ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


محددات الكفاح المسلح الفلسطيني
نظرة نقدية للتجربة الكفاحية الفلسطينية 
من المقاومة إلى الانتفاضة
مقاربة مع ثورة 1936
استنتاجات وملاحظات

منذ انطلاقتها اعتمدت الحركة الوطنية الكفاح المسلح شكلا لها، أي لبنيتها، واعتبرته طريقا وحيدا لتحرير فلسطين، على حساب أشكال المقاومة الشعبية الأخرى. وفيما بعد جرى التحول عن ذلك بانتهاج طريق المفاوضات لمحاولة استعادة ما أمكن استعادته من حقوق، وذلك بسبب شعور الفلسطينيين باختلال القوى لصالح عدوهم، وضعف قدرتهم على تطوير كفاحهم المسلح ضد عدوهم، مع كل التعقيدات والقيود والإشكاليات المتعلقة بهذا الشكل النضالي.

وبين هذا وذاك، وبغض النظر عن تقييم هذين الطريقين (المقاومة والمفاوضة) فقد شهدت التجربة الوطنية الفلسطينية أشكالا نضالية متعددة، من العصيان المدني، إلى الانتفاضة الشعبية.

محددات الكفاح المسلح الفلسطيني
وقبل التحدث عن مظاهر التجربة النضالية الفلسطينية، المتمثلة بالكفاح المسلح، لا بد من تعيين الظروف والمعطيات الخاصة التي تميز التجربة الفلسطينية عن غيرها، والتي تتمثل بالجوانب التالية:

1- الاختلال الفادح في موازين القوى في الصراع الدائر منذ مطلع هذا القرن بين الفلسطينيين خاصة والعرب عموما، وبين المشروع الصهيوني ودولته إسرائيل (فيما بعد)، من النواحي العسكرية والمادية والاقتصادية والتكنولوجية، ومن ناحية الإدارة والعلاقات الدولية.

2- ارتباط المشروع الصهيوني، ودولته إسرائيل، بمشاريع السيطرة الاستعمارية والإمبريالية على الوطن العربي (بخاصة مشرقه)، وهو ما مكنه من استثمار الدعم الخارجي المادي والسياسي والإعلامي والتعاطف الدولي.

3- الطابع الفريد للاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، الذي يختلف عن المحاولات الاستعمارية الاستيطانية في كل من الجزائر وجنوب أفريقيا، من عدة جوانب أساسية، فالاستعمار الصهيوني يعتمد سياسة الاستيطان الإحلالي الذي يتطلب إحلال المستوطنين اليهود واقتلاع أصحاب الأرض الأصليين، هذا أولا، وثانيا فإن الاستعمار الصهيوني لفلسطين لم يتم لغايات اقتصادية كما جرى في الجزائر أو جنوب أفريقيا، أو غيرهما، وإنما لأغراض إستراتيجية.

ومن الناحية الثالثة، فإن المستوطنين الفرنسيين كانوا ينتمون لدولتهم فرنسا مثلا، أما المستوطنون الصهاينة فليس لهم دولة بعينها. رابعا، فإن الحركة الصهيونية تعتبر نفسها حركة قومية يهودية، وهي في سعيها لجذب اليهود لمشروعها برّرت نفسها بأيدلوجية قومية دينية وأحاطتها بالأساطير الغيبية، بينما لم تبرر المشاريع الاستيطانية الأخرى نفسها بأية مبررات أيدلوجية.

"
الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس صراعا بين الشعب الفلسطيني وبين دولة الاغتصاب والاحتلال فحسب وإنما هو صراع يشمل مختلف الرموز والرواية التاريخية والثقافة والمعتقدات الدينية، والمستقبل
"
4- يتخذ الصراع في بعده الفلسطيني الإسرائيلي، طابع الصراع على الوجود، بحكم طبيعة المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي في فلسطين، وأبعاده الدينية الأيدلوجية والوظيفية. وعليه فالصراع هنا ليس صراعا بين الشعب الفلسطيني وبين دولة الاغتصاب والاحتلال فحسب وإنما هو أيضا صراع مع المجتمع الذي ينتمي لهذه الدولة، ويتماهى مع أيدلوجيتها وسياساتها، وهو صراع لا يقتصر على الجوانب العسكرية وإشارات الدولة والأراضي، وإنما هو صراع يشمل مختلف الرموز والرواية التاريخية والثقافة والمعتقدات الدينية، والمستقبل.

وهو صراع حاولت فيه الحركة الصهيونية وتحاول فيه إسرائيل إنهاك الشعب الفلسطيني وإفنائه وإلغائه أو تغييبه وصولا إلى شطبه من الخريطة السياسية، وهي كلها عوامل تصعّب وتعقّد العملية الكفاحية للفلسطينيين، لاسيما في ظل المعطيات المحيطة بهم وفي ظل أوضاعهم الذاتية، راهنا.

5 - حرمان الفلسطينيين من الوطن وعدم تمتعهم، في الداخل والخارج، باستقلالية تتيح لهم التطور والنضج الاجتماعي والسياسي والثقافي، كمجتمع مستقل. وفاقم ذلك خضوع الفلسطينيين لأوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية متباينة، رسختها علاقات الاحتلال واللجوء والشتات المفروضة عليهم.

وهذا التشوه في التطور الاجتماعي عكس نفسه بصورة سلبية على طبيعة الحركة الوطنية، وأعاق إمكانيات تجاوزها للواقع السائد، ببناه الاجتماعية ومفاهيمه الثقافية. على ذلك بديهي أن تجربة الكفاح المسلح تعرضت لمشكلات وقيود عديدة، فليس ثمة منطقة (قاعدة عسكرية) للفلسطينيين، والوجود العسكري لهم خضع لمحددات وقيود سياسية وأمنية تبعا لتوجهات النظم المعنية.

أما في الداخل فقد واجه العمل المسلح مشكلات كبيرة، لافتقاده المجال الحيوي المفتوح ومجالات الإسناد والإمداد (كما هي حال تجربة حزب الله في لبنان)، كذلك فإن الجيش الإسرائيلي يعمل وفق سياسة القوة المفرطة والمدمرة ضد الفلسطينيين كما شهدنا في السنوات 2002 و2003 وفي الحرب على غزة مؤخرا.

نظرة نقدية للتجربة الكفاحية الفلسطينية
هكذا، ثمة مشكلات وقيود أحاطت بالكفاح المسلح الفلسطيني، ضمنها انطلاقه من الخارج، وغياب قاعدة مستقلة له، والاختلال في موازين القوى لصالح إسرائيل، والإمكانيات المادية الكبيرة التي يتطلبها، وطغيان العفوية والمزاجية في إدارته.

وفوق كل ذلك فإن هذه التجربة وضعت الفلسطينيين في مواجهة ثلاثة تحديات، أخرى (عدا إسرائيل)، الأول، يتمثل باحتكاكاتها مع سلطات بعض البلدان العربية (لاسيما الأردن ولبنان). والثاني، يتمثل بتحولها لنوع من سلطة في المجتمعات الفلسطينية في بلدان اللجوء. أما الثالث، فيتمثل بسيادة لغة العنف في الثقافة والعلاقات السياسية للفلسطينيين، ليس في مواجهة العدو، فقط، وإنما في مجال العلاقات والهيمنة الداخلية.

معروف أن هذه التحديات صرفت معظم طاقة الحركة الوطنية الفلسطينية، وشغلتها عن تركيز المقاومة ضد عدوها الرئيس، فخسرت في المرة الأولى الأردن (1970)، وفي المرة الثانية لبنان (1982)، كما شهدت بين فترة وأخرى نوعا من الاختلاف والتصارع مع السياسة السورية. كما انعكس ذلك سلبا على العلاقات الداخلية الفلسطينية بحدوث نوع من الاقتتال الداخلي بين فترة وأخرى، أهمها ما جرى في الانقسام في فتح (1983)، وآخرها ما جرى بسيطرة حماس على قطاع غزة، بوسائل القوة (يونيو 2007).

وبرغم المبالغة في الحديث عن الكفاح المسلح، وطغيانه على وظائف وأنشطة الحركة الفلسطينية (السياسية والثقافية والاجتماعية)، وعلى بنيتها وعلاقاتها الداخلية والخارجية، فإن المثير للانتباه أن هذه الحركة لم تجتهد إلى الدرجة الملائمة في إنتاج نظريتها الخاصة بالكفاح المسلح، أو بمشروع الحرب الشعبية الطويلة الأمد (على حد قول بعض الأدبيات)، على غرار تجارب أخرى صينية وفيتنامية وكوبية وأوروبية (في حقبة الحرب الثانية). ومشكلة الفلسطينيين، هنا أيضا، أنهم لم يجروا ولا مرة، أية مراجعة أو دراسة نقدية لتقييم هذه التجربة، وكيفية إدارتها وتطوير وتحسين جدواها، برغم كل ما مر بها.

من المقاومة إلى الانتفاضة
ويبدو أن الساحة الفلسطينية كانت بحاجة لصدمة الخروج من لبنان، وتشتت قواتها العسكرية، لإعادة الاعتبار للمقاومة الشعبية ضد الاحتلال، حيث اندلعت الانتفاضة الشعبية، التي استمرت ستة أعوام (1987-1993).

وقد أدت هذه الانتفاضة، في حينه، إلى إبراز قضية الشعب الفلسطيني وتأكيد حضوره في الأجندة الإقليمية والدولية، وعلى الداخل الإسرائيلي. كما أدت، بدفع من المتغيرات الدولية والإقليمية، إلى ولوج الفلسطينيين عملية التسوية، واعتماد طريق المفاوضات، بدلا من طريق الكفاح المسلح، لتحقيق هدف الدولة المستقلة.

لكن تملّصات إسرائيل من التسوية، طوال الفترة من 1993 إلى 2000، ومحاولاتها فرض الأمر الواقع، كما قدمنا، أدت إلى اندلاع انتفاضة ثانية (أواخر عام 2000)، طغى عليها طابع المواجهات المسلحة، منذ الأشهر الأولى، على حساب طابع المقاومة الشعبية، بسبب من تخلف الإدارة، وفوضى الفلسطينيين ومنافساتهم ومزايداتهم، ومبالغاتهم في قدراتهم.

"
الانتفاضة الشعبية التي استمرت من 1987 إلى 1993 أدت إلى حضور قضية الشعب الفلسطيني في الأجندة الإقليمية والدولية، كما أدت إلى ولوج الفلسطينيين عملية التسوية، واعتماد طريق المفاوضات بدلا من الكفاح المسلح
"
ويبدو أن الفلسطينيين ربما توّرطوا، أو استُدرجوا، عن غير قصد، بالزجّ بكامل قواهم في عمليّات المقاومة المسلّحة ضدّ إسرائيل، ومن ضِمنها العمليّاتُ التفجيريّة، و"الصاروخيّة"، دون حسابٍ لموازين القوى، وقواعد حرب الشعب الطويلة الأمد، التي تنتهج إستراتيجية حرب الضعيف ضدّ القويّ، وتحيِّّد قوة العدوّ العاتية، وتشتغل على استنزافه وإرهاقه، وتخلق التناقضات في صفوفه، وترفع كلفة احتلاله.

وكان أن ردت إسرائيل بقسوة ووحشية قوضت المقاومة المسلحة للفلسطينيين، وأعادت احتلال مدن الضفة، وقطّعت أوصالها، ودمّرت مؤسسات الكيان الفلسطيني، وشرعت في بناء الجدار الفاصل، وحولت غزة إلى سجن كبير، ثم جرت حملة مدمرة ضده.

وفي ذلك فقد استطاعت إسرائيلُ، من موقع المتفوّق في القوى، والقدرة على السيطرة، في لجم عمليّات المقاومة المسلحة. فقد قُتل من الإسرائيليين مثلاً في عام 2001 حوالي 200، وفي عام 2002 حوالي 425، ولكنّ هذا التصعيد، غير المحسوب وغير المدروس وغير المنظّم، فتح المجال أمام إسرائيل لاستنزاف المقاومة وضرب بناها التحتيّة بلا حساب، بحيث تراجعتْ قدراتُها وانحسرتْ عمليّاتُها، حتى إن إسرائيل باتت تعتبر عامَ 2007 أهدأَ الأعوام بالنسبة إليها، إذ قُتل فيه 11 إسرائيليًّا فقط، وعام 2006 حوالي 24، وعام 2005 حوالي 56، وذلك في تراجعٍ ملحوظٍ لوتيرة عمليّات المقاومة.

وتفيد خبراتُ حروب حركات التحرر الوطنيّ بضرورة تحاشي تعريض قواها لضرباتٍ قاسية، وتجنُّبِ عدوّها حين يكون مستنفرًا ومستفَزًّا، إدراكًا منها أنها تخوض حربًا سياسيّة طويلةَ الأمد، ينبغي كسبُها بالنقاط، لا بالضربة القاضية، وبالغلبة بالوسائل والمعطيات السياسيّة لا بالوسائل العسكريّة فقط. هكذا عرفتْ هذه التجاربُ التراجعَ والدفاعَ في كثير من المراحل لتجنّب دفع أثمان باهظة، وللحفاظ على قوى شعبها.

اللافت هنا أنّ الفلسطينيين، بكل فصائلهم، لم يستفيدوا في مقاومتهم المسلّحة من تجربة حزب الله، على الأقلّ. فهذا الحزب حرص على عدم زجّ كلّ قواه في صراعه ضدّ إسرائيل، ولم يشنّ حربًا هجوميّةً ضدّها، وهو التزم بالمعطيات الدوليّة، بدليل امتناعه عن العمليّات، منذ انسحاب إسرائيل عام 2000 من جنوب لبنان (باستثناء أسر جنديين إسرائيليين، الأمر الذي جلب حرب يوليو/تموز 2006)، وذلك برغم اعتباره فلسطينَ أرضَ وقفٍ إسلاميّ.

وعمومًا فقد أدار هذا الحزبُ مقاومته للاحتلال باقتدارٍ عالٍ، فتحكّم في وتائر المقاومة، ولم يتركْها تُفلت، ولم يُستدرَجْ للاستفزازات الإسرائيليّة. وقد يستغرب البعض أنّ عدد القتلى الإسرائيليين الذين لقوا مصرعَهم نتيجةً لعمليّات المقاومة اللبنانيّة، منذ ما بعد غزو لبنان عام 1982 حتى الانسحاب عام 2000 لم يتجاوز 860 إسرائيليًّا، في 18 عاما، أيْ بمعدّل 45 إسرائيليًّا في العام، في حين أنّ عمليّات المقاومة الفلسطينيّة أدّت إلى مصرع ألف إسرائيليّ في أربعة أعوام (2001- 2004)، ضمنهم 420 إسرائيليًّا في عام 2002، أيْ نصف العدد الذين قتلوا في عمليات حزب الله في 18 عامًا!

وكما رأينا فإن النتيجة، أو التداعيات، لم تكن واحدة إذ أن الوتيرة المتوازنة من عمليات حزب الله ساعدته على الاستمرار، وتنمية قواه، وهو ما مكّنه من صدّ عدوان إسرائيل (عام 2006). في حين أنّ الوتيرة العالية من عمليّات المقاومة الفلسطينيّة جلبتْ مصرع وجرح واعتقال عشرات الألوف من الفلسطينيين، وأدّت إلى تقويض الكيان الفلسطينيّ، ومعاودةِ احتلال الضفة الغربيّة، وبناءِ الجدار الفاصل، وتحويلِ قطاع غزّة إلى سجن كبير، ولجم المقاومة.

مقاربة مع ثورة 1936

"
عمليات المقاومة المسلحة في السنوات الماضية طغى عليها طابع العمليات التفجيرية، والقصف الصاروخي، مما سهل لإسرائيل ضرب المقاومة، وبدلا من أن تستنزف المقاومة الفلسطينية المسلحة عدوها، قام هو باستنزافها، وإنهاكها وشل حركتها
"
ولعل في هذه التجربة مقاربة مع تجربة الثورة الفلسطينية في أعوام 1936 -1939، حيث زجّ الفلسطينيون وقتها بكل طاقتهم، في ظروف غير متكافئة، وبطريقة غير محسوبة، ضد القوات البريطانية. وكانت النتيجة سبعة آلاف شهيد وعشرين ألف جريح (وخمسين ألف معتقل) منهم، بمجموع قدره 77 ألفا من شعب لا يتجاوز عدده المليون.

ومعنى ذلك أن هذا التوتير الزائد بدّد، عن غير قصد، طاقة الفلسطينيين، عندما أزفّت اللحظة المناسبة (1948) كان الفلسطينيون، يفتقرون للسلاح اللازم، الذي سحب منهم سابقا، ولقياداتهم، التي باتت في المنافي، وللكادرات المناضلة المجربة التي استشهدت أو أودعت السجون، أو غادرت فلسطين؛ وهو ما فتح الوضع على الفوضى، وأضعف مقاومة الفلسطينيين للعصابات الصهيونية، التي عملت على اقتلاع معظم شعب فلسطين، من أرضه، وتشريده.

وينقل د. وليد الخالدي في محاولاته الهامة لإعادة كتابة تاريخ النكبة، عن محمد عزة دروزة، رصده لخسائر الفلسطينيين (في النصف الثاني من عقد الثلاثينيات) على يد الجيش البريطاني، قوله :"بلغ عدد المعتقلين خمسين ألفا وعدد الشهداء سبعة آلاف وعدد الجرحى عشرين ألفا وعدد البيوت المنسوفة ألفين. انظر مذكرات محمد عزة دروزة" (بيروت دار الغرب الإسلامي، 1993)، ج5، ص 550. وبلغ عدد الأسلحة المصادرة من الفلسطينيين خلال الفترة من 1936 إلى 1940، بحسب المصادرة الرسمية البريطانية: 6371 بندقية و3220 مسدسا و1812 قنبلة و425 بندقية صيد. (انظر: الموسوعة الفلسطينية: الجزء الثاني ص 1049).

ففي التجربتين المذكورتين، خرجت المقاومة الفلسطينية عن قواعد حرب الشعب الطويلة الأمد، التي تستخدم إستراتيجية حرب الضعيف ضد القوي، والتي تحيّد القوة العاتية للعدو، وتشتغل على استنزافه وإرهاقه، وخلق التناقضات في صفوفه، ورفع كلفة احتلاله، إلى مربع المواجهات المسلحة. بل إن عمليات المقاومة المسلحة في السنوات الماضية التي طغى عليها طابع العمليات التفجيرية، والقصف الصاروخي، سهلت لإسرائيل ضرب المقاومة، وبدلا من أن تستنزف المقاومة الفلسطينية المسلحة عدوها، قام هو باستنزافها، وإنهاكها وشل حركتها.

استنتاجات وملاحظات
إن القصد من هذه الجردة، هو التأكيد بأن حرب الشعب، أو المقاومة المسلحة، ليست مسألة عفوية أو مزاجية، وأنها تحتاج إلى بني فاعلة، صلبة، كما تحتاج إلى مستوى مناسب من الوحدة الوطنية، وإلى خطاب سياسي واضح ومقبول.

وإذا كان مفهوما أن طريق المفاوضات لوحده ليس كافيا لإنهاء الواقع الاستعماري لإسرائيل، فإن الفلسطينيين معنيون، أيضا، بتفهّم حقيقة أن المقاومة المسلحة لوحدها لا تحقق غلبتهم على إسرائيل. وبمعنى آخر فإذا كان الفلسطينيون يستطيعون وحدهم خلخلة أمن إسرائيل ورفع كلفة الاحتلال، وكشف حقيقة هذه الدولة العنصرية والإرهابية والاستعمارية، فقط، فإن هزيمة هذا المشروع، هي مسؤولية عربية، وتحتاج لمعطيات إقليمية ودولية مواتية.

كذا، تبدو تجربة الانتفاضة الشعبية (1987 -1993)، بين التجارب الفلسطينية، الأجدى في مواجهة الاحتلال، فهي جلبت الاعتراف بالشعب الفلسطيني، وبحركته الوطنية، وعزّزت التعاطف الدولي معه، وهي التي خلقت الشروخ في المجتمع الإسرائيلي، ونمّت مداركه بشأن عدم جدوى الاحتلال والاستيطان، وأجبرت إسرائيل على مراجعة أساطير الصهيونية، المتعلقة بفكرة إسرائيل الكبرى، أو تغييب الشعب الفلسطيني.

والغريب أن يتم تجاهل هذه التجربة الكفاحية الإبداعية، التي طالما جرى التغنّي والافتخار بها، بدل أن يجري إغناؤها وتكريسها، باعتبارها الشكل الأكثر نجاعة لإظهار إسرائيل على حقيقتها بوصفها دولة استعمارية عنصرية، وباعتبارها الأكثر تناسبا مع إمكانات الفلسطينيين والمعطيات المحيطة بهم.

"
حرب الشعب أو المقاومة المسلحة، ليست مسألة عفوية أو مزاجية، إنها تحتاج إلى بني فاعلة صلبة، كما تحتاج إلى مستوى مناسب من الوحدة الوطنية، وإلى خطاب سياسي واضح ومقبول
"
والمعنى من هذا الكلام ليس نفي دور المقاومة المسلحة، فطالما استمر الاحتلال، فثمة مشروعية لهذا الشكل من المقاومة، في فلسطين وغيرها، ولكن القصد منه عدم حصر المقاومة في شكل معين، وضرورة ربط المقاومة المسلحة أو أي شكل بالهدف السياسي الممكن والمتاح في كل ظرف، ومدى القدرة على الاستمرار بهذا الشكل، شرط تأمين التفاف الشعب من حول هذا الشكل، وتوفير استمرار مقومات حياة الشعب، وحمايته وتقليل خسائره، ما أمكن، في صراع يفترض أنه ممتد في الزمان والأشكال، ولا يحسم بالضربة القاضية، بسبب غلبة إسرائيل في موازين القوى، وبسبب الضمان الدولي لأمنها وتفوقها.

والمؤسف أن يغيب عن البال أن المقاومة الشعبية هي الأساس في مقاومة الاحتلال، أي مقاومة المجتمع كله، لا مجموعة من المحترفين العسكريين؛ فهذا الشكل من المقاومة هو الشكل المستديم لرفض الاحتلال، ورفع كلفته، وتحييد عناصر قوته العسكرية (ما أمكن).

ويستنتج من ذلك أن معضلة الفلسطينيين، في صراعهم ضد إسرائيل، أنهم لم ينجحوا، ليس فقط بسبب ضعفهم ورجحان ميزان القوى لصالح إسرائيل، ولا بسبب عدم ملاءمة الأوضاع الدولية والإقليمية لتطلعاتهم ومتطلباتهم المشروعة، فحسب، وإنما بسبب فوضاهم وتخلف إدارتهم لأوضاعهم، وانقساماتهم، وغياب إستراتيجية واضحة لهم، تتأسس على الواقعية والعقلانية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك