الصادق الفقيه

الصادق الفقيه

كاتب وأكاديمي سوداني


يستعد السودان لإجراء انتخابات عامة في أبريل/نيسان القادم امتثالا لما نصت عليه اتفاقية السلام بين الشمال والجنوب الموقعة يوم 9 يناير/كانون الثاني 2005، لتنهي أكثر من عشرين عاما من الحرب الأهلية الدامية. كما سيجرى استفتاء في الجنوب عام 2011 على تقرير المصير، الذي أصبحت جهات كثيرة لا تتحرج في تسميته باسم "استفتاء استقلال" جنوب السودان، باعتبار أن الانفصال صار راجحا على الوحدة.

ورغم أن اتفاقية سلام نيفاشا وفرت استقرارا نسبيا في جنوب السودان، فإن دراسة حديثة أصدرها مؤخراً "مركز مسح الأسلحة الصغيرة" -ومقره جنيف بسويسرا- حذرت من سباق تسلح في السودان، بما يهدد بإعادة البلاد إلى آتون الحرب الأهلية التي لم ينطفئ أوارها في دارفور بعد.

"
التدفق المستمر للأسلحة يجب أن يكون مبعث قلق كبير لدى المجتمع الدولي وأبناء السودان الذين ترسخ في أذهانهم الانطباع بأن الصراع في وطنهم مستمر دون توقف
"
ورغم أن الدراسة لم تذكر شيئاً غير عادي بالنسبة للجيش السوداني، فإنها قالت إن الجيش الشعبي قام على مدى العامين المنصرمين بتكديس أسلحة خفيفة وثقيلة معظمها من أوكرانيا، الأمر الذي دفع دولة راعية للسلام مثل الولايات المتحدة إلى الإعراب عن قلقها من تدفق هذه الأسلحة إلى جنوب السودان.

ويتابع العالم أمر هذه الأسلحة عن كثب، إذ قالت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة سوزان رايس بعد اجتماع لمجلس الأمن عن السودان "ما سمعناه من الأمم المتحدة أنها ليست أسلحة خفيفة فحسب، وإنما أسلحة ثقيلة وبدأت بالتدفق نحو الجنوب".

وأضافت "لم نحصل على معلومات محددة في هذا الشأن، لكننا شاهدنا في أعمال العنف التي تجري في الجنوب درجة عالية من التطور وأسلحة فتاكة، وهذا مصدر قلق لنا".

ورغم أن واشنطن لا تريد أن توفر فرصة للوم الشمال إلا واقتنصها، فقد قالت رايس بشأن مصدر هذه الأسلحة إن "واشنطن تعتقد أن بعض الأسلحة يأتي من شمال السودان"، لكنها أشارت إلى أن "هذه الأسلحة يمكن أن تأتي من أماكن أخرى لأن المنطقة بها ثغرات حدودية والأسلحة تأتي من جميع الاتجاهات".

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد حذرت هي الأخرى من أن قمع الخصوم السياسيين في شمال السودان وجنوبه يقوض أول انتخابات تعددية ستجرى في السودان منذ 24 عاما.

ومع استمرار العنف في جنوب السودان وإقليم دارفور وتزايد التوترات بين الشمال والجنوب، فإن التدفق المستمر للأسلحة "يجب أن يكون مبعث قلق كبير لدى المجتمع الدولي" حسب إفادة التقرير.

وبالقطع يشكل هذا السباق مصدر قلق أكبر لأبناء السودان الذين ترسخ في أذهانهم الانطباع بأن الصراع في وطنهم مستمر دون توقف وعبر الأجيال، متمخضاً عن موقف مؤلم من المعاناة الإنسانية لا يماثله أي صراع في العالم اليوم.

فهذه الكارثة الإنسانية التي كانت تقتصر على جنوب السودان، قد أشعلت الصراع في دارفور والشرق، وخلقت نوعا من عدم الاستقرار في الدول المجاورة، وأدت إلى تأجيل التنمية الاقتصادية الجادة، والإصلاح السياسي، والإهتمام بقضايا حقوق الإنسان في السودان وفي كل القرن الأفريقي.

فمنذ الأحداث المؤسفة التي وقعت في مدينة توريت يوم 18 أغسطس/آب 1955، ظلت علاقات الشمال والجنوب تتأرجح بين دعوات الانفصال وثورات التمرد وفشل الاتفاقيات. وظلت البلاد تدور في حلقات الصراع الذي استعصى على كل الحلول التي كانت تفتقد بدورها المنهج العلمي والموضوعي والواقعي في المعالجة والإصلاح، ابتداء من مؤتمر جوبا عام 1947 وانتهاءً بنيفاشا.

فقد انتهى مؤتمر جوبا 1947 إلى كارثة التمرد في توريت التي راح ضحيتها عدد كبير من الأبرياء، غالبيتهم العظمى من شمال السودان. وكانت تلك الأحداث دليلا على هشاشة ما تم الاتفاق عليه في المؤتمر، إذ اعتمدت في الغالب على النوايا الخيرة لبعض السلاطين البسطاء الذين تم جمعهم على عجل لشرعنة رغبة الإنجليز في التخلص من إدارة السودان في ذلك الوقت، وتبرير أن إنهاء الحكم الثنائي يمثل مطلبا مشتركا للشمال والجنوب، وقطع الطريق على مصر حتى لا تفكر في الدخول في وحدة عضوية مصيرية مع شمال السودان.

لقد تم تدمير فكرة السودان الوطن بواسطة الحروب، حربي الجنوب التي اندلعت أولاهما عام 1955 والثانية عام 1983، وحرب دارفور التي نشبت عام 2003، ومناوشات الشرق، إلى جانب الحظر الدولي الخانق، وما تفضي به مثل هذه الأنباء من قلق يتراكم مع تراكم هذه الأسلحة.

"
أنتج الصراع في الجنوب خيبة أمل كبيرة لتمام التأسيس الأمثل للدولة الوطنية، الأمر الذي أدى إلى خفض التفاؤل السياسي إلى مستوى ظل متدنياً خلال فترة الحكومات الوطنية في السودان
"
فقد أنتج الصراع في الجنوب -مثلا- خيبة أمل كبيرة لإتمام التأسيس الأمثل للدولة الوطنية، الأمر الذي أدى إلى خفض التفاؤل السياسي إلى مستوى ظل متدنياً خلال فترة الحكومات الوطنية في السودان.

ففي جولة الحرب الأولى، أظهرت اتفاقية أديس أبابا عام 1972 موجة جديدة من التفاؤل لم تدم أكثر من عشرة أعوام. وفي الجولة الثانية كانت الآمال في نهاية تفاوضية للحرب في الجنوب واعدة وبعيدة في نفس الوقت: كانت واعدة بمعنى أن عملية السلام الرسمية قد وجدت الآن -وتحت رعاية من منظمة إقليمية هي الهيئة الحكومية للتنمية (إيقاد)، محادثات دورية تم عقدها في عواصم الإقليم المختلفة، كما أن بعض عناصر المجتمع الدولي -بما في ذلك أميركا- قد أتت بشيء من الضغط والتشجيع لتصب في اتفاقية نيفاشا للسلام.

غير أن تطلعات النجاح في هذه الاتفاقية قد تمت إعاقتها بمجموعة من العوامل، ليس أقلها الخلافات الأساسية المحورية بين الشمال والجنوب، بل أيضاً نتيجة للمدى الواسع للخلاف بين الأحزاب التي لها مصلحة في النزاعات متعددة الأطراف ونتائجها، إلى جانب نقاط الضعف الموجودة في عملية السلام نفسها.

وربما كان أكبر معوقات التقدم تكمن في الحقيقة المفجعة بأن السودان وشعبه -الذي يعاني- يقعون خارج مدى رؤية الاهتمامات الأولية للمجتمع العالمي، ذلك المجتمع الذي لديه حشد من الاهتمامات الأخرى، ولا تعتقد الدول العظمى بأن لديها مصالح حيوية يتهددها خطر في السودان.

وكثير من المنظمات العالمية والإقليمية المختلفة والدول، يرجع فشلها بدرجة كبيرة إلى عدم قدرتها على فهم تعقيدات الحالة السودانية، ومنطق التطورات الجارية. ولأنها لا تملك نظرة عالمية بشأن صراعات جنوب السودان، فقد اتخذت كل العوامل العالمية دور رجل الإطفاء الجاهل -المتحيز أحياناً- الذي يريد أن يطفئ النار دون أن يعلم المصادر التي تغذيها. والحلقة المفقودة في أفعالهم كانت دائماً عدم الوعي بأن كل صراعات جنوب السودان كانت دائماً متداخلة ومرتبطة بعضها ببعض وبعمق.

رغم ذلك، فإن ما يمكن قوله بالتأكيد هو أن جنوب السودان لم يكن دائماً مسرحاً للتعايش السلمي للدينكا والمجموعات الإثنية السائدة الأخرى. ورغم كل المرارات التاريخية، فإن الصراع في السودان لم يشر إلى عداوة بين تلك المجموعات العرقية في الجنوب، أو مع أولئك الذين يعيشون في الشمال، بل كان الصراع يتركز وصفه على عدم المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بينهم. ويوجه سوء التفسير للصراع عادة -وبصورة أبعد من التوجهات النقدية- نحو مدى مناسبة خلفيته التاريخية للفهم.

"
الصراع في السودان كان وما يزال من أكثر الصراعات غموضاً نسبة للحقيقة بأن هناك مزجا متعمدا للأساطير وأنصاف الحقائق والشعارات التي يدعمها كل طرف في النزاع بخصب خياله
"
فالصراع في السودان كان وما يزال من أكثر الصراعات غموضاً نسبة للحقيقة بأن هناك مزجا متعمدا للأساطير، وأنصاف الحقائق، والشعارات، التي يدعمها كل طرف في النزاع بخصب خياله. والتضارب بين هذه الأساطير يوضح كيف أن الارتباطات العاطفية في النزاع السوداني قوية من قبل كل الأطراف، كما يوضح السبب في التمسك بمواقف لا يمكن التنازل عنها، فيما يتعلق بالقضايا المتنازع عليها. إضافة إلى ذلك، هناك المزيد من الأساطير التاريخية المرتبطة ببعض المشاهد المأساوية. وفوق ذلك، فليس كل هذه الأساطير قديمة بالية، فهنالك أساطير حديثة المولد.

ولا يمكن إجراء مسح شامل لطبيعة هذا الصراع شديد التعقيد دون أن نقوم -أولاً- بطرح هذه الأساطير جانبا، القديمة منها والجديدة على حد سواء، إذ إنه رغم تغير الأنظمة، نادراً ما يتم التعرض لأساطير الصراع، أو الإتيان بتغيير جذري في السياسات تجاه الجنوب، فقد تم خلق مناخ أكثر توصيلاً لانعكاس جاد للموقف في البحث عن حل.

وهذه التغييرات قد جاءت في الغالب نتيجة للوضع العام في الجنوب وأثره على الوحدة الوطنية. ولم تأت نيفاشا في أساسها بسبب فشل الحكومات في الاستجابة لمطالب الجنوب، ولكن بسبب عدم نجاح كل الأطراف في كسب الحرب.

كان ذلك هو الوضع منذ الاستقلال عام 1956، وكان ذلك هو الحال في فترة الحكم العسكري 1958-1964، كما كان نفس الحال بعد عودة الديمقراطية عام 1965، وبالتأكيد كما كان واضحاً في بدايات عهد ثورة الإنقاذ الوطني.

فلماذا كانت الحكومات المتعاقبة تنحو إلى أن تكون أكثر حماساً في استمرار الحرب؟ سؤال ما يزال يبحث عن إجابة، بالرغم من أن هناك استثناء لهذ النمط التكراري. مثال لذلك، الحكومة الانتقالية عام 1964-1965 التي أعقبت الإطاحة بالحكم العسكري، والحكومة الانتقالية الأخرى التي جاءت بعد خلع النميري، قد حاولت أيضاً الوصول إلى تلك الظروف، حتى أن المبادرات الدبلوماسية لحل النزاع كانت تميل إلى الابتعاد عن الحقيقة المرة لأنها تشير إلى الطريق نحو الفشل.

على نفس المنوال، كانت المداخلات الدبلوماسية التي تبحث عن حلول سريعة في مواجهة هذه القضايا المعقدة، قد أدت فقط إلى تعقيد أكثر للمشكلة. وهناك اتجاه في جانب صناع السلام الدبلوماسيين في البحث عن حلول سهلة نسبياً وتأجيل الأكثر صعوبة، كما في مثال اتفاقية جبال النوبة التي تم التفاوض حولها في الفترة من 6 إلى 13 ديسمبر/كانون الأول 2001 بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان، معترفة للمرة الأولى بوقف لإطلاق النار تحت إشراف دولي، ولكن دون أن تحل المشكلة نهائيا حتى بعد نيفاشا.

وبينما يبدو هذا الأمر مفهوماً وربما حتى عملياً، فإنه من المحتمل أن أكثر القضايا صعوبة والتي ما زالت تؤدي إلى إثارة الناس ودفعهم للمواجهات العنيفة، وتجعلهم أكثر تصميماً على المخاطرة بحياتهم ولأن يقتلوا أو يُقتلوا، هي قضية جنوب السودان.

لهذا، يتطلب الأمر جهودا مضاعفة في الإتيان بإستراتيجية دبلوماسية منسقة عالمياً، يتم تصميمها لإنهاء الحروب في كل منطقة القرن الأفريقي وحتى تشاد، بما في ذلك تدعيم دبلوماسية المسار الأول والثاني، ودعم إمكانية حل النزاع إقليمياً، والالتزام بالتخطيط الانتقالي لفترة ما بعد الحرب.

"
الدبلوماسية وحدها لن تأتي بنهاية للحروب ذات الأسباب المتعددة في القرن الأفريقي فهي ليست أكثر من عنصر واحد، في حين يجب أن يكون هناك إستراتيجية متماسكة لبناء الأسس المؤسسية للسلام
"
وبالرغم من أنه أمر متعارف عليه، فإن الدبلوماسية وحدها لن تأتي بنهاية للحروب ذات الأسباب المتعددة في القرن الأفريقي. والدبلوماسية -رغم تنسيقها المدعوم بأفضل الخبرات- ليست أكثر من عنصر واحد، في حين يجب أن يكون إستراتيجية متماسكة لبناء الأسس المؤسسية للسلام. وهذا سيؤكد من أهمية بناء عمليات سلام فاعلة، ومؤسسات ديمقراطية راعية، وحماية حقوق الإنسان، وترقية تنمية اقتصادية متوازية، كجزء من حزمة لإستراتيجية واسعة لحل النزاع.

وفي حالة السودان، تتمثل أفضل الفرص للتقدم في شراكة متناسقة بين الداخل والخارج تعمل فيها الحكومات الإقليمية مع المجتمع العالمي لتكثيف البحث عن السلام.

فالجهود الحالية -بما في ذلك اتفاقية نيفاشا- اتجهت نحو تنشيط مساعي السلام الإقليمية المعطلة التي تتبناها الإيغاد، وتقوية الدعم العالمي لحل قضية دارفور والذي هو من خلال منبر الدوحة، لأن الفكرة من وراء ذلك التوجه أن تُبنى جبهة متحدة ومجتهدة وملتزمة ومدعومة بتحالف إقليمي راغب في المشاركة، مع تقديم حوافز ذات قيمة تمثل أفضل الفرص لتحقيق عملية سلام ناجحة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات