مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


عودة الثورة الفلسطينية والعهد الجديد
حرب الأساطيل مركزية المعركة

هناك مفارقتان متوازيتان في قضية الحرب العالمية على غزة، وهما تسلسل المنهجية العالمية لحصار وتصفية القضية الفلسطينية، والحرب العالمية مع غزة التي مثلتها أساطيل الحرية.

فمنذ أن فسحت أوسلو لإقامة الانتخابات التشريعية في الضفة وغزة وشاركت بها حماس دون القبول بمرجعية مشروع أوسلو كان لهذا التشديد على حماس مدار محدد كهدف لهذا التنظيم العالمي المتمثل في واشنطن وحلفائها الغربيين وتل أبيب ومجموعة تفويج السلام الموسمي في حركة فتح.

هذه المجموعة التي شكلت متطلبا للمشروع الإسرائيلي وحاجة له ودعمتها دائرتان في النظام الرسمي العربي, الأولى دول المواجهة للمقاومة، وهي المفارقة التاريخية أن الطوق القائم في حدود فلسطين أضحى بصورة أكبر من أي تاريخ سياسي سابق طوقا لمواجهة المقاومة لا لمواجهة تل أبيب وبعداء شرس, وأما الدائرة الثانية فهي دائرة النظام الرسمي العربي الداعم بقوة إمكانياته لحركة خنق غزة.

هذا التشكيل الدولي والعربي كتنظيم عالمي هو المقصود بمصطلح الجدار الإرهابي في مقالتنا، وكنتيجة له نفذ جدار إسرائيل وجدار الحدود المصرية بنفس المخطط ونفس المسار المتحد جنبا إلى جنب مع الإستراتيجية الدولية لتصفية القضية الفلسطينية.

لكن الإشكال الخطير الذي واجهه الجدار الإرهابي رغم نجاحه في تحقيق أعلى حالات الإبادة والتجويع لشعب غزة وجمهور المقاومة هو استيقاظه على حقيقة دراماتيكية مهددة لسياقه الإستراتيجي في تصفية القضية الفلسطينية, فاستعراض المراقب المحايد سيخلص إلى مسألة هامة جدا في مضمار التاريخ المركزي للقضية الفلسطينية انتهت إليه دورات الحصار والحرب والخنق الذي نفذه الجدار الشامل, ولكن لا بد من الالتفات إلى الوراء لإدراك معنى هذا الانقلاب.

عودة الثورة الفلسطينية والعهد الجديد
إن ملخص تجربة المقاومة الفلسطينية أنها مرت بمراحل صعبة من انشقاق الفصائل واختراقها من النظام الرسمي العربي وتوريطها في معارك وصراع سياسي وأيديولوجي بين معسكرات الخارج، وهو ما كان تمهيدا لتصفية قيادات الممانعة، ومنهم خليل الوزير أبو جهاد وصلاح خلف أبو إياد وأبو عمار، كون الأخير قد ورط المشروع التصفوي حين بدا فعليا ينقلب على أوسلو، رغم انخداعه به في البداية.

"
رغم كل ما واجهته المقاومة الفلسطينية القومية واليسارية والإسلامية في ثوبها القديم فإنها ظلت تشكل عاملا مقلقا لأركان التنظيم العالمي (واشنطن وحلفائها) وبقيت شاهدا في سجل شهدائها يمثل حلقة أساسية من تاريخ مقاومة المشروع الصهيوني 
"
ورغم كل ما واجهته المقاومة الفلسطينية القومية واليسارية والإسلامية في ثوبها القديم، فإنها ظلت تشكل عاملا مقلقا لأركان التنظيم العالمي الذي ذكرناه، وبقيت شاهدا في سجل شهدائها يمثل حلقة أساسية من تاريخ مقاومة المشروع الصهيوني، لذا عمل على اختراقها من الداخل.

لكن في نهاية الأمر ثبت أن إعلان الجزائر كان يحضر لما بعده بقوة وباستدراج منظم واختراق وتقديم لشخوص وتصفية شخوص أخرى تحضيرا لما وصلت إليه أوسلو كمشروع مركزي يحلم به التنظيم العالمي لإنهاء مشروع الوجود الفلسطيني وتصفيته تدريجيا في تعويم ديمغرافية الشتات فكريا وسياسيا وبعثرة الباقين في الضفة وغزة في مشروع كامبوند فلسطيني متعدد تخترقه المستوطنات ينتهي إلى فلسطين كجزء تراثي لمتحف وعامل وحراثة في دولة إسرائيل القوية العظمى.

وبالمناسبة لو أننا لاحظنا ما يسوق له حاليا من فريق أوسلو والجامعة العربية فإننا سنجده ينتهي إلى هذا السبيل، وإنما الرفض والقبول للمفاوضات المتكرر يمهد لتسوية المسار نفسيا أمام الجمهور العام.

هنا ستبدو لنا الصورة واضحة في قضية انقلاب المشهد مركزيا على التنظيم العالمي المعادي لفلسطين, فانتصار حماس في الانتخابات كان الحلقة الأولى من الدحرجة العكسية المروعة للتنظيم العالمي المتحد مع تل أبيب, وحين تمت المناورة والتضييق والمطاردة الأمنية في غزة وظن التنظيم بأنه سيتحقق له خنق التمرد الصغير لحماس انفجر الوضع على سلطة أوسلو ولم تعد تستطيع أن تنفذ برنامج التنظيم ثم كرست حرب غزة بتوافق دقيق وكامل من التنظيم وما أعقبه من محاصرة الجدار الإرهابي بكل أطرافه.

كل ذلك كان مروعا للحركة التاريخية للمشروع الصهيوني قياسا بالمسار الزمني الذي احتاج له المشروع لإخضاع البيت العربي والفلسطيني لمرحلة التصفية التاريخية للقضية الفلسطينية، وبدأ عمليا يواجه تدحرجا يزحف على مساحته التي خطط لها في عقود، وهو ما يبدوا بارزا للغاية في مرارة التغطية الإعلامية الإسرائيلية وصعود الرعب مجددا في تصريحات فعلية تتحدث عن فكرة السقوط الكامل لإسرائيل.

خلال هذه الحقبة حققت حماس صعودا خارج حسابات المشروع الدولي كليا، وانتهت إلى تحولها من تنظيم إلى مشروع شعبي شامل تصاعد جماهيريا بكثافة ليتحول إلى ما يقارب شعبا كاملا في غزة يمثل المشروع وشعبية جارفة في الضفة الغربية. والأخطر على تل أبيب -ورغم كل الضغوط- صعود حركة عرب 48 وبشخصية أسطورة الأقصى رائد صلاح، وتحولها ديمغرافيا كجزء من الجمهور العام لحركة الثورة الفلسطينية الجديدة التي حولت حماس من حركة إلى قيادة للثورة الجديدة وقاعدة أضحى فيها إسماعيل هنية وفي دهشة وحسرة من التنظيم العالمي إلى قائد عام للثورة الفلسطينية بعمقها الفلسطيني والعروبي والإسلامي الجديد الذي مثلته حماس.

وتكرست سلسلة الشهداء في قياداتها وعائلاتهم كعنصر قوي يجذر لشعبيتها، رغم حجم الألم التاريخي والمعاناة والتذمر المشروع والمفهوم من الحصار والتجويع التاريخي لغزة, وأضحى فلسطينيو الشتات في الغرب وفي الوطن العربي يلتفون مع قائد الثورة الفلسطينية الجديد، في حركة عفوية أضحت تربط قائد الثورة وحماس بفلسطين، وتربط فريق أوسلو عفويا بتل أبيب، وكأنما عزل هذا الجسم تنفيذيا عن القضية وأردف بالمشروع الإسرائيلي.

"
حقّقت حماس صعودا خارج حسابات المشروع الدولي كليا، وانتهت إلى تحولها من تنظيم إلى مشروع شعبي شامل تصاعد جماهيريا بكثافة ليتحول إلى ما يقارب شعبا كاملا في غزة
"
ما ذكرناه يعد كارثة تاريخية كقراءة لأصل المشروع الصهيوني وما وصل إليه وكيف وضعه الآن, ولذلك فإن دفع عمر سليمان لحركة فتح للتوجه إلى دمشق والجلوس مع قيادة حماس السياسية يأتي بعد سلسلة من الانتكاسات عاشها الجدار الإرهابي واضطراره للتعامل مع هذا الواقع المروع بالنسبة له، رغم أنه تكتيك يخالف الخط العام الذي اعتمده التنظيم العالمي لمواجهة غزة, وهذا لا يعني هزيمة الجدار الإرهابي كليا، فمدارات الحصار والحرب لا تزال مفتوحة، لكننا نقصد سلسلة الخسائر التي تعرض لها التنظيم العالمي وذراعه التصفوي عبر مسمى مشروع السلام.

وكانت خطوة الإعلان عن إنشاء الهيئة الوطنية للدفاع عن الثوابت الفلسطينية التي عقدت مؤتمرها المركزي في بيروت في سبتمبر/أيلول المنصرم قد مثلت تجسيدا هاما للغاية يغطي مشروع المقاومة والوجود الفلسطيني عبر جهات وشخصيات كبيرة وعديدة تختلف في مسارها الفكري وتتحد مع حماس وإن اختلفت معها أيديولوجيا أو ثقافيا لكنها تدعمها كمشروع مركزي للثورة الفلسطينية أعادت مشروع التصفية إلى المربع الأول، وكان من الطبيعي أن يتصدر لهذا المشروع شخصية المفكر العربي الكبير د عزمي بشارة.

وهذه التغطية السياسية النوعية من خلال هذا المؤتمر تساهم بصورة كبيرة ودقيقة في تأكيد أن التنوّع الوطني الفلسطيني أعاد تنظيم مساره وخطه وحراكه نحو هدف محدد، هو إعادة التجديد لمشروع الثورة الفلسطينية ببعدها الجديد وتعزيز الالتفاف الوطني حولها عبر شخصيات الفكر والثقافة القومية والإسلامية واليسارية، وهي مرحلة مبادرة في حد ذاتها تُشكّل خسارة نوعية للمشروع التصفوي.

حرب الأساطيل مركزية المعركة
كل السياق الذي ذكرناه كان محاطا بدورات جديدة من الحصار للتنظيم العالمي المحاصِر لغزة والجامح لتصفية القضية الفلسطينية، وهي أجواء أعادت التذكير لا أقول بالعجز العربي، ولكن بالتقصير حتى من الأطراف التي تتعاطف مع الثورة الفلسطينية وقيادتها في حماس.

لكن الانكسار الضخم هو هذه الحملة العالمية التي تنطلق حاليا في شريان الحياة 5 وأسطول الحرية 2 لتتحول قضية شهداء الأسطول الأتراك روحا تدفع إلى حرب إنسانية مركزية مستمرة لم يحسب لها الجدار الإرهابي هذا الزخم، خاصة مع التصاعد المطرد الذي بدا مخيفا لأطراف عربية ودولية عِدة, فضلا عن ضغط تركيا الذكي المتصاعد على تل أبيب في قضية الإدانة والتعويض لشهداء تركيا كبرنامج مرهق للإسرائيليين ومحرج لأركان التنظيم يتقاطع مع حملة متواصلة من التواصل الإنساني العالمي مع المجتمع المدني العربي الإسلامي ومع جموع شبابية هادرة متواصلة لأول مرة تجد طريقا لفلسطين تحجز مقعدها مبكرا في إحدى رحلات هذه الأساطيل لتتحول القضية إلى حرب إنسانية أمام جدار إرهابي.

"
ضغط تركيا الذكي المتصاعد على تل أبيب يتقاطع مع حملة متواصلة من التواصل الإنساني العالمي مع المجتمع المدني العربي الإسلامي ومع جموع شبابية هادرة لتتحول القضية إلى حرب إنسانية أمام جدار إرهابي
"

وكان هذا التوحد مع الغزو الإنساني لتحرير غزة قد أحرج النظام الرسمي العربي المعروف بإرهابيته الأمنية ضد مواطنيه، ولكنه وجد حرجا كبيرا كون مواطنيه يعتمرون مظلة إنسانية تعترف دولهم بأنهم مواطنون لا تمس إنسانيتهم، ومن يفعل هو من يخضع لطائلة القانون، فيما كان من الصعب أن يمرر غالب النظام الرسمي العربي أي حالة تضامن كونه في الأصل يتعامل مع مواطنه خارج إطار العرف الإنساني.

فأضحت هذه التوأمة في ذاتها بعدا مركزيا مقلقا وسلاحا فعالا يحقق تصدعا تدريجيا في الجدار الإرهابي, في وقت يُشدد فيه التنظيم العالمي حصاره ويفتقد العرب المتضامنون أي قدرة للحراك، فيأتيهم هذا السبيل من حيث لم يحتسبوا، لتتحول حرب الأساطيل إلى كابوس للجدار الإرهابي يتزايد ويوحد العالم إنسانيا تحت شعار كلمة السر للخلاص والحق الإنساني قد توحدت... إنها باختصار غزة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات