عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


في خضم الحملة الانتخابية لدورة جديدة للبرلمان العراقي، فوجئ الرأي العام بصدور قرارات من هيئة المساءلة والعدالة تمنع نحو خمسمائة من الناشطين السياسيين من الترشّح للانتخابات تحت باب "قانون اجتثاث البعث".

وقد تم تبليغ مفوضية الانتخابات بذلك، الأمر الذي تناوله الإعلام على نحو شديد الصخب، ولاسيما في قضية الدكتور صالح المطلك رئيس كتلة مجلس الحوار الوطني والأمين العام للحركة الوطنية العراقية التي يترأسها الدكتور إياد علاوي، التي أنشئت قبل أسابيع في بغداد، لخوض الانتخابات البرلمانية.

"
أعاد الجدل بخصوص قضية الانتخابات السؤال الكبير عن مدى قانونية قرارات هيئة المساءلة والعدالة من جهة ومدى قانونية قانون اجتثاث البعث الذي شرّعه بريمر -الحاكم المدني الأميركي في العراق- من جهة أخرى
"
وتطوّرت المسألة إلى سجالات سياسية وإشكالات قانونية، خصوصاً وأن العدد الأكبر من الذين تم استبعادهم مشاركون بالعملية السياسية وقسم منهم نواب في البرلمان منذ أربع سنوات أو أكثر.

وقد أعاد الجدل بخصوص هذه القضية السؤال الكبير عن مدى قانونية قرارات هيئة المساءلة والعدالة من جهة ومدى قانونية قانون اجتثاث البعث الذي شرّعه بريمر -الحاكم المدني الأميركي في العراق- من جهة أخرى، وهو ما عبّر عنه في كتابه الذي صدر بعنوان "عام قضيته في العراق" العام 2006 عندما قال " .. سأكون شرطياً صالحاً عندما سأوقّّع أمر اجتثاث البعث...".

ولعل هذا القانون كان الأمر رقم (1) الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة وتم توقيعه في الصباح الباكر من يوم الجمعة الموافق 16 مايو/أيار 2003 بحضور عدد من المسؤولين الأميركيين بينهم ريان وسكوت وميغهان ومارتيز.

وقد أثار قرار الاجتثاث تداعيات سياسية وقانونية وإدارية وفنية واجتماعية وإنسانية، تركت تأثيراً بليغاً على الخارطة السياسية والمجتمعية العراقية، ستظهر نتائجها لاحقاً، خصوصاً على الاصطفافات والتحالفات السياسية والمسلحة.

فمن الناحية السياسية كانت عملية الاجتثاث أقرب في الذاكرة إلى عملية تحريم حزب الدعوة الإسلامية، وإصدار أحكام ضد أعضائه بالإعدام بأثر رجعي، بالقرار الذي اتخذه مجلس قيادة الثورة في 31 مارس/آذار1980، وكان تمهيداً للحرب العراقية الإيرانية، التي شهدت تهجير نحو نصف مليون مواطن عراقي بحجة التبعية الإيرانية، بعقوبات جماعية، ليس لها أي مبرر مشروع على الإطلاق، مثلما هو قرار الاجتثاث الذي هو أقرب إلى العقوبة الجماعية ذات الطبيعة الانتقامية لاعتبارات عقائدية وسياسية.

إذ إنه بدلاً من إحالة المتهمين بارتكابات محددة إلى القضاء، جرى تحريم وتجريم العقيدة السياسية، وهو الذي تضمنه قانون الاجتثاث، الذي أخذ البريء بجريرة الجاني أو المرتكب، حارماً إيّاه من حق العمل السياسي، الذي هو حق من حقوق الإنسان، وهذا هو الوجه الآخر للتحريم القانوني.

أما التداعيات الإدارية والفنية، فإنها تركت تأثيراتها السلبية الخطيرة على جميع مرافق الدولة، خصوصاً إذا ما عرفنا أن حزب البعث الحاكم سابقاً، كان يحتكر المناصب العليا والمواقع الإدارية الرفيعة المستوى والمسؤوليات الأساسية في الإدارة المدنية والسياسية في الدولة، مما يعني إحداث فراغات خطيرة في الجهاز التنفيذي والإداري والفني للدولة العراقية بمجملها، ولعل هذا الأمر هو الأسوأ، إذا ما ترافق مع حل المؤسسة العسكرية والأمنية وبعض الأجهزة الأخرى الحساسة، وهو القرار الثاني الذي اتخذه بريمر باسم سلطة الائتلاف المؤقتة.

"
رغم " الطابع السياسي" للوظيفة العامة كما كان سائداً وكما هو حالياً، فإن أجهزة الدولة كانت تحفل بعشرات الآلاف من الكفاءات العلمية المرموقة والمشهود لها، وكان الكثير منها بعيداً عن السياسة أو العمل السياسي في الغالب
"
ورغم "الطابع السياسي" للوظيفة العامة وبخاصة للمواقع العليا كما كان سائداً وكما هو حالياً، فإن أجهزة الدولة كانت تحفل بعشرات الآلاف من الكفاءات العلمية المرموقة والمشهود لها، وكان الكثير منها بعيداً عن السياسة أو العمل السياسي في الغالب، حتى وإنْ أحتُسِبت ضمن التصنيف السياسي على "الموالين" لسياسة الحزب الحاكم، وإنْ كان الأمر شكلياً كما سيتم ذكره.

حسب المعطيات المتداولة كان حزب البعث يضم عشية احتلال بغداد نحو مليون ومائتي ألف عضو، وهؤلاء يتحدّرون من جميع مكوّنات الشعب العراقي، وإنْ كان قسم كبير منهم قد انضم إلى الحزب لأسباب مصلحية ونفعية وحفاظاً على لقمة عيشهم، وقد تدرّج البعض من هؤلاء ليحتل مواقع في الدولة ومؤسساتها على المستويات السياسية والقانونية والإدارية والفنية.

ولذلك فإن القانون حتى وإن لم يشمل هؤلاء جميعاً إلا أنه وجّه الاتهام إليهم دون استثناء من خلال العقيدة السياسية التي كانوا ينتمون إليها قناعة أو اضطراراً، مما ترك تداعياته الاجتماعية والإنسانية على عشرات بل مئات الألوف من العراقيين من المنتمين لأسباب مختلفة إلى حزب البعث.

ورغم التفسيرات والمراجعات التي قيلت بشأن قانون الاجتثاث بأنه يشمل أعضاء القيادة القطرية وأعضاء الفروع والشُعب والفرق بما يقارب أو يزيد قليلاً عن ثلاثين ألف عضو، فإن الأمر كان أعقد من ذلك وإذا ما انضم إليهم عناصر من القوات المسلحة والقوى الأمنية وبعض الأجهزة التنفيذية، فإنه سيشمل عشرات بل مئات ألوف أخرى.

لكن الأهم أن القانون دفع أوساطاً كانت متململة أو غير راضية على انضمامها "القسري" أو شبه القسري إلى حزب البعث، بل استعدادها للتخلي عنه، إلى الاقتراب من بعضها البعض لشعورها بأنها جميعاً مستهدفة، أو يراد لها تقديم تنازلات من شأنها أن تلحق الأذى بسمعتها وبمستقبلها.

صحيح أن البعض بادر إلى ذلك على نحو مجاني أحياناً، حيث استبدل ولاءه من الحزب والأجهزة الأمنية، إلى التعاون مع الاحتلال والقوى التي تمثله مباشرة أو بصورة غير مباشرة، إما للنجاة أو تبرّماً بالماضي أو رغبةً في ركوب الموجة الجديدة والحصول على امتيازات، خصوصاً وأن بعض القوى الناشئة، والتي جاءت مع الاحتلال ليس لديها جماهير أو كوادر أو أتباع، فاستعانت بالجماعات البعثية التي جرى اجتثاثها، وبذلك أُغرِقت هذه الكتل الحديثة التكوين وفي ظل الانفلات وغياب الضوابط والمعايير، بعناصر انتهازية وهشّة، مثلما أغرق الحزب الحاكم نفسه في السابق بمثل هذه العناصر تحت الشعار الشهير الذي أطلقه الرئيس السابق في أواخر السبعينيات "الكل بعثيون وإن لم ينتموا".

بمعنى أن العراقيين سواءً كانوا أعضاء في حزب البعث، أي منتمين بإرادتهم الطوعية أو لم ينتموا، فهم كذلك أعضاء بنظره حتى وإن لم يتقدموا بطلبات انتساب، طالما كان مجلس قيادة الثورة منذ العام 1974 قد كرّس حزب البعث قانونياً ورسمياً، باعتباره حزباً قائداً ووثائق مؤتمره الثامن مرجعية للدولة، أي جعلها بمصاف الدستور.

من الناحية العملية فإن هيئة اجتثاث البعث قد تم حلّها وأسست هيئة المساءلة والعدالة على أساس قانون صدر بهذا الاسم. وإذا كان البرلمان قد صادق على مشروع القانون، إلا أنه لم يوافق على تأسيس الهيئة بالشخصيات المُعلنة، الأمر الذي يثير إشكالات قانونية وسياسية حول قراراتها، طالما لم يوافق البرلمان على عضويتها، لكنها ظلت تعمل دون وجود غطاء قانوني لها ودون أن يطلب أحد حلّها أو إبطال قراراتها إلى أن وصل الأمر إلى منع صالح المطلك و15 كياناً سياسياً ومئات الشخصيات من الترشح، حيث جرى التنبّه إلى قراراتها غير القانونية، ولعل هذه واحدة من حالات الفوضى السياسية والقانونية السائدة في العراق وفي جميع المجالات.

"
لعل مجيء بايدن نائب الرئيس الأميركي إلى العراق بعد اندلاع مشكلة استبعاد صالح المطلك وعدد من الشخصيات السياسية من الترشح للانتخابات، يمكن أن يحلحل المسألة ويجد تسويات حتى وإن كانت غير قانونية
"
ولعل الأمر كله بحاجة إلى وقفة جدية قانونية وسياسية حول مدى صلاحية هيئة بهذا المعنى، وبقانون المساءلة والمصالحة ككل، فإذا كان هناك مرتكبون وتوجد شكاوى ضدهم، فيمكن إحالتهم إلى القضاء، ولاسيما أن حزب البعث محظور دستورياً بغض النظر عن وجاهة مثل هذا القرار أو عدم وجاهته فيما يتعلق بتحريم العقيدة السياسية.

لعل مجيء جوزيف بايدن نائب الرئيس الأميركي إلى العراق بعد اندلاع مشكلة استبعاد صالح المطلك وعدد من الشخصيات السياسية من الترشح للانتخابات، يمكن أن يحلحل المسألة ويجد تسويات حتى وإن كانت غير قانونية، في إطار فوضى قانونية وقرارات ملتبسة وهيئة لم يصادق عليها البرلمان، لكن المشكلة القانونية ستبقى قائمة ما لم يتم إلغاء قرار اجتثاث البعث الذي أصدره بريمر وإلغاء قانون المساءلة والمصالحة وحل الهيئة غير المصادق عليها، التي اقترحتها الحكومة الحالية بعد حل هيئة اجتثاث البعث التي كان يترأسها الدكتور أحمد الجلبي ونائبه رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي.

إذ لا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية في ظل سيف العزل والإقصاء والاتهام المسبق، وهو اتهام متبادل في السابق والحاضر بالارتكاب، وأعتقد أن الأمر بحاجة إلى أجواء سياسية سليمة وسلمية وأوضاع أمنية مناسبة وظروف اقتصادية وخدمية طبيعية، ولا سيما بحل أزمة المياه والكهرباء والبطالة، فذلك وحده الذي سيضع مسألة التعايش والاعتراف بالآخر وفق عقد سياسي واجتماعي جديد وفي إطار حكم القانون واستقلال القضاء.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك