حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية


ملامح اليهودية السوداء
سيرة مصطلح اليهودية السوداء
أوهام العودة ومقدمات التفكيك

منذ عدة عقود خلت شهد الواقع الأفريقي ظاهرة انبعاث اليهودية بتراثها الأفريقي، إذ ادعت جماعات إثنية وقبلية مختلفة وصلاً بالديانة اليهودية. بل إنها حاولت أن تقيم علاقات قربى ونسب مع القبائل الإسرائيلية المفقودة في أفريقيا.

وتفصح عملية تتبع الهويات اليهودية لدى الأفارقة عن وجود قدر لا بأس به من الأساطير والمعتقدات التي شكلت ملمحًا أساسيًّا للتقاليد التوراتية في أفريقيا في مواقف وسياقات متعددة.

وقد أفضى ذلك التلاقي عبر الزمان والمكان، والذي اتخذ أشكالا عدة وفي سياقات تاريخية مختلفة، إلى ظهور هوية يهودية جديدة لدى بعض المجتمعات الأفريقية التي تمسكت بمفهوم الشتات وما يرتبط به من معان ودلالات رمزية.

ومن أبرز الأمثلة على تلك الجماعات الأفريقية الأبايودايا في أوغندا والإيبو في نيجيريا واللمبا في الجنوب الأفريقي والفلاشا في إثيوبيا. ويلاحظ وجود بعض الجماعات الصغيرة الأخرى في دول مثل غانا والكاميرون وكيب فرد تمارس بعض "أشكال الطقوس" اليهودية.

وإذا كانت الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية قد ركزت على ظاهرة يهود الفلاشا في إثيوبيا فإنها أهملت في نفس الوقت باقي الحالات. وعليه لا يجد الباحث أية دراسات علمية جادة حول ظاهرة "اليهودية السوداء" في أفريقيا.

"
يبدو أن فكرة قبائل بني إسرائيل العشرة المفقودة استخدمت على أيدي بعض الكتاب الغربيين ومن شايعهم لوصف الشعوب والجماعات التي يصعب التعرف على أصلها العنصري
"
وهنا تأتي أهمية الكتاب الذي صدر منذ نحو عام عن كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن بعنوان "اليهود السود في أفريقيا: التاريخ والمعتقد والهوية". إذ يعد هذا الكتاب، الذي وضعته أديث برودر محاولة لتقديم رؤية علمية حول أوضاع المجتمعات اليهودية في أفريقيا ولا سيما دراسة العوامل والسياقات التاريخية المختلفة التي شكلت وعيها الديني.

ولعل من المتفق عليه أن عملية التحديد الزمني للتلاقي بين اليهودية وأفريقيا تعد مسألة صعبة، إن لم تكن مستحيلة، إذ تشير بعض الدراسات إلى نصوص وروايات دينية حول القبائل الإسرائيلية المفقودة، في حين يذكر البعض الآخر اللقاء بين نبي الله سليمان وبلقيس ملكة سبأ.

ويبدو أن فكرة قبائل بني إسرائيل العشرة المفقودة استخدمت على أيدي بعض الكتاب الغربيين ومن شايعهم لوصف الشعوب والجماعات التي يصعب التعرف على أصلها العنصري.

ملامح اليهودية السوداء
قام تيودور بارفيت بطل الفيلم الوثائقي "قبائل بني إسرائيل المفقودة" برحلة إلى الجنوب الأفريقي لدراسة عادات وتقاليد قبائل اللمبا الأفريقية، ويلاحظ أن هذه القبائل البانتوية تدعي أنها تنحدر من أصول يهودية خالصة.

ولا يقتصر هذا الادعاء على جماعات اللمبا وحدهم وإنما ينسحب على جماعات عرقية وقبلية أخرى في مختلف أنحاء القارة السمراء، فما هي ملامح هذه الظاهرة المرتبطة بالهوية اليهودية السوداء في أفريقيا؟

نستطيع من خلال الدراسات التاريخية والأنثرولوجية، على قلتها, أن نشير إلى عدد من الملامح الهامة التي تميز "اليهودية السوداء" في أفريقيا ولعل من أبرزها:

- الاعتماد على مجموعة من الأساطير والمعتقدات الدينية باعتبارها مصدرًا للوعي والهوية. وبغض النظر عن مدى صحة أو خطأ هذه الادعاءات, فإن الأساطير وربما الخرافات عادة ما تكون أساسًا لبناء الهوية وإدراك الذات.

فسرعان ما يتحول النسق الفكري المكون لهذه الأساطير ويصبح واقعًا معيشًا يتعامل معه الأفراد باعتباره من الأمور البديهية التي لا تقبل النقاش. وعلى سبيل المثال فإن كتاب "مجد الملوك" في التقاليد الإثيوبية يؤكد أن الإمبراطور منليك الأول هو ابن الملك سليمان وبلقيس ملكة سبأ, وتلك مسألة لا تقبل التشكيك في نظر كثير من الإثيوبيين حتى يومنا هذا.

- ممارسة العديد من التقاليد والطقوس الدينية السامية. ولعل تلك سمة مميزة لهذه الجماعات في إطار سياقها الأفريقي العام. إذ تضع هذه الجماعات قيودًا صارمة في تحديد أنواع الطعام الذي تتناوله وكذلك عمليات ذبح الحيوانات. كما أنها تقوم بعادات ختان الذكور وتحريم الزواج المختلط بهدف الحفاظ على نقائها العنصري. وفوق ذلك كله تعمد تلك الجماعات إلى اختيار أسماء وألقاب أقرب ما تكون إلى العائلات السامية.

"
من أهم ملامح اليهودية السوداء في أفريقيا الاعتماد على مجموعة من الأساطير والمعتقدات الدينية, وممارسة العديد من التقاليد والطقوس الدينية السامية, والتنوع الديني والثقافي 
"
- التنوع الديني والثقافي. فعلى الرغم من اختلاف الجماعات اليهودية الأفريقية عن غيرها من المجتمعات الأفريقية السوداء ثقافيًّا ودينيًّا فإنها تختلف كذلك عن الجماعات اليهودية الأخرى في أنحاء العالم المختلفة، بل إنها أكثر من ذلك تختلف فيما بينها اختلافا بينًا.

ونستطيع أن نميز بين ثلاثة أنماط رئيسية من اليهودية الأفريقية: أولها يرتبط باليهودية الوافدة إلى أفريقيا من أوروبا، ولعل المثال الأبرز هنا هم اليهود الأشكيناز في جنوب أفريقيا.

أما النمط الثاني فهو يمثل اليهودية بالاختيار، حيث إن بعض الجماعات الأفريقية لجأت إلى اليهودية طوعًا كنوع من الخلاص والملاذ مثل يهود أوغندا وغانا وزمبابوي.

ويمثل النمط الثالث اليهودية السوداء التي ترتبط بأصول أفريقية خالصة ويطلق عليها بعض الباحثين مسمى "العبرانية الأفريقية" مثل الفلاشا في إثيوبيا واللمبا في الجنوب الأفريقي.

سيرة مصطلح اليهودية السوداء
يمكن القول بأن مصطلح اليهودية السوداء يرجع إلى تقاليد الأميركيين من أصول أفريقية، حيث يرى كثير من الدارسين أنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بخبرة العالم الجديد ومعاناة العبيد الأفارقة الذين اقتلعوا من جذورهم وحلموا بالعودة مرة أخرى لديارهم.

وعلى سبيل المثال فقد تأثر ماركوس جارفي أحد رواد حركة الوحدة الأفريقية تأثرا بالغا بالمسألة اليهودية. فقد دعا إلى خلاص الأفارقة سواء داخل أفريقيا أو في بلاد الشتات، وهو ما يعني تمكينهم من التمتع بحقوقهم التاريخية الموروثة في أفريقيا.

ويلاحظ أن مفاهيم حق العودة والشتات والشعوب المضطهدة التي ميزت خطاب ماركوس جارفي قد جعلت بعض الدارسين يصفون حركته بأنها تمثل صهيونية الشعوب السوداء، بل إن جارفي نفسه قد وصفه أتباعه بأنه "موسى الأسود". ومع ذلك يبدو أن إدوارد بلايدن أحد رواد حركة الوحدة الأفريقية هو أول من أكد على أهمية المبادئ اليهودية الخاصة بالعودة والخلاص باعتبارها مرشدًا روحيًّا للأفارقة في أميركا.

وعليه فقد تمت المشابهة بين حالة اليهود في الشتات وحلمهم بالعودة وبناء وطن لهم بحالة العبيد الأفارقة الذين خرجوا من ديارهم عنوة وشعورهم بالاغتراب في أرض الشتات وحلمهم بالعودة مرة أخرى إلى أفريقيا.

"
 يرى كثير من الدارسين أن مصطلح اليهودية السوداء يرتبط ارتباطًا وثيقًا بخبرة العالم الجديد ومعاناة العبيد الأفارقة الذين اقتلعوا من جذورهم وحلموا بالعودة مرة أخرى لديارهم
"
ومن هنا وجدنا الحديث عن "صهيون الأسود" 
ليعكس حركة اليهودية السوداء في طورها الأول في أميركا الشمالية. وترى أديث برودر أن البداية الحقيقة لظاهرة اليهودية السوداء ترجع إلى الفترة من 1790 إلى 1930 وهي التي جسدت ظهور تقاليد دينية ومؤسسية جديدة في الولايات المتحدة الأميركية خاصة بالأميركيين السود.

وعلى أية حال فقد تطور المفهوم بعد ذلك ليؤكد على جذور اليهودية في أفريقيا. وقد استغل قادة الحركة الصهيونية هذا التوجه الخاص باليهودية السوداء لكسب ود الشعوب الأفريقية.

وعلى سبيل المثال فان تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية السياسية قد أشار في كتاباته أوائل القرن العشرين إلى المشابهة بين خبرة الشعب اليهودي والشعب الأفريقي ورغبة كل منهما في الخلاص والتحرر.

يقول هرتزل: "لقد كنت شاهدًا على خلاص شعبي من اليهود وأرغب في تقديم العون للعمل على خلاص الأفارقة". وقد حاول قادة الدولة العبرية بعد تأسيسها عام 1948 تحقيق هذه المثالية السياسية من خلال تقديم إسرائيل باعتبارها نموذجا يحتذى في عملية بناء الدولة الوطنية الحديثة في أفريقيا.

أوهام العودة ومقدمات التفكيك
أثناء الحرب الأهلية الإثيوبية تم نقل حوالي عشرة آلاف من يهود الفلاشا الذين يقطنون منطقة جوندار في إثيوبيا إلى إسرائيل خلال الفترة من سبتمبر/أيلول 1984 إلى مارس/آذار 1985 . كما تم نقل نحو أربعة عشر ألف فرد آخر من الفلاشا إلى إسرائيل في مايو/أيار عام 1991، وهي العملية التي أطلق عليها آنذاك عملية الملك سليمان.

وقد وافقت الحكومة الإثيوبية بعد ذلك على قيام إسرائيل بنقل باقي يهود الفلاشا حيث وصل إجمالي المهاجرين بنهاية عام 1999 إلى نحو سبعين ألف يهودي إثيوبي.

ولا يزال في إثيوبيا نحو 26 ألفًا من الفلاشا يحاولون الهجرة إلى إسرائيل. بيد أن إثارة علامات الاستفهام حول حقيقة إيمانهم وإخلاصهم للعقيدة اليهودية من قبل بعض حاخامات إسرائيل أدى إلى بطء معالجة طلباتهم للهجرة ومن ثم تقديم العون اللازم لهم.

و أيًّا كان الأمر فإن نحو 33% من يهود إسرائيل السود الذين يزيدون اليوم على مائة ألف قد ولدوا داخل الدولة العبرية نفسها, وهو ما يعني إحداث تغيير هيكلي في طبيعة المجتمع الإسرائيلي.

وعلى الرغم من صعوبة اندماج هؤلاء الفلاشا في المجتمع الإسرائيلي وحالات الإحباط الشديدة التي واجهتهم فإن ثمة اتجاهًا متناميًا بين الأفارقة ولا سيما في بؤر التوتر مثل القرن الأفريقي ودارفور للهجرة إلى إسرائيل باعتبارها نوعًا من الخلاص والملاذ الآمن.

وقد تمكن خلال السنوات الخمس الماضية نحو عشرة آلاف لاجئ أفريقي من دخول إسرائيل عبر صحراء سيناء المصرية. وقد حصل نحو ستمائة لاجئ منهم على تصاريح إقامة مؤقتة. أما باقي هؤلاء المهاجرين فلا يحملون أية وثيقة رسمية ويهيمون على وجوهم في الطرقات والحدائق العامة بحثًا عن عمل أو مأوى.

ويبدو أن خبرة يهود الفلاشا لم تكن مشجعة لباقي الجاليات اليهودية الأفريقية من أجل الهجرة إلى إسرائيل. فيهود اللمبا في الجنوب الأفريقي يحتلون مراكز اجتماعية مرموقة في مجتمعاتهم. وعليه فهم لا يتحدثون عن الهجرة إلا بمضمونها الروحي وليس الانتقال الجسدي والعيش داخل الدولة العبرية.

"
لم يعد حلم الهجرة يراود إلا الجماعات التي اختارت اليهودية طوعًا للخلاص من سياقات التخلف والاستبداد التي تعاني منها في الواقع الأفريقي المعاصر
"
ولم يعد حلم الهجرة يراود إلا الجماعات التي اختارت اليهودية طوعًا للخلاص من سياقات التخلف والاستبداد التي تعاني منها في الواقع الأفريقي المعاصر.

إن الأقلية الإثيوبية في إسرائيل لا تزال تعاني من مختلف أشكال التمييز والاضطهاد العنصري في حياتها اليومية مما دفع بها إلى العزلة في أماكن خاصة بها.

وعلى سبيل المثال عادة ما يشار إليهم باسم "كوشي" أو "زنجي" للدلالة على تحقيرهم وتدني مكانتهم الاجتماعية. ولاشك في أن هذا الطابع العنصري للكيان الصهيوني يمثل أحد مقدمات تفكيكه وانهياره من الداخل على المدى البعيد.

ولعل الخبرة التاريخية تعد خير شاهد على ذلك. فكافة المجتمعات الاستيطانية التي نشأت على أساس عنصري، مثل نظام الأبارتهيد البغيض في جنوب أفريقيا، كان مصيرها إلى زوال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك