بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية


بتوقيع الرئيس الروسي ميدفيديف مرسوما يحظر تصدير منظومات أسلحة متطورة لطهران من بينها صواريخ أس 300 عقب انتقادات لاذعة انهالت عليه من قبل واشنطن وتل أبيب جراء صفقة الصواريخ الروسية الأخيرة لسوريا، يكون الكرملين قد وضع بذلك نهاية، ولو مؤقتة ومرحلية لجدل إستراتيجي ممتد وحامى الوطيس التحمت في غماره كل من إيران وروسيا وإسرائيل والولايات المتحدة بشأن صفقة الصواريخ الروسية الإيرانية المثيرة للجدل.

فبعد طول مماطلة أحاطت هذه الصفقة بسياج من الغموض، اتخذ الجدل حولها أبعادا جديدة أكثر إثارة بعد أن اخترقت غيوم التردد الروسي بشأن تنفيذها أنباء سربتها دوائر استخباراتية أميركية نهاية شهر يونيو/حزيران الماضي تفيد بإبداء واشنطن عدم ممانعتها تسليم موسكو صواريخ أس 300 لطهران مقابل موافقة روسيا على فرض جولة رابعة أشد وطأة من العقوبات على إيران، بغية تضييق الخناق عليها وإجبار نظامها على الانصياع للمطالب الغربية بشأن تجميد برنامج بلاده النووي. وهي التسريبات التي بددها إعلان موسكو تجميد الصفقة تجاوبا من جانبها مع جولة العقوبات الرابعة التي تضمنها القرار الأممي الجديد ضد إيران.

ورغم كون هذه الأنظمة الصاروخية تصنف على أنها "دفاعية" بحتة، فإن الصفقة الخاصة بها تكتسب أهميتها من التطورات والتغييرات التي يمكن أن تتمخض عن امتلاك طهران لها في موازين القوة بينها وبين وإسرائيل، وسط انسداد الأقنية الدبلوماسية لتسوية الأزمة النووية الإيرانية، وما يمكن أن تضفيه من صدقية على الإستراتيجية الردعية الإيرانية في مواجهة التهديدات التي تطلقها إسرائيل والولايات المتحدة ما بين الفينة والأخرى بتوجيه ضربة إجهاضية للمنشآت النووية الإيرانية.

"
بمقدور أنظمة صواريخ أس 300 بي أم يو1 المحمولة على عربات، جعل الأجواء الإيرانية منيعة يصعب اختراقها، خاصة أن في وسعها إسقاط الطائرات كما صواريخ كروز بما فيها العابرة للقارات ذات الرؤوس الحربية "
فبمقدور أنظمة صواريخ أس 300 بي أم يو1 المعروفة في الغرب باسم أس أي 20 المحمولة على عربات، جعل الأجواء الإيرانية منيعة يصعب اختراقها، خاصة أن في وسعها إسقاط الطائرات كما صواريخ كروز بما فيها العابرة للقارات ذات الرؤوس الحربية بمدى يصل إلى 144 كيلومترا وعلى ارتفاع 90 ألف قدم، أي ما يعادل 27 ألفا و432 مترا، هذا علاوة على إمكانية إطلاقها ضد أهداف على ارتفاع يصل إلى 150 كلم، وتتجاوز سرعتها الكيلومترين في الثانية.

وبناء عليه، فمن شأن امتلاك إيران لمثل هذه الصواريخ أن يعقد بشكل كبير الحسابات الأميركية والإسرائيلية فيما يخص القيام بأي عمل عسكري محتمل ضد إيران.

ويمكن فهم التغير في الموقف الروسي حيال طهران مؤخرا في ضوء تطورات أربعة مهمة تداعت على التوالي خلال العام الجاري، بدءا بقرار الرئيس الأميركي باراك أوباما مطلع الخريف الماضي تجميد إقامة محطات للدرع الصاروخي الأميركي في وسط وشرق أوروبا، مرورا بإعلان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في شهر فبراير/شباط الماضي نجاح بلاده في رفع نسبة تخصيب اليورانيوم محليا من 3،5% إلى 20%، وإبدائه عزما أكيدا على الوصول بتلك النسبة إلى مديات أبعد مع إنشاء المزيد من المواقع النووية، وتوفير عدد أكبر وأكثر تطورا من أجهزة الطرد المركزي.

ثم زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو لموسكو في الشهر ذاته وعقب تلك الخطوة الإيرانية المثيرة مباشرة، وممارسته ضغوطا مكثفة على موسكو لحملها على تأييد أي خطوات عقابية تصعيدية ضد إيران من جانب، وتجميد أي دعم عسكري روسي لطهران بمقدوره الإسهام في تطوير البرنامج النووي أو الصاروخي للأخيرة، أو الارتقاء بقدراتها الدفاعية أو الهجومية. وانتهاءً بالهجوم الذي شنه الأميركيون والإسرائيليون على موسكو بجريرة صفقة الصواريخ الدفاعية الأخيرة والمثيرة لدمشق.

ويمكن القول إن الحرص الروسي على توظيف المسألة الإيرانية في سياسات موسكو الخارجية قد بدا جليا في موقف الكرملين من هذه الصفقة، التي أبرمتها موسكو مع طهران في عام 2005، ولم يتم تسليمها حتى الآن رغم أن موعد تسليمها كان في مايو/أيار2009.

وهى الصفقة التي تتعامل معها موسكو كورقة مساومة سياسية مع الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب، فلا هي من جهة تتخلى كلية ونهائيا عن الصفقة التي أعلن الكرملين أن العقد المبرم بشأنها لم يفسخ ولا يزال ساريا، ولا هي من جهة أخرى تقوم بتنفيذها وتسليم الصواريخ لطهران ولو على نحو جزئي أو مرحلي.

وبكلمات أخرى، يمكن القول إن تحولات الموقف الروسي بشأن التعاطي مع إيران وأزمتها النووية إنما تطوي بين ثناياها حرصا روسياً على الإمساك بالعصا من المنتصف، بمعنى بلوغ غايات ثلاث:

أولاها، الإبقاء على وشائج التقارب والتعاون بين موسكو وطهران، التي تحقق موسكو من خلالها مكاسب إستراتيجية واقتصادية مهمة ليس أقلها الاحتفاظ بموطئ قدم روسي في المياه الدافئة بالخليج العربي.

كما تجد موسكو نفسها بحاجة للإبقاء على مبيعات السلاح الروسية لإيران بغية الحصول على الاحتفاظ بمصدر دخل مهم، لاسيما أن اتفاقية عام 1995 الشهيرة التي وقعها نائب الرئيس الأميركي آل غور ورئيس الوزراء الروسي فيكتور تشرنومردين والتي نصت على عدم بيع أي أسلحة روسية أو تكنولوجية متطورة لإيران، صارت تشكل عبئا وخسارة على موسكو التي وعدتها واشنطن بمكافأتها عليها عبر تعويضها عن السوق الإيرانية بأسواق أخرى أكثر رواجا حول العالم، لكنها لم تفعل.

"
موسكو تتعامل مع صفقة الصواريخ كورقة مساومة سياسية مع الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب، فلا هي تخلت كلية ونهائيا عنها ولا هي قامت بتنفيذها وتسليمها لطهران ولو على نحو جزئي أو مرحلي
"
هذا التصرف دفع موسكو في نهاية عام 2000 إلى التخلي عن هذه الاتفاقية وإبرام عدة اتفاقات علنية وسرية مع طهران يتم بموجبها تطوير الأسلحة الإيرانية -بما فيها صواريخ شهاب- وتزويد طهران بأسلحة حديثة، وتدريب كبار الضباط الإيرانيين لدى المؤسسات العسكرية الروسية، فضلا عن تسليم طهران مفاعل بوشهر النووي وتشغيله قبل أسابيع.

وهذا ما ساعد إيران على الاحتفاظ بموقعها الراسخ منذ الثورة الإيرانية عام 1979 كثالث أكبر مشتر بعد الصين والهند، للسلاح السوفياتي ومن بعده الروسي.

أما ثانيتها، فتتجلى في الإبقاء على الورقة الإيرانية كأداة مساومة في التفاوض مع واشنطن وحلفائها الغربيين، بما يتيح لموسكو إحراز نجاحات في مفاوضاتها مع تلك الأطراف حول ملفات وقضايا بالغة الأهمية بالنسبة لأمن روسيا ومصالحها الإستراتيجية، فضلا عن تحسين وضعها في المنظومتين العالمية والغربية مستقبلا، وكبح جماح التدخل الأميركي في الشأن الداخلي الروسي من خلال انتقاد أوضاع الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات في داخل روسيا، وكذا تحجيم الدعم السياسي والعسكري الأميركي لأوكرانيا وجورجيا، إلى جانب تهدئة التوترات مع الناتو ووقف الدرع الصاروخي الأميركي في أوروبا.

وإضافة إلى ما سبق، ترمي موسكو إلى تحقيق تقدم في مفاوضات ضبط التسلح الإستراتيجي مع واشنطن بما يتماشى والمصالح الروسية في هذا الخصوص، لاسيما عودة التوازن الإستراتيجي بينها وبين الولايات المتحدة.

كما تسعى موسكو لإجهاض مساعي واشنطن وبعض حلفائها الغربيين إلى عزل روسيا سياسيا ومحاصرتها إستراتيجياً وتهميشها داخل الناتو، وضمن أمن الطاقة وعمليات أفغانستان التي تضطلع روسيا فيها بدور لوجيستي حيوي، لا تتورع واشنطن عن البحث عن بديل له مستعينة بحلفائها المقربين في المنطقة من أمثال أوكرانيا وتركيا.

وثالثتها، تهدئة مخاوف الدول الكبرى وكبح جماح نزوعها باتجاه اتخاذ إجراءات تصعيدية أشد صرامة ضد إيران، فلقد أكد مسؤولون ومحللون روس أن دعم موسكو للعقوبات الجديدة ضد طهران ورفضها تسليمها صواريخ أس 300، إنما يهدف إلى مساندة الرئيس الأميركي باراك أوباما على منع إسرائيل من اتخاذ خطوات أحادية تجاه طهران فيما يتصل بتوجيه ضربة عسكرية لتقويض برنامجها النووي.

وتشير مصادر قريبة من الكرملين إلى أن موسكو تلقت تحذيراً واضحاً ولا يقبل الجدل من الجانب الإسرائيلي بأن تسليم طهران تلك الصواريخ حالياً، يعني أن خيار الحرب قد بات حتمياً.

بيد أن تفاقم أجواء عدم الثقة التي أضحت تلف العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة وحلفائها الأطلسيين خلال الآونة الأخيرة، وما استتبعه من تنامي أهمية إيران بالنسبة لروسيا كورقة تفاوضية مهمة لمساومة الغرب والضغط عليه وابتزازه إن تطلب الأمر ذلك، لم يكن ليزج بموسكو في غياهب صدام غير مرغوب فيه مع الغرب، إذ عمدت إلى الإبقاء على سقف تطلعات الإيرانيين بشأن الدعم الروسي المتوقع لموقف بلادهم، التي لم تزل حليفا تكتيكيا ووظيفيا لروسيا في مواجهة الغرب، وشريكا متواضعا إلى أدنى مستوى ممكن بما لا يشكل عبئا إستراتيجياً أو سياسيا على موسكو يؤثر بالسلب على مساعيها لمد جسور التفاهم مع الغرب، الذي سيبقى شريكا إستراتيجياً لروسيا لا تبدو مستعدة لخسرانه أو الاصطدام به على الأقل في الأمد المنظور.

ومن ثم جاءت الموافقة الروسية على قرار العقوبات الجديد ضد إيران، ومن بعده إعلان تجميد صفقة صواريخ أس 300 المثيرة للجدل.

ولعل تصورا كهذا هو ما حمل دوائر إستراتيجية مهمة في كل من موسكو وطهران على المطالبة بمراجعة العلاقات بين البلدين، في ظل أجواء التشكيك التي تخيم على رؤية تلك الدوائر للأهمية التي يمثلها كل من البلدين للآخر.

ففي حين تتوجس طهران من جدية واستمرارية الدعم الروسي لها سياسيا وعسكريا وتكنولوجياً، ترى دوائر أمنية روسية مهمة أن إيران عبء إستراتيجي عليها وترفض تحولها إلى دولة نووية، وهى الدولة المسلمة ذات الطموحات الإقليمية والامتدادات الحضارية الممتدة بطول الحدود الروسية وفي أعماق آسيا الوسطى والقوقاز.

لاسيما وأن طهران لم تنجح بعد في تبديد مخاوف موسكو من استغلال دوائر أمنية واستخباراتية إيرانية للنفوذ الإيراني والصلات الإيرانية بالدول والجماعات المسلمة في آسيا الوسطى والقوقاز -وربما روسيا نفسها- لتأجيج التوترات وتشجيع حركات التمرد ضد موسكو في الفضاء الإسلامي ما بعد السوفياتي.

ويبدو أن طهران من جانبها تتفهم هذا الأمر جيدا، حيث تضطرها حالة العزلة الدولية المفروضة عليها إلى الاستمرار في علاقاتها "الوظيفية" مع روسيا، إبقاءً على الدعم السياسي والعسكري والتقني اليسير والمشروط وغير المتصل الذي يمكن أن تحصل عليه منها في مثل هذا الظرف الدولي القلق.

"
النظام الإيراني في إدارته للعلاقات مع موسكو، يمضي قدما في تبني إستراتيجية الرهان على التحولات الظرفية، التي تطوي بين ثناياها توترات متجددة في العلاقات بين روسيا والغرب
"
فبرغم تأكيدها استياءها البالغ من تصويت موسكو في مجلس الأمن الدولي لمصلحة تمرير القرار رقم 1929، الذي أقر جولة رابعة من العقوبات ضد إيران، وإلغائها صفقة صواريخ أس 300، أكدت الأخيرة أن لا قرار لخفض العلاقات مع روسيا.

ولعل النظام الإيراني بإدارته تلك للعلاقات مع موسكو، يمضي قدما في تبني إستراتيجية الرهان على التحولات الظرفية، التي تطوي بين ثناياها توترات متجددة في العلاقات بين روسيا والغرب، حيث يترقب تطورات دولية أو مستجدات إقليمية من شأنها أن تسفر عن انبعاث التوترات بين موسكو من جهة وواشنطن وحلفائها الغربيين من جهة أخرى، على نحو يدفع بموسكو نحو إعادة إنعاش علاقاتها بطهران توطئة لتوظيف الورقة الإيرانية في مواجهة الخصوم الغربيين، عسى أن يفضي مآل الأمور يوما ما إلى اضطرار الكرملين لتسليم صواريخ أس 300 لطهران ردا على أي استفزازات أو صفعات غربية لموسكو.

وذلك تحسبا لحالات مشابهة مثلما جرى مع محطة بوشهر النووية في شهر أغسطس/آب الماضي، ردا على معاودة واشنطن إقامة درع صاروخي جديد في شرق أوروبا، وقيام الوزيرة كلينتون بجولة في دول الفضاء ما بعد السوفياتي أعادت خلالها العلاقات الروسية الأميركية إلى زمن الحرب الباردة، لاسيما أن الكرملين قد أرفق إعلانه مجددا تجميد صفقة الصواريخ لموسكو قبل أيام بتأكيد تمسكه بالإبقاء على العقد المبرم بشأنها.

المصدر : الجزيرة