقق منذ عام 1996. ولعل الوهن الأوضح هنا يتجلى عند إجراء المقابلات على الهواء, وحين تقع الأخبار العاجلة ويتطلب الأمر استضافات متتابعة على الهواء, وهذا هو المحك الذي يكشف قدرة المذيع أو المذيعة ويوضح عمق الثقافة والمتابعة لما يجري في العالم من حولنا وسرعة البديهة في الحوار.

الصنعة في الشكل
في ضوء تطور التكنولوجيا المستعملة في مختلف وسائل الإعلام فقد أصبح الشكل بالغ الأهمية في اجتذاب القارئ أو المشاهد, وإن تفاوتت درجة الأهمية من التلفزيون إلى مواقع الإنترنت وإلى الصحف والمجلات المطبوعة. ورغم ذلك, فلا يمكن لأي منها أن تصيب نجاحا أو تحافظ على ريادتها إن هي أهملت تطوير الشكل لتقديم المضمون الأفضل.

ففي التلفزيون, لم يبلغ إتقان إخراج نشرة الأخبار حد الصنعة كما هو في الغرب, لا في نقلات الكاميرا ولا في جلوس المذيع وعكس تفاعله مع الخبر، بل إن لباس المذيعين والمذيعات كثيرا ما يكون نافرا عما يناسب نشرة أخبار, يفترض أن تقدم المعلومة والخبر والتحليل, في مناخ يساعد في تركيز انتباه المشاهد لا تشتيته, ومرة أخرى أقول رغم ما تحقق من خبرة وتطور منذ عام 1996.

وما زلنا في القنوات العربية بحاجة لمزيد من التدريب لبلوغ حد الإتقان في استعمال تكنولوجيا ما يسمى بشاشات الفيديو وول في الأستوديوهات (Video wall) إذ أصبحت هذه الشاشات جزءا جوهريا من أجل عرض أجمل وأوضح للخبر والمعلومة.

ولعل هذا يقودني إلى جانب قصور آخر وهو استعمال ما يسمى بالغرافيكس أداةً مساعدة من أدوات العرض. وإن كان الفنانون العرب قادرين على الإتيان بالجميل والمبدع من الغرافيكس, فإن غياب الرؤية في الجانب التحريري يجعل الاستفادة من الغرافيكس وتسخيره لمزيد من التوضيح, في سياق النشرة, قاصرا في أحيان كثيرة.

أما في مواقع الإنترنت, رغم جدتها وحداثة عهدها, فإن الإعلام العربي أصاب قدرا معقولا من النجاح, وقد كان إطلاق موقع "الجزيرة نت" الإخباري عام 2000 النقطة الأبرز, وهو ما زال صاحب الباع الأطول في الإنترنت الناطق بلغة الضاد.

غير أن المواقع العربية لا تزال تتعقب نظائرها في الغرب في الشكل والمضمون للأسباب السالفة الذكر وفي مقدمتها غياب الحرية. وينبغي على المواقع العربية اليوم أن تسد الفجوة الكبيرة التي تفصلها عن غيرها في ميادين أنظمة البحث والاسترجاع وأنظمة التصميم الفني المبدع, الذي يتيح للقارئ فضاء واسعا في التفاعل مع المتصفح وفق ما يروق له من جماليات أو يناسب هواه من مواضيع للقراءة.

ومما يؤسف له, أن مواقع الصحف العربية اليومية ما زالت جامدة ولم تلحق بالصحف العالمية التي تحولت مواقعها إلى ميادين تفاعلية, تتطور فيها الأخبار على مدار الساعة. بل إن الصحف العالمية أخذت تمزج في مواقعها بين المقروء والمشاهد, ولن يمضي وقت طويل حتى تتحول تلك المواقع إلى قنوات تلفزيونية على الإنترنت, وعلى ما بات يعرف بوسائل الإعلام الجديدة من هاتف نقال وغيره.

"
هذه السطور ليست إلا تجربة كاتب السطور الشخصية, وقد يكون اعتراها هوى أو سوء تقدير من غير قصد, وليس هدفها التثبيط أو المزايدة بل هي رأي نبع من المعايشة المباشرة في غرف أخبار عديدة
"
أما الصحف نفسها فما تكاد تلمس من تطور في مضمونها الجاد غير ثقل الوزن إلا من رحم ربي من المحترفين وما أقلهم. فلا تكاد لترهل الإخراج تتلمس طريقك عبر أوراق الصحيفة إلا بصعوبة.

ومرة أخرى أقول إن كل ما مر ليس إلا تجربة كاتب هذه السطور الشخصية, وقد يكون اعتراها هوى أو سوء تقدير من غير قصد, وليس هدفها التثبيط أو المزايدة بل هي رأي نبع من المعايشة المباشرة في غرف أخبار عديدة. وهي لا تعني أبدا أنه لا توجد هناك بؤر وضاءة في الإعلام العربي في شرقه وغربه, بل هناك خبرة جيدة يمكن أن نبني عليها كي نصل بإعلامنا إلى مصاف من أتقنوا الصنعة.

وطريقنا نحو هذه الغاية يجب أن يمهد على مدارج الحرية والتدريب من غير كلل أو ملل, حتى نعامل مهنتنا على أنها صنعة جمال وعلم, ينبغي لكل واحد من العاملين فيها أن يفخر بما ينتج, وأن يمهره بختمه كما فعل داود في صنعة لبوسه.

المصدر : الجزيرة

التعليقات