مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


 
أيّا كانت المقدمات التي صنعت أحداث التاسع من محرم وما أعقبها في كبرى المدن الإيرانية الرئيسية انتهاءً بمصادمات طهران العنيفة، فهي الآن وباعتراف مباشر لبعض المحللين الإيرانيين الذين خرجوا على قناة الجزيرة والعربية، وهم في العادة مقربون من مؤسسات الحكم ويسمح لهم بالخروج المستمر في وسائل الإعلام، فخلاصة ما ذكروه مع حشد من الشهادات المنقولة من وسائط الإعلام الحديثة ورأي المراقبين هو أن الانكسار الآن في تاريخ الثورة الإيرانية ومستقبل النظام أضحى متجها إلى مرحلة خطيرة تطرح السؤال الكبير: هل تواجه إيران فراغا تملؤه صراعات عنيفة هذا الأقل سوء أم أنها تواجه بالفعل قيام دولة على أنقاض النظام السابق؟

ومع أن هذا الأمر كان مستبعدا في تقديرات المراقبين فإنه بدأ يقترب, ولفت نظري حديث الزميل المحلل السياسي أمير موسوي عن رؤيته للتطور النوعي، وهو مستشار سابق لوزير الدفاع الإيراني وهو مقبول ومعتمد كمحلل سياسي من قبل السلطات الإعلامية الإيرانية, حيث رأى أمير موسوي أن العهد الجديد الذي عكسته دماء عاشوراء الأخير هو أنه يدخل من بوابة انتقال الجمهورية الإيرانية في تطورها الديمقراطي من عهد الثورة إلى عهد الدولة، وقد طرح ذلك من باب رؤيته للمشهد إيجابيا في داخل النظام الإيراني للجمهورية.

"
مراجعة المشهد الداخلي ومعرفة قوى الحراك الثوري المطالبة بالحريات وخاصة في ظل ملابسات رحيل منتظري وتطور حضور اليسار الإيراني تعطي أفقا مهما لما يجري على ساحة الصراع في إيران
"
لكن الإشكال الذي برز ولم يجب عليه أمير هو أن نوعية هذا التطور الذي ذكره تاريخيا لم تخلو من نماذج سُحل فيها الهيكل القديم خاصة أنه استشهد بالنموذج الأوروبي وتاريخ التطور الديمقراطي، فكيف سينضبط إيقاع هذا التحول وإلى أين ستتجه بوصلته من خلال بحر متلاطم من إشكاليات إيران داخل قومياتها وداخل تفاعلاتها الثقافية ومن وراء الحدود؟ وعليه ففي كل الأحوال فإن مراجعة المشهد الداخلي ومعرفة قوى الحراك الثوري المطالبة بالحريات وخاصة في ظل ملابسات رحيل منتظري وتطور حضور اليسار الإيراني بشقيه اليسار الديني والاشتراكي تعطي أفقا مهما لما يجري على ساحة الصراع في إيران.

فلم تستغرق أجواء النشوة وأنباء الارتياح في أوساط المحافظين طويلا، فقد اندلعت الصدامات منذ يوم تشييع منتظري الاثنين الحادي والعشرين من ديسمبر/كانون الأول وتعالت هتافات التمجيد له والإدانة للحكم وهي تبرز إشارات المستقبل لحركة الانقسام الإيراني. ففي تجارب الشعوب وعلم الاجتماع السياسي، رحيل المصلح والملهم لتيار فكري أو نضالي هو لحظة تاريخية لإعادة التبشير بمفاهيمه.

لكن تصاعد ذلك المد الاحتجاجي ودمجه في مراسم عاشوراء في الجمهورية الإيرانية التي تعتبر التمثيل الديني في مثل هذه المناسبة ينطلق من مرجعية النظام السياسي الديني، في حين اختط الثوار الخضر المدنيون، الذين قُتل منهم في هذا الموسم ثمانية اعترفت السلطات بأربعة منهم حتى الآن وجرح عدد غير معروف، اختطوا منهجا محرجا ومفاجئا للمحافظين حيث انضموا إلى المشهد الحسيني في تكريس لمفهوم مقاومة الاستبداد التي تعتبر قضية مركزية لكفاح الإمام الحسين وحُولت إلى المستبد القائم في إيران وهي مرجعية دينية تُقدمها مواسم الاحتجاج الأخضر على أنها ممثلة للاستبداد الديني الذي يخلق الاستبداد السياسي ويصطف مع أعداء الحسين، وكان تمسك الإصلاحيين بعزاء منتظري ومنهجه الناقد للاستبداد الديني في نفس مواسم عاشوراء انكسارا تاريخيا خاصةً مع انضمام عدد من تلاميذ منتظري الكبار لحركة الاحتجاج بعد أن دوهم عزاؤه وأهينت أسرته.

وآية الله منتظري الذي جُرد من هذا اللقب في الإعلام الإيراني الرسمي يحمل تاريخا من التصريحات والاحتجاجات على فكرة الاستبداد الديني وعصمة الإمامة السياسية الدينية التي تُقدّس رأس الحكم وتمنع من محاسبته عمليا، وهي ثقافة تتقاطع بقوة مع الشارع الإصلاحي المندفع سواء من وسط التيار الديني المؤيد لموسوي أو من خارجه أي المعارضة المدنية اليسارية المتزايدة في الحضور والاستقطاب.

"
آية الله منتظري يحمل تاريخا من التصريحات والاحتجاجات على فكرة الاستبداد الديني وعصمة الإمامة السياسية الدينية التي تُقدّس رأس الحكم وتمنع من محاسبته عمليا، وهي ثقافة تتقاطع بقوة مع الشارع الإصلاحي
"
ويكفي استحضار الخلاف الأول بين منتظري وبين الزعيم الراحل السيد الخميني ثم استدعاء آخر أهم تصريح له قبل رحيله حين قال إن الحكومة التي تقمع المظاهرات وتعذب المعتقلين لا تستحق البقاء، ومن ثم العودة إلى ركام من الاختلاف مع تطبيقات ولاية الفقيه التي عارضها وعارض في حينه عمليات الإعدام الضخمة مما أدى إلى عزله وتجريده من حق الخلافة من قبل الإمام الخميني وفرض الإقامة الجبرية عليه, فكل ذلك كان ضمن ثقافة الاحتجاج الكامنة ولكنّها أضحت متحركة الآن ككرة الثلج التي تندفع إلى المنحدر وتزداد قوة وشراسة في وجه قامعيها.

وتتبين لنا علاقة دفء الأفكار وحيويتها وثورية نظرياتها للراحل منتظري حين نستعرض وبقراءة مبسطة وتحليلية وضع الشارع الإيراني واندفاعه إلى برنامج عنيد في مواجهته لكل برامج الاحتواء التي حاول السيد خامنئي دعم حكومة نجاد بها ولكنّها لا تزال عاجزة عن إيقاف هذا البعث التاريخي في حركة المجتمع المدني الإيراني.

إن وضعية التمرد الثقافي والاحتجاجي في إيران تُحدد لنا علاقة هذه المبادئ التي أعلنها منتظري بدينامكية الشارع وجموح ثقافته الجديدة وهي تتركز في تطور حركة اليسار الديني المتصلة بالأستاذ الراحل علي شريعتي مفكر الثورة الإسلامية في إيران التي تعتمد الرؤية المدنية لتفسير الانتماء الديني وترفض بشدة هيمنة القداسة الغيبية للأفراد القائمين على السلطة وهي قناعة أضحت قوية في الشارع ومتعانقة وبتوافق وإن كان ليس كليا مع مواقف منتظري, ورحيله أضحى يصل هذه الجموع بدعواته المتكررة لرجال الدين بحرمة صمتهم عن تجاوزات النظام, وموته يُجدد الاستقطاب في حركة علماء الدين المتمردين على ثقافة ولي الفقيه وتطبيقاتها الاستبدادية أو المُلغية لنظرات العقل والاستنباط التجديدي.

فإذا ما أضفنا لذلك توسّع حركة الشارع اليساري وقوته في صفوف الطلاب والشباب بل وتزايد المنتقلين من تيار الإصلاح الديني للسيد مير موسوي إلى مطلق المعارضة التي تنادي بتغيير يتجاوز مؤسسات الثورة وتاريخها السياسي، فسندرك حينها معنى تفاعل قيم منتظري ورحيله في هذه المرحلة الحساسة من التاريخ الإيراني المعاصر, فلا ندري هل يستكمل المحافظون أنفاس الارتياح فيخمدون المد الجديد أم تنقطع أنفاسهم فجأة بصعود الاحتجاج ووصوله إلى غليان جديد يشعل ثورة لإسقاط الثورة.

إن هناك تساؤلات كثيرة على ارتدادات هذا الفراغ في تاريخ النظام الجمهوري الإيراني لها علاقات مباشرة بالمنطقة العربية فضلا عن تقاطعات وصرع طهران مع واشنطن وحلفائها، وهنا نحن نطرح مرحلة فراغ وليس سقوط شامل ولكونها ملفات متعددة وملتبسة فلا يمكن أن تستعرض إلاّ بمقالات منفصلة ومفصّلة ولكننا نعود لاستعراضها لاستشراف أين يعني انعكاس هذا الفراغ على مناطق الصراع العربية والإسلامية مذكرين بأن طموح إيران التاريخية وأطماعها في المشرق العربي كان حاضرا في العهد الإمبراطوري وهو قائم في النموذج الطائفي ولكنه أيضا لن يختلف في العهد الجديد إن جاء بالفعل أو شارك في الحكم، أي أن طموح الصعود مستمر حتى لو قام نموذج بديل فيما تبقى سيناريوهات صعبة لا يمكن أن نرجحها الآن كحالة تفكك أقاليم إيران لها أبعاد خطيرة على المنطقة لن تقف عند حدود الجمهورية الإيرانية.

"
مع أن واشنطن تسعى جاهدة إلى تحجيم الدور الإيراني لمصلحتها فإنها لا تملك أبدا بديلا موازيا لدور طهران وهو ما تطفح به الدراسات المتعلقة بهذا الشأن
"

ولعل الوجود الإيراني الضخم في العراق واتحادها مع مشروع الاحتلال قديما وحديثا في رعاية ودعم العملية السياسية مباشرة عبر الأحزاب التابعة لها أو من خلال ما تدفع به من توازنات أمنية مسلحة وسياسية واجتماعية من خلال الغطاء الطائفي الضخم لرعاية العملية السياسية على نسق المشروع الاحتلالي سيتعرض إلى انكسار واضح وفوضى واسعة، ومع أن واشنطن تسعى جاهدة إلى تحجيم الدور الإيراني لمصلحتها فإنها لا تملك أبدا بديلا موازيا لدور طهران، وهو ما تطفح به الدراسات المتعلقة بهذا الشأن وإشارات المسؤولين الأميركيين أنفسهم بأهمية الدور الإيراني لعراق ما بعد الاحتلال, لكن هذا الاختلال ستفيد منه المقاومة العراقية الإسلامية الوطنية ومشروعها السياسي، وهذا ما تخشاه واشنطن.

خاصة مع مواجهة واشنطن المتزايدة لآثار خسائرها الضخمة على يد طالبان وما يعني لها التوافق المُجدد مع طهران في الحفاظ على الحد الأدنى من صمود أمام احتمالية عودة طالبان وسقوط مرحلة كرزاي نهائيا, وتطور الوضع الداخلي سيجعل إيران تُفكّر في مصلحتها القومية بصورة مختلفة يفترض أن تدفعها للانسحاب من مشروع التحالف مع واشنطن في كابل بل وربما إلى مستوى الاتصال بطالبان والتعهد بعدم دعم المشروع الغربي واحترام قرار الشعب الأفغاني، لكن هذا الأفق لا يزال متراجعا لدى طهران وهي مُصرة على لعب دور الشريك الإقليمي الأقوى في الشرق الأوسط كما قال محمود نجاد مع المحور الدولي في تقاسم النفوذ وحصد خلاصات التقاطع الضخمة, وهو طموح قد تكتشف إيران في لحظة تاريخية أنها تخسر كل مواقعه في حين تكافح لحماية بيتها الداخلي قبل أن تهوي أعمدته.

المصدر : الجزيرة

التعليقات