توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


فوز أوباما أنعش آمال العرب في تسوية سلمية معقولة للقضية الفلسطينية, ولكن فشله المضطرد وتراجعه عن الكثير من وعوده أسقط أي تعويل عليه. وركنت التحليلات العربية إلى أن الرجل لم يعد معنيا بتسجيل نجاحات خارجية, وبخاصة في شأن الصراع العربي الإسرائيلي بوجود لوبي صهيوني فاعل يمكن أن يفاقم فشله الداخلي.

فما الذي دعا أوباما الآن للاهتمام بما يسمى "إنقاذ المفاوضات المباشرة" -بين عباس ونتنياهو- رغم الجدل الذي تثيره عند من يفترض أنهم أصحاب المشكلة والراغبون بالتالي في حل, وهم الفلسطينيون بخاصة والعرب بعامة, والذي هو جدل عميق إلى حد أحوج من قبل منهم بتلك المفاوضات أن يتغطى بزعم أن أوباما شخصيا مارس عليهم ضغوطا غير مسبوقة؟!

الجواب أنه لا المفاوضات ولا أي حل مما يزعم أنها ستأتي به, ولا حتى سلام الشرق الأوسط, هو ما تجري محاولة إنقاذه.. وإنما يراد إنقاذ الهدف المرحلي من مسرحية المفاوضات هذه التي كتبت وأخرجت بأيد صهيونية, ويطلب من أميركا أداء الدور المطلوب منها فيها, بل وتوريطها بما هو أبعد من الشأن الفلسطيني مما تخططه إسرائيل للمنطقة.

"
لا المفاوضات ولا أي حل مما يزعم أنها ستأتي به, ولا حتى سلام الشرق الأوسط, هو ما تجري محاولة إنقاذه.. وإنما يراد إنقاذ الهدف المرحلي من مسرحية المفاوضات هذه التي كتبت وأخرجت بأيد صهيونية
"
فاللوبي الصهيوني, ممثلا بشخص دينس روس, هو الذي يرعى المفاوضات المباشرة الجارية. وقد أوردنا موجزا لسيرة حياة روس وما قدمه لإسرائيل من مواقع قرار أميركية, وذلك في مقالة لنا نشرت في "الراية" القطرية بعنوان "لا أسرار".

روس ذاك هو من جيء به من منصب مستشار خاص لوزيرة الخارجية ليصبح "مساعدا خاصا" لرئيس مجلس الأمن القومي ومديرا لما تسمى بدائرة "المنطقة الوسطى" التي تضم الشرق الأوسط و"الخليج الفارسي" وأفغانستان وباكستان وجنوب آسيا.

ومجلس الأمن القومي ذاك هو الذي صاغ ضمانات أميركا لإسرائيل. وغني عن القول إن دور روس من موقعه ذاك يتجاوز صلاحيات الخارجية الأميركية فيما يتعلق بتلك المنطقة التي تشكل إسرائيل وسياساتها التوسعية بؤرة توترها.

لا جدال إذا في أن كلا من نتنياهو وروس يمثل مصالح إسرائيل وينسقان كل خطوة وكل مقترح يقال إن أميركا تتقدم به. فعبارة "لا أسرار" تسمية أميركية أطلقت على كافة المفاوضات التي توسطت فيها أميركا وأدارها روس, وتعني أن كل ما تقترحه أميركا كان يمر أولا على إسرائيل لتبدي رأيها فيه.

ومن هنا يجب أن يفهم رفض إسرائيل لضمانات أوباما الأخيرة على أنه تكتيك يقصد به زيادة ما يقدم لإسرائيل.. وأن قرار لجنة المتابعة العربية إعطاء أميركا مهلة شهر لاستكمال محاولاتها استئناف المفاوضات، هو في الحقيقة إعطاء العرب مهلة شهر بلا فعل غير بلع الجرعة الأولى من السم.

في حين أن ليبرمان ومن يسمون متطرفين في الحكومة والكنيست قاموا باستباق المفاوضات بإقرار قانون قَسَم الجنسية, على طريق تأكيد يهودية الدولة والتمهيد لترانسفير عرب الـ48, مضافا لهم عرب أراضي الضفة التي تنوي إسرائيل ضمها.

وهذا يطالب به ليبرمان صراحة, ليس كعرض تفاوضي, بل كقرار إسرائيلي يجري تنفيذه أحاديا. فإذا كانت إسرائيل تملك أن تنفذ أحاديا كل ما تريده, فما الحاجة لمفاوض فلسطيني؟ ولماذا جُرّ عرب آخرون إليها تحت ذرائع مختلفة؟ لماذا استعجال مسرحية المفاوضات هذه وزعم أنها ستأتي بالحل المنتظر منذ أكثر من ستين عاما, مع التأكيد المسبق أن ذلك "الحل" لن ينفذ بل ستجري جدولته لأمد طويل؟

الاستعجال هو فقط لطيّ الصفحة الفلسطينية عربيا, والقفز لمخططات إقليمية أكبر يراد للعرب أن يكونوا أدوات فيها, وليس حتى حلفاء, فلا صيغة لتحالف ترد في أية ورقة أو إجراء أو تصريح (وإن هُمس به مشافهة لأحد يكون ساذجا لو صدق), بل إن أرضهم مرشحة لتكون أرض المعركة المحروقة, بعد حرق "وجودي" لكامل الأرض الفلسطينية بحسب الترتيبات المعدة لها والتي تأتي باسم "ضمانات" أميركية.

ولهذا نجد أنه قبل الشروع في هذه المفاوضات, تعمدت إسرائيل إعلان نيتها البقاء في مستوطنات الأغوار, بل وأعلنت عن جزء من مخططاتها لتسليح وتقوية حدودها الشرقية تلك استعدادا لمعارك ستخوضها, ليس مع الأردن حتما, بل عبره وعبر غيره.

فكل ما تسرب من الضمانات الأميركية لإسرائيل يبين أن هذه أبعد بكثير من مجرد ورقة ضمانات لمخرجات المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية. هي قفزة إستراتيجية في العلاقات الأميركية الإسرائيلية يجري فيها تسليح نوعي لإسرائيل (يتزامن مع تسليح أقل بكثير لبعض الدول الخليجية ولكن بأسعار أعلى بكثير) وتبني والتزام وانخراط أميركا في مخططات إسرائيل لكامل المنطقة التي تضعها أميركا في "دائرة" أمنية واحدة, مما يلزمه إلحاق العالم العربي بإسرائيل عبر ما يسمى بالتطبيع. وكله يفصله الشق السري من الرسالة, ولكن ضمان أميركا للتطبيع العربي الكامل مع إسرائيل يأتي ضمن المعلن, مقابل قبول إسرائيل بالتفاوض فقط وليس مقابل "حل" القضية.

أما الجزء المتعلق بفلسطين وضمان أميركا لنتائج تفصيلية للمفاوضات المباشرة, فهو ينفي صفة التفاوض صراحة عما يجري, كما أنه ينفي صفة "الحل" وينقلب عليها بتكريس غير مسبوق لحالة احتلال بتحويلها لحالة حصار لسجن كبير.

"
أميركا تتدخل ولكن لتضمن للطرف المعتدي الأقوى نتائج تفاوضه, ثم تسرب أنه لم يرض بما قدمته, فيمدد لها العرب شهرا علها تفلح في إنقاذ مثل هذه المفاوضات
"
فبداية تلك الضمانات تخالف تماما ما قاله أوباما وكررته وزيرة خارجيته من أن أميركا لن تتدخل في المفاوضات وأن كل القضايا المختلف عليها يعود للطرفين المتفاوضين الاتفاق عليها. وهو ما ينفي لزوم الوسيط إن كان من هم تحت الاحتلال والأسر والحصار والمشردون في أصقاع الأرض سيتركون في مواجهة قوة الاحتلال تلك, مما لا يجوز في فقه القوانين كلها ولا يعتد قانونا بنتائجه باعتباره إذعانا بالإكراه.. فإذا بنا نكتشف أن أميركا تتدخل ولكن لتضمن للطرف المعتدي الأقوى نتائج تفاوضه, ثم تسرب أنه لم يرض بما قدمته, فيمدد لها العرب شهرا علها تفلح في إنقاذ مثل هذه المفاوضات.

وكمثال مما ستضمنه أميركا لإسرائيل باعتباره ناتجا عن "تفاوض" الطرفين والذي سيجري "إنقاذه" ليحقق مثل هذه النتيجة, ضم المستوطنات الكبرى كلها لإسرائيل.. وموافقة أميركية على مخطط إسرائيلي لحفر أنفاق وبناء جسور تكون تحت سيطرة إسرائيل لربط محافظات الضفة الغربية التي ستكون منزوعة السلاح تماما.. وأن تكون كل المعابر التي تصل تلك المحافظات (الكنتونات) بالمحيط العربي تحت سيطرة إسرائيل, مما يساعدها على تفتيت الضفة وحصارها بالمعابر والأنفاق كما هو حال التنقل بين مباني سجن واحد كبير, وبحيث لا تستطيع قوافل الإغاثة أن تصل لأي جزء منه تقرر إسرائيل حصاره, مستفيدة حتما من تجربتها في حصار غزة ونقاط الضعف في ذلك الحصار.

ولافت هنا أن هذه تغييرات فورية وتتعلق بجزئية واحدة هي "أمن إسرائيل" والذي يشار بوضوح (عبر الحديث عن مستوطنات الغور والحدود الشرقية) إلى أن الجزء الأكبر من ذلك الأمن لا يتحقق إلا بالامتداد الإقليمي.

وطلب إسرائيل ضمانة أن يكون هذا "الحل" الذي تفرضه هي طويل الأمد هو تعليق لتلك الحالة في الضفة لحين إعلانها واقعا جديدا على الأرض لا حل له سوى إطلاق سراح أفواج من المسجونين فيه للدولة, أو الدول, المجاورة.. أو ربما لمناطق أبعد نتيجة إعادة ترسيم حدود الأمن القومي الإسرائيلي المتمدد بطريقة سرطانية فيما نحن ننظر إلى خرائطه الآن.

فالاستيطان ليس سوى جزء من ذلك التمدد, مع ملاحظة أن إسرائيل لن تسكن مواطنيها في المناطق الحدودية وهي التي بنت جدارا لتحديد "خطها الأخضر".

دليل هزلية المشهد القائم بما لا يليق بمصير شعب ووطن وأمة بأسرها, أن المطلوب من إسرائيل مقابل هذه التنازلات التاريخية لم يعد حتى تمديد وقف البناء في المستوطنات لشهرين. فالحديث يستمر عن تمديد لنهاية نوفمبر/تشرين الثاني المقبل بينما يجري قضم تلك الفترة بالتباحث والتشاور وإرسال التطمينات والضمانات لإسرائيل. وليس من باب الإيثار ولا حتى المجاملة مداولة السلطة الفلسطينية والعرب لمقولات "نقبل بما يقبل به الأشقاء الفلسطينيون.. ونقبل بما يقبل به الأشقاء العرب", بل من باب "دفن القضية الفلسطينية سوياً وإضاعة دمها بين القبائل".. والقبائل المجتمعة في سرت لم تواجه هذا, بل هربت إلى "تطوير عملها المشترك".. مشترك في ماذا إن لم يكن في هذه؟؟ وإلى "إنشاء رابطة الجوار".. أي جوار يأمن لنا إن قبلنا أو مجرد سكتنا عن مثل هذه الترتيبات؟؟

روس يمثل إسرائيل ومصالحها, وليس حتى مصالح أميركا.. وأميركا "الدولة" قررت ضمان مخرجات إسرائيل من المفاوضات بكل تفاصيلها.. فمن الذي يمثل "الحقوق" الفلسطينية و"المصالح" العربية في هذه المفاوضات العجائبية؟؟ الإجابة: لا أحد, لا أحد بتاتا!!

ولكن ليس غياب المفاوض العربي هو المشكلة, بل وجوده الملتبس في غياب المفاوض الفلسطيني. فلا مجال, لا قانونيا ولا سياسيا ولا تاريخيا ولا حتى مجازيا, لزعم شرعية تمثيلية "للسلطة" المفصلة على يد يهود صهاينة من أمثال كيسنجر ودينس روس في كامب ديفد عام 1978, قبل عقد ونصف من توريط عرفات فيها, ومنتهية الصلاحية بعد خمس سنوات من أوسلو حسب نصوص أوسلو ذاتها, وبعد استبدال عباس بعرفات في مسلسل معروف قاده روس ذاته, ثم بتر حماس الحائزة على أغلبية منتخبة لصالح انفراد عباس, والتمديد لعباس بقانون من وضعه, مضافا له مثله الذي جرى لمنظمة التحرير بل وفتح ذاتها.. ناهيك عن قول عباس إن شرعية سلطته "تعاقدية" مع المحتل وليس مع الشعب الفلسطيني!!

وحتما ليست حماس هي ممثل الشعب الفلسطيني وإن كانت مساحة تمثيلها أوسع بكثير مما يتاح لعباس زعمه. ولا الفصائل المجتمعة في سوريا تتأهل وحدها لتمثيل هذا الشعب في هذه المرحلة, وإن كانت تمثل نواة جسم تمثيلي. ولكن حتى كل هؤلاء مجتمعين لا يمكن لهم التوقيع على مثل هذه النتائج أو حتى القبول بالذهاب لمثل هذه المفاوضات.

وحديث التمثيل الفلسطيني ذو شجون فرضها تراكب المآسي والمؤامرات والأخطاء على خارطة القضية. ومن أهم مقارباته المغفلة لأسباب شعاراتية وخطابية وعاطفية أصبحت تشل الحراك الفلسطيني, أنه قد جرت في الواقع قسمة للشعب الفلسطيني لمجاميع باعتبار أحواله التي تتناولها تلك الحلول, وليس في كينونته وحقوقه التاريخية.

ولكن الخلط المتعمد لأحوال متباينة وطلب ممثل واحد لها, هو تسطيح متعمد لاستبدال موافقة شعب بملايينه العشرة على تسوية تتضمن تفاصيل متعددة ومتنوعة بل ومتباينة أحيانا يكمن فيها ألف شيطان وشيطان, بتوقيع "قيادة" فلسطينية تختصرفي النهاية لشخص واحد.

"
لحين يعيد الفلسطينيون إنتاج أول جسم تمثيلي لهم يتأهل للتفاوض في التسويات, يتعين كشف أن ليس هنالك تمثيل فيما يجري لا للفلسطينيين ولا للعرب, بل إن من يزعم أنه يمثل "الراعي" الأوحد هو الذئب في ثياب الجدة
"
والمفارقة أن مثل هذا لا يجري في إسرائيل الموحدة على مشروعها الصهيوني والمتاح لآخر مستوطن جرى استيراده المشاركة حقيقة في أكبر وأصغر قرارات الدولة, بل هي تستثمر خلافاتها واختلافاتها لتبني القرارت الأكثر تشددا.

فمما يجب التوقف عنده, مثلا, من تلك المجموعات ذات المتطلبات "الظرفية" المختلفة وإن لذات الحقوق التاريخية الجامعة, هم عرب الـ48 الذين أولويتهم تتمثل في المطالبة بحقوق مواطنة كاملة, ومنع كل ما يعرضهم لاحقا للترانسفير. وهذا غير مطالب أهل الضفة والتي تتباين في بعض مفاصلها عن مطالب أهل غزة, ومطالب مجموعات عدة في الشتات العربي والعالمي لا يمكن القفز عن خصوصيتها التي تصب ولا تتناقض مع شمولية وكلية القضية الأصل.

وهو ما يستدعي قيام تنظيمات فلسطينية على مستويات عدة تتراكب مع بعضها بعضا ولكنها لا تتطابق بحيث يقرر الفلسطيني، الذي يعيش مواطنا كامل الحقوق في أوروبا مثلا أو في إسرائيل حيث تنزع حقوقه بقانون, أن المقاومة المسلحة لفلسطيني آخر في الضفة أو القطاع تنزع حقوقه بل وروحه وأرواح أبنائه بالسلاح.. إرهاب.

وأقله الأجدر بالاقتداء به أن يهودا مثل روس وكيسنجر ومارتن إندك ووولفيوتز وأولبرايت.. ضمن قائمة طويلة من الساسة الأميركان, كلهم وثيقو الصلة بالصهيونية حتى من تستر منهم على يهوديته ذاتها, جميعهم لم يجدوا غضاضة في تنوع توصيفاتهم, بدءا بمواطنتهم الأميركية, ووظفوا دوائر التنظيم والعمل المتراكبة وحتى المنفصلة تماما -وبعضها اختلقوه هم بزعم أنه أميركي صرف- لخدمة إسرائيل التي لا ينوون العودة إليها.. ولم يحزنهم أنهم دعوا "كارهين للذات" (كما دعي روس مرارا) من يهود آخرين في إسرائيل.

ولحين يعيد الفلسطينيون إنتاج أول جسم تمثيلي لهم يتأهل للتفاوض في تسويات بهذا الحجم, يتعين كشف أن ليس هنالك تمثيل فيما يجري لا للفلسطينيين ولا للعرب, بل إن من يزعم أنه يمثل "الراعي" الأوحد هو الذئب في ثياب الجدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك