خالد المعيني

الاسم: خالد حمزة المعيني- المولد: 1960 بغداد - الحالة الاجتماعية: متزوج- التحصيل العلمي: دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - علاقات دولية


إيران والولايات المتحدة
التيار الصدري والمالكي
المجلس الأعلى وعلاوي

في الظاهرة السياسية كثيرا ما يتم التعاطي مع نوعين من العمليات، أحدهما ظاهر للعيان وهو الشق الذي يتعامل معه الإعلام مباشرة ويتأثر به الرأي العام، أما النوع الثاني الذي كثيرا ما يكون غاطسا وعميقا فإنه يشكل المولد الحقيقي للأحداث. وفي العراق يمكن التحدث عن أي شيء إلا عن معايير سياسية ترقى إلى مستوى الظاهرة السياسية المستوفية لشروط وضوابط العمل السياسي التي تتيح هامشا معقولا مما يمكن التنبؤ به أو ما ستؤول إليه الأمور.

وعلى ضوء التجارب التي رافقت تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة في ظل الاحتلال يمكن القول إن الأطراف العراقية اللاعبة في الساحة السياسية هي آخر من يتحكم بمخرجات هذه العملية، فتحكم الإرادات الخارجية في المشهد العراقي يجعل من هذه الأطراف مجرد لاعبين ثانويين أو وكلاء يعملون بالنيابة عن هذا الطرف الدولي أو ذاك، الأمر الذي تحولت فيه آليات تداول السلطة التي يضمنها الدستور إلى ما تشبه بورصة للعرض والطلب في ظل الفراغ الدستوري، يضع فيها كل طرف بضاعته وشروطه للتحالف مع هذه الجهة أو تلك، فكل شيء خاضع للمساومة وخاضع لآلية عقد الصفقات.

إيران والولايات المتحدة

"
هناك ما يشبه الاتفاق الضمني بين أميركا وإيران على ملف العراق، القائم على أساس معادلة المصالح المتبادلة وميزان الكلفة والمنفعة، حيث تجري العلاقة بينهما وفق قاعدة جني المصالح لكلا الطرفين 
"
تخوض الولايات المتحدة صراعا ليس خفيا مع إيران وعلى مختلف الميادين الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، سواء على صعيد أزمة الملف النووي أو الوضع في لبنان وفلسطين وحتى في أميركا اللاتينية، ولكن من الواضح أن هناك ما يشبه الاتفاق الضمني على ملف العراق، القائم على أساس معادلة المصالح المتبادلة وميزان الكلفة والمنفعة، حيث تجري العلاقة بينهما وفق قاعدة جني المصالح لكلا الطرفين على حساب الشعب العراقي.

فبعد فشل وكلاء كلا الطرفين في الانتخابات الأخيرة في تحقيق فوز حاسم لأحدهما، لجأت كل من إيران والولايات المتحدة إلى الوقوف في منتصف الطريق لدعم المالكي رغم فشله الذريع على كافة المسارات ورغم تصنيف حكومته الأولى على مستوى الفساد الإداري والمالي وكذلك تحقيق الرقم الأسوأ في انتهاكات حقوق الإنسان، طبقا لتقارير منظمة العفو الدولية، كل ذلك لم يمنع المالكي من أن يحظى بدعم أميركي وإيراني مشترك على الرغم من الاستحقاق الانتخابي الذي يتمتع به غريمه ومنافسه إياد علاوي، والتي تؤكد استمرارية أزمة تشكيل الحكومة التي سجلت رقما قياسيا تجاوز سبعة شهور.

مما تقدم فإن الحقبة القادمة في العراق هي مزيج من التفاهمات والترتيبات الأميركية الإيرانية يصل إلى حد تقاسم النفوذ المشترك والتخادم المتبادل، وهذا ما يمكن أن يوفره خيار المالكي بولائه المزدوج واستعداده التام لتقديم أقصى التنازلات لكلا الطرفين مقابل الاحتفاظ بالسلطة وبأي ثمن.

التيار الصدري والمالكي
فاقت سرعة تبدل مواقف التيار الصدري من رئاسة المالكي لولاية ثانية جميع التصورات، فهذا التبدل المفاجئ وبدون مقدمات يضع أكثر من علامة استفهام حقيقية حول مغزى وقيمة العملية السياسية أصلا ومدى مطابقة شروطها لتوجهات الرأي العام وهل هناك معيار لقياس موقف هذا التيار أو ذلك الحزب.

فزعيم هذا التيار مقتدى الصدر ومعاونوه حتى وقت قريب كان المالكي بالنسبة لهم خطا أحمر وأنه مرفوض رفضا قاطعا من قبل قواعد التيار الشعبية، وأن فترة حكمه السابقة كانت فاسدة أوغل فيها في دماء العراقيين عموما والصدريين خصوصا، فما هي الأسباب الحقيقية التي تقف خلف هذا التحول الدرامي في موقف التيار الصدري؟

يتعلق السبب الأول في خبرة هذا التيار، كونه تيارا شعبيا تحكمه الولاءات العاطفية المقترنة بالولاءات الدينية لشخصية رمزية معينة، فرغم مرور سبع سنوات لم يرتق هذا التيار بعد إلى مستوى التراتبية السياسية وهو يفتقر إلى آلية معينة في صنع القرار، يمكن من خلالها التكهن بسلوكه السياسي الذي يصل أحيانا وفي بعض المواقف إلى حد المراهقة السياسية، ولعل ذلك يفسر كثرة التقلبات والانشقاقات في صفوفه.

مقابل المالكي، الذي رفضه في البداية التيار الصدري في أكثر من مناسبة، بدا التيار الصدري وكأنه في بداية الأمر يميل باتجاه ترشيح إياد علاوي، ولكن تقلص حظوظ إياد علاوي نتيجة الفيتو الإيراني ونتيجة الإقرار الأميركي الضمني بعدم تولي رئاسة الوزراء شخص لا يحظى برضا وقبول إيران والمؤسسة الدينية، فقد تصاعدت فرص مرشح آخر يقبل القسمة على الطرف الأميركي والإيراني وهو عادل عبد المهدي، الأمر الذي دفع بزعيم التيار الصدري إلى تغيير موقفه بصورة مفاجئة وغير متوقعة تجاه عدو الأمس نوري المالكي ليعلن تأييده له رغم تحفظات المجلس الأعلى، حليف الصدريين فيما يسمى الائتلاف الوطني.

"
فاقت سرعة تبدل مواقف التيار الصدري من رئاسة المالكي لولاية ثانية جميع التصورات، وهذا التبدل المفاجئ يضع أكثر من علامة استفهام حقيقية حول مغزى العملية السياسية أصلا
"
يعود الدافع الحقيقي وراء هذا الانقلاب إلى أن مقتدى الصدر على استعداد لفتح صفحة جديدة مع المالكي رغم تنكيله بالتيار الصدري والتعايش مع كافة سلبياته، لكن ما لا يستطيع مقتدى الصدر تحمله هو أن يسمح لمرجعية الحكيم المنافس اللدود والتاريخي لمرجعية الصدر بأن يترشح منها رئيس وزراء قد يتمكن من خلال السلطة والثروة من إعادة مكانة مرجعية الحكيم التي فقدت نفوذها وشعبيتها في الانتخابات الأخيرة والتي لم تحصل سوى على 19 مقعدا، مقابل 40 مقعدا حصل عليها التيار الصدري، ففي النهاية بالنسبة لحسابات مقتدى الصدر فإن مرجعية حزب الدعوة الذي يرأسه المالكي هي مرجعية صدرية رغم كل الخلافات.

المجلس الأعلى وعلاوي
لا يختلف أحد على هوية المجلس الأعلى للثورة الإسلامية وجناحه العسكري المسمى بمنظمة بدر وظروف نشأتهما في سياق الحرب العراقية الإيرانية والإشراف التام للحرس الثوري على تدريبهما وتسليحهما وتوجيههما كأحد أهم الأذرع الإيرانية في العراق حيث تناور إيران بنجاح داخل العملية السياسية أو خارجها.

ويبدو أن تبدل موازين القوة داخل خارطة القوى والأحزاب الطائفية الموالية لإيران والذي بدأ يميل لصالح حزب الدعوة برئاسة المالكي وكذلك التيار الصدري ومليشياته، دفع المجلس الأعلى بزعامة عمار الحكيم لأن يناور بعيدا عن التحالف الطائفي الموسع الذي ضم جميع الأطراف الموالية لإيران ويسعى من خلال ترشيحه مرشح تسوية لرئاسة الوزراء من بين صفوفه، وإعلان تحفظه على ترشيح المالكي، والمباشرة في مغازلة القائمة العراقية، التي وجدت بدورها في التجاوب مع هذا الغزل مدخلا للنيل من غريمها الرئيسي نوري المالكي، وبوابة لتفتيت وحدة صف التحالف الطائفي الموسع الذي ترعاه إيران.

هامش المناورة الذي يتحرك فيه الحكيم ومرشحه لرئاسة الوزراء عادل عبد المهدي لا يجري بعيدا عن الخطوط المسموح بها إيرانيا، والتي يعد أحد أهم ثوابتها في التعامل على الساحة العراقية ضمان رئاسة الحكومة في كل الأحوال لطرف ترشحه المؤسسة الطائفية الموالية لها في العراق، وبالتالي فإن كلا المرشحين المالكي وعبد المهدي لا يدوران بعيدا عن دوائر الفلك الإيراني وضوابطه وتطلعاته في السعي لجعل العراق حديقة خلفية ومجالا حيويا للمشروع الإيراني القومي.

"
رغم أن الصراع على السلطة يبدو محصورا بين كتلتي إياد علاوي ونوري المالكي، فإن هناك عناصر أخرى حاكمة في المعادلة العراقية وتشكل بيضة القبان في حلبة الصراع
"
في ملف العراق لا يمكن الركون إلى حسابات سياسية مهما كانت منطقية وموضوعية، فالخارطة السياسية في العراق مليئة بالمفاجآت، وتوازن القوى مليء بالتقلبات التي لا تلبث أن تجبر المراقب للشأن العراقي على إعادة حساباته دوريا نتيجة لهشاشة الثوابت وندرتها وتعدد المتغيرات.

واليوم رغم أن الصراع على السلطة يبدو محصورا بين كتلتي إياد علاوي ونوري المالكي، فإن هناك عناصر أخرى حاكمة في المعادلة العراقية وتشكل بيضة القبان في حلبة الصراع، ولا تزال تتفرج وتنتظر نتائج التسقيط الفردي بين بقية المتنافسين لتضع بيضها في هذه السلة أو تلك، وفي مقدمة هذه العناصر شروط الورقة الكردية التسعة عشر التي أعلنتها الأحزاب الكردية ذات النزعة الانفصالية في شمال العراق كشرط لترجيح كفة هذا الطرف على ذاك، بما يشبه أسلوب سوق العرض والطلب حيث تعتمد آلية عقد الصفقات.

فضم كركوك الغنية بالنفط إلى إقليم كردستان لاستكمال مقومات الانفصال الاقتصادية، ورئاسة الجمهورية والحصول على غنائم المناصب السيادية، شروط معروضة في بورصة تشكيل الحكومة العراقية القادمة المفتوحة على جميع الاحتمالات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك