بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 


الخيار الصعب
حرب دعائية
استهداف الكوادر البشرية

تساؤلات عديدة طرحتها عمليات الاغتيال والاختفاء التي استهدفت بعض العلماء والفنيين الإيرانيين ممن لهم صلة مباشرة أو غير مباشرة بالبرنامج النووي للجمهورية الإسلامية، كان من أبرز تلك التساؤلات ما يتصل بإمكانية لجوء واشنطن وتل أبيب خلال المرحلة المقبلة إلى تبني إستراتيجية موازية للملاحقات القانونية والضغوط السياسية الرامية إلى إجهاض طموحات إيران النووية.

ويبدو أن تعقد حسابات كل من واشنطن وتل أبيب بشأن الخيار العسكري في التعاطي مع الطموحات النووية الإيرانية، على خلفية عوامل عديدة يتصدرها غياب الإجماع الدولي في ظل التمنع الصيني والمراوغة الروسية فضلا عن فداحة الكلفة الاقتصادية والإستراتيجية لأي عمل عسكري محتمل إزاء المنشآت النووية الإيرانية، قد ألجأ دوائر سياسية وأمنية أميركية وإسرائيلية إلى ابتكار وسائل جديدة وآليات بديلة من أجل تقويض التهديدات النووية المحتملة المنبعثة من البرنامج الإيراني من دون حاجة لاستفزاز نظام الجمهورية الإسلامية وإزعاج جيرانها بأي عمل عسكري غير مضمون العواقب.

الخيار الصعب
فعلى الرغم من كونها تصنف على أنها دولة عتبة نووية، بمعنى أنها تمتلك قدرات علمية وتقنية ومواد نووية أولية تؤهلها للمضي قدما على طريق إنتاج السلاح النووي في المدى المنظور، ما لم تعترض هذا الطريق أية معوقات جوهرية، تتخوف تل أبيب وبدرجة ما واشنطن من إمكانية نجاح طهران في بلوغ منتهى هذا الطريق والقيام بأول تفجيراتها النووية معلنة امتلاكها السلاح النووي، خصوصا في ظل أجواء الغموض والتعتيم التي تلف برنامجها إلى الحد الذي جعل المعلن أو المعروف عنه أقل من الخفي.

"
من شأن أي تطور إستراتيجي للبرنامج النووي الإيراني أن يعيد هيكلة موازين القوى في المنطقة على نحو يمضي في غير مصلحة تل أبيب ويفرض مزيدا من التحديات أمام مشاريع واشنطن الإستراتيجية في المنطقة
"
ومن شأن تطور إستراتيجي خطير كهذا أن يعيد هيكلة موازين القوى في المنطقة على نحو يمضي في غير مصلحة تل أبيب ويفرض مزيدا من التحديات أمام مشاريع واشنطن الإستراتيجية في المنطقة.

غير أن الصعوبات التي تلجم رغبة تل أبيب وواشنطن في الإقدام على الخيار العسكري حيال المنشآت النووية الإيرانية أجبرت الأميركيين والإسرائيليين على البحث عن إستراتيجيات بديلة،لاسيما بعد أن أضحى استبعاد الخيار العسكري في التعاطي مع برنامج إيران النووي من حسابات الأميركيين يحظى بتأييد متزايد داخل الولايات المتحدة مع تفاقم المأزق العسكري العملياتي الأميركي في العراق وأفغانستان وباكستان.

فلقد نقلت صحيفة "يو أس أرمي تايمز" التي يصدرها الجيش الأميركي عن وزير الدفاع روبرت غيتس قوله في خطاب ألقاه أمام طلبة بالبحرية الأميركية في شهر أبريل/نيسان الماضي إنه "بينما قد يعرقل أي هجوم عسكري على منشآت إيران النووية برنامج هذا البلد النووي لفترة قد تصل إلى ثلاث سنوات، فإنه سيرسخ من جانب لآخر إصرار الإيرانيين على مواصلة هذا البرنامج وعسكرته بغرض امتلاك السلاح النووي مثلما سيزرع بينهم كراهية لا تنتهي لمن هاجمهم ورغبة لا تلين في الانتقام منه بأي طريقة وعلى أي صعيد خصوصا بعد أن تعهدت إيران بالرد على أي هجوم على منشآتها النووية بشن هجمات مضادة بصواريخ بعيدة المدى على إسرائيل والقواعد العسكرية الأميركية في الخليج.

إسرائيليا، وبالتزامن مع ذلك، وإبان محادثاته مع جورج ميتشل، مبعوث الرئيس الأميركي إلى الشرق الأوسط، فاجأ الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز الجميع بإطلاقه تصريحا حازما قال فيه: "إن الخيار العسكري ضد إيران غير واقعي"، ووصفه بأنه "فكرة سخيفة"، وأكد أنه لا يوجد سوى الخيار السياسي الدبلوماسي لتسوية مسألة برنامجها النووي.

ورغم أن تصريحات بيريز هذه لا يمكن الاستناد إليها بشكل جاد في تحليل الموقف الإسرائيلي الحقيقي حيال برنامج إيران النووي لكونها لا تعكس وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية النهائية التي تتخذ بناء عليها أية قرارات حاسمة في هذا الخصوص، لاسيما أنه حينما كان زعيما للمعارضة الإسرائيلية في عام 1981، فشل في أن يثني رئيس الوزراء وقتذاك مناحيم بيغن عن قصف المفاعل النووي العراقي، إلا أن تصريحاته تنم عن غياب الإجماع الإستراتيجي وتباين وجهات النظر داخل النخبة السياسية والدوائر الأمنية في إسرائيل بشأن جدوى الخيار العسكري ضد منشآت إيران النووية.

حرب دعائية
كان من شأن الصعوبات المتنامية التي تكتنف إمكانية التعاطي مع التهديد النووي الإيراني المحتمل عسكريا أن دفعت بواشنطن وتل أبيب إلى تبني إستراتيجية مغايرة متعددة الأبعاد، كان بعدها الأول دعائيا، إذ تجلى في شن حملة دعائية مناهضة لبرنامج إيران النووي بغية تأليب الشعب الإيراني ودول الجوار الإيراني والمجتمع الدولي برمته ضد هذا البرنامج ونظام طهران عبر التشكيك في إمكانية نجاح هذا البرنامج واتهامه باعتصار قدرات إيران الاقتصادية والعلمية في الوقت الذي لن يعود على شعبها إلا بالمزيد من المعاناة بجريرة الحصار والعقوبات والعزل من قبل المجتمع الدولي.

"
تشن أميركا حملة دعائية مناهضة لبرنامج إيران النووي بغية تأليب الشعب الإيراني ودول الجوار الإيراني والمجتمع الدولي برمته على هذا البرنامج ونظام طهران عبر التشكيك في إمكانية نجاح هذا البرنامج
"
فضلا عن اتهام النظام الإيراني بتوظيف ذلك البرنامج وما يستتبعه من استعداء العالم لصرف أنظار مواطنيه عن إخفاقاته على الصعيدين الداخلي والخارجي وإحكام الهيمنة على مقاليد السلطة على حساب حرية الشعب الإيراني وانتعاشه الاقتصادي.

هذا علاوة على تفزيع المجتمع الدولي ودول الجوار الإيراني من المخاطر والتهديدات المحتملة لطموحات إيران النووية سواء في حالة عدم تخطي ذلك البرنامج حدود النشاط السلمي، حيث احتمالات التسرب الإشعاعي في ظل تواضع إجراءات الأمان النووي، أو عند انزلاقه إلى الاستخدامات العسكرية مع تنامي تطلعات إيران الجامحة لتعظيم نفوذها الإقليمي ومكانتها الدولية غير متورعة عن استخدام كل ما بحوزتها من ركائز قوة وأوراق ضغط ما بين عسكرية وعقائدية وغيرهما.

استهداف الكوادر البشرية
أما في بعدها الثاني، فقد عمدت الإستراتيجية الأميركية الإسرائيلية إلى استنزاف البرنامج النووي الإيراني تدريجيا من الداخل عبر تفريغه من الكوادر البشرية الإيرانية المتخصصة في التكنولوجيا النووية من علماء وفنيين، سواء من خلال التصفية الجسدية أو عبر الاختطاف والتهجير إلى خارج إيران.

ولقد سبق أن أعلنت تل أبيب وواشنطن أنهما ستعملان سويا وبدأب من أجل إجهاض ذلك البرنامج بغير تدخل عسكري مباشر. فمن جانبها، كشفت صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية النقاب قبل نحو عام عن إطلاق إسرائيل ما سمّته بـ"الحرب الخفية" ضد إيران لعرقلة برنامجها النووي، عبر اغتيال كبار العلماء والفنيين العاملين فيه.

وفي ذات السياق، صرحت مصادر إيرانية رسمية لوكالة أنباء الطلبة الإيرانية (إسنا) بأن جهات أجنبية منها الولايات المتحدة قد بدأت محاولاتها لتصفية أو خطف العلماء النوويين الإيرانيين.

كذلك، ذكرت مصادر إعلامية غربية أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي أي" تدير برنامجا سريا يهدف إلى تجفيف المنابع التقنية والروافد العلمية للبرنامج النووي الإيراني عبر تشجيع العلماء والفنيين النوويين الإيرانيين على الفرار إلى الغرب من خلال إغراءات مادية ومعنوية.

"
الـ"سي آي أي" تدير برنامجا سريا يهدف إلى تجفيف المنابع التقنية والروافد العلمية للبرنامج النووي الإيراني عبر تشجيع العلماء والفنيين النوويين الإيرانيين على الفرار إلى الغرب من خلال إغراءات مادية ومعنوية
"
وفي ذات السياق، نشرت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" الأميركية نقلا عن مسؤولي استخبارات حاليين وسابقين مطلعين على هذا البرنامج السري، الذي يحمل عنوان "تصفية الأدمغة" أنه أطلق بأمر من البيت الأبيض في عام 2005 بهدف تقويض برنامج إيران النووي.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول سابق في الاستخبارات الأميركية أن السي آي أي لم تتصل مباشرة بالأشخاص المحتمل فرارهم، بل استخدمت أشخاصا آخرين جندتهم داخل إيران للاتصال بالراغبين في الفرار والتنسيق معهم.

ورغم تأكيدها على موقعها الإلكتروني أن البرنامج لم يحقق حتى الآن سوى نجاح محدود حيث إن أقل من ستة إيرانيين يصعب الادعاء بأنهم على صلة بالبرنامج النووي لبلادهم هم فقط من فروا إلى الغرب إذ لم يتمكن أي منهم من توفير أي معلومات ذات قيمة ملموسة عن ذلك البرنامج، لم تستبعد الصحيفة استمرار هذا البرنامج السري بل واتساعه ليشمل اختطاف مسؤولين حكوميين أو قادة عسكريين إيرانيين مستندة في ذلك إلى تقارير تؤكد وقوف السي آي أي وراء فرار علي رضا أصغري نائب وزير الدفاع الإيراني السابق الذي فقد في شهر فبراير/ شباط من عام 2007 أثناء زيارة كان يقوم بها لتركيا.

في غضون ذلك، بدأت تتوالى حوادث اختفاء علماء نوويين إيرانيين في الآونة الأخيرة، من خلال الاغتيال أو الاختطاف والترحيل إلى خارج إيران. ففي عام 2007 اغتيل عالم نووي يدعى أرديشير حسين بور (44 عاما) نتيجة اختناقه بغاز سام، وهو الذي كان يعمل في محطة أصفهان لإنتاج غاز سادس فلوريد اليورانيوم المستخدم في أنشطة تخصيب اليورانيوم الجارية في محطة نطنز، وهو يعد من أفضل العلماء في الحقل التقني العسكري الإيراني حيث كان يدير مركز الدراسات الكهرومغناطيسية النووية الذي أسس عام 2005، وشارك في تأسيس مركز البحوث النووية في أصفهان.

وعقب الإعلان عن وفاة بور، نقلت صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية في حينها عن مصدر استخباري بريطاني أن من المرجح أن يكون الموساد هو من أقدم على اغتيال بور. وأشارت الصحيفة إلى أن رضا بهالا من مؤسسة ستارتفور، وهي مؤسسة أميركية خاصة تعمل في مجال الاستخبارات، أكد أن الموساد استهدف بور وأن لديه معلومات استخبارية قوية للغاية تفيد بأن العالم الإيراني اغتيل على يد الإسرائيليين الذين هددوا مرارا بالعمل على منع إيران من إنتاج قنبلة نووية.

وفي شهر يونيو/حزيران من العام الماضي، اختفى العالم النووي الإيراني شهرام أميري في السعودية أثناء أدائه العمرة. وعلى الفور، اتهمت وزارة الخارجية الإيرانية الولايات المتحدة باختطافه مؤكدة أن بحوزتها دلائل ومعلومات تؤكد صحة هذا الاتهام، كما نحت باللائمة على السلطات السعودية متهمة إياها بالتواطؤ في عملية الاختطاف هذه عبر تسهيل تسليم أميري، الذي تدعي طهران أنه يقبع في السجون الأميركية مع 11 إيرانيا آخرين، لدوائر استخبارية أميركية بالمملكة، وهو ما نفته الرياض.

وقبل أيام قلائل, لقي العالم النووي الإيراني مسعود محمدي، أستاذ الفيزياء النووية للنيوترونات في جامعة طهران، حتفه في انفجار دراجة مفخخة وضعت قرب منزله شمالي العاصمة طهران وتم تفجيرها بالتحكم عن بعد لدى مروره قربها.

"
في حالة ما إذا باتت الإستراتيجية الإسرائيلية الأميركية في استهداف الكوادر نهجا جديدا موازيا لتقويض القدرات النووية الإيرانية، فإنها ستضاعف، لا محالة، من أعباء ومثالب نظام منع الانتشار النووي
"
وفي حين نشرت وكالة أسوشيتد برس أن العالم النووي الراحل محسوب على المعارضة الإصلاحية حيث كان اسمه ضمن قائمة تضم 240 أستاذا جامعيا أعلنوا تأييدهم للمرشح الإصلاحي الخاسر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة مير حسين موسوي، تؤكد مصادر حكومية إيرانية أن محمدي محسوب على التيار المحافظ من دون تأكيد ما إذا كان مرتبطا بالبرنامج النووي الإيراني، وإن كان اتهام الخارجية الإيرانية واشنطن وتل أبيب ومن وصفتهم بـ"عملائهما المأجورين" في إيران بالتورط في حادث الاغتيال ثم تأكيدها أن مثل هذه الأفعال الإرهابية والتصفية الواضحة لعلماء البلاد النوويين لن تعطل البرنامج النووي الإيراني بل على العكس ستعمل على تسريعه، يشي بوجود صلة لمحمدي بهذا البرنامج ولو بدرجة ما.

وفي حالة ما إذا باتت هذه الإستراتيجية الإسرائيلية الأميركية نهجا جديدا موازيا لتقويض القدرات النووية الإيرانية، فإنها ستضاعف، لا محالة، من أعباء ومثالب نظام منع الانتشار النووي، لكونها تطوي بين ثناياها مخاطر عديدة على السلم والأمن الدوليين.

ذلك أن اعتمادها أساليب ملتوية تجافي الأخلاق والمواثيق الدولية، سيزيد من هشاشة الآليات القانونية والسياسية التي ارتضاها المجتمع الدولي لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل بقدر ما سيؤجج من سباق التسلح الإستراتيجي لاسيما إذا ما لجأت إيران أو أية دولة أخرى تستهدفها تلك الإستراتيجية إلى الانتقام والإصرار على معاودة أنشطتها النووية بأي ثمن أيا كانت التداعيات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك