مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


المؤشرات الأولية التي تُصدّرها الأحداث والمستجدات الراهنة لا تشي باستمرار مناخ الركود القائم، وتُنبئ بأن قرارات حاسمة قد اتخذها النظام الإقليمي والدولي لتأديب حماس وإجبارها على الرضوخ لإملاءات الواقع والتساوق مع حركة السياسة الإقليمية والدولية وفقا لاشتراطاتها المعروفة، بما يضعها في قلب الاستهداف المباشر من جديد.

الاستهداف المتوقع يتوزع على أبعاد سياسية وعسكرية واجتماعية، وهو أشبه ما يكون بـ"فكيّ" كماشة لقصّ أجنحة حماس التي نمت بقوة خلال العام الماضي، وإعادتها إلى حجمها "الطبيعي" الذي لا تشكل معه عنصرا مقررا وحاسما في تقرير المسار والمصير الفلسطيني، أو قوة تملك تأثيرات عابرة للحدود بما يلحق الضرر بالسياسة الإقليمية والدولية التي تحاول خلق واقع سياسي مفصّل على مقاسات وإيقاعات لا تعرف التمرد أو النشوز.

"
الجديد في الموقف الإقليمي والدولي يكمن في الاعتراف باستحالة القضاء على حماس، وإنهاء دورها السياسي وتذويب بنيتها العسكرية كما كان مأمولا في الأعوام الأخيرة، والسعي لإضعافها والإثخان فيها قدر الإمكان
"
لا يمكن القول بأن هذه القرارات تحمل جديدا في الموقف الإقليمي والدولي المعادي لحماس ومواقفها السياسية وتجربتها الحاكمة في غزة، بل إنها –في بعض جوانبها- تحمل تجديدا لذات المواقف السابقة، وإصرارا على رسم ملامح محددة لموقع وصورة ووضعية حماس خلال المرحلة المقبلة، وتستدعي مرحلة ذات تفاصيل معدة سلفا لا ينبغي لحماس أن تتجاوز، دورا ومكانة ونفوذا، الخط المسموح لها في إطارها بأي حال من الأحوال.

لكن جديد الموقف الإقليمي والدولي هذه المرة يكمن في الاعتراف باستحالة القضاء على حماس، وإنهاء دورها السياسي وتذويب بنيتها العسكرية كما كان مأمولا في الأعوام الأخيرة، والسعي -في إطار منظومة إقليمية ودولية أكثر تناسقا- لإضعافها والإثخان فيها قدر الإمكان.

في هذه المرحلة يستشعر النظام الإقليمي والدولي أخطارا كبرى، فحماس تسير على نسق ثابت تجاه دور متعاظم في الحياة الفلسطينية بعد أن فشلت كافة المحاولات في استئصالها أو ترويضها، وتبدو اليوم أكثر ثقة بذاتها وسياستها بعد أن تجاوزت تحديات الحرب الإسرائيلية المدمرة، ولا زالت تواجه تحديات الحصار الخانق بصبر هائل وصمود منقطع النظير.

وفي الوقت الذي حافظت فيه حماس على ذاتها، وتعافت سريعا من جروح الحرب، وأبدت تشبثا مشهودا بالحقوق والثوابت الفلسطينية، ووفرت الحد الأدنى من مقومات الحياة في قطاع غزة وسط الحصار، فإن سلطة رام الله واجهت فشلا سياسيا هائلا، وأضحت في موقف بالغ الحرج أمام شعبنا الفلسطيني إثر خذلانها الصارخ من قبل الإدارة الأميركية وكيان الاحتلال، ولم يعد ممكنا أن تدعي تبني أي مشروع وطني حقيقي، وخصوصا في ظل تواصل مسيرة التنسيق الأمني رغم انغلاق الأفق السياسي التفاوضي.

لذا فإن هناك خشية متعاظمة من خروج الوضع الفلسطيني عن دائرة السيطرة والمخططات المرسومة، وتصاعد المدّ الحمساوي لجهة مزيد من الإضعاف للدور والنفوذ الفتحاوي الذي قد يتطور في الأفق المنظور أو المتوسط إلى ارتكاس، تحت أي شكل كان، لسلطة رام الله التي تشكل حركة فتح عمودها الفقري، وهو ما يشكل –بالتالي- سقوطا مدويا للسياسة الإقليمية والدولية بقيادة الإدارة الأميركية، وولوجا إلى مرحلة جديدة ذات أبعاد مختلفة ليس للإدارة الأميركية وحلفائها فيها اليد الطولى كما كان الأمر سابقا.

تأسيسا على ذلك، تشهد المنطقة حراكا متسارعا في اتجاه تدارك الموقف، ومحاولة ضبط الأوضاع على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، في إطار صفقة ما يجري بلورتها بعيدا عن الأضواء، ويُتوقع أن تُفضي إلى استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية تحت ضغط عربي أميركي يستبطن تهديدا لا تجرؤ سلطة رام الله على مواجهته، وفي ظل مرجعية جديدة تتجاوز الخطوط الحمراء السابقة.

ومن هنا فإن هدف إضعاف حماس سياسيا وعسكريا واجتماعيا يحتل صدارة الأجندة الإقليمية والدولية.

سياسيا، فإن الحركة يجب أن تنزل على الورقة المصرية التي تشتمل على موعد جديد للانتخابات الرئاسية والتشريعية، والتي تعني في المفهوم الإقليمي والدولي خروج حماس من المشهد السلطوي، وعودة فتح إلى سدة الحكم والقيادة من جديد بآلية ديمقراطية مشروعة.

وفي هذا الإطار نستطيع أن نضع كافة التحركات الإقليمية العربية التي تفاعلت مع الشأن الفلسطيني الداخلي مؤخرا، وتحاول أن تدفع باتجاه بلورة صيغة تفاهم مقبولة لتحقيق المصالحة الفلسطينية خلال الأسابيع المقبلة.

عسكريا، فإن كيان الاحتلال سيتكفل بإعادة تقليم أظافر حماس وتحجيم قدراتها العسكرية، ويجعل منها أٌقل قدرة وأضعف تأثيرا على المستوى العسكري، وخصوصا في ظل المعطيات التي تواترت حول امتلاكها صواريخ بعيدة المدى تشكل تهديدا إستراتيجيا للدولة العبرية من خلال مداها الذي يضع مدينة "تل أبيب" والمناطق المحيطة بها في دائرة النار.

"
الاستهداف الإسرائيلي المتوقع سيكون مختلفا تماما عن شكل ونمط الحرب الأخيرة، إذ لن يكون في وسع إسرائيل سوى توجيه ضربة جوية، خاطفة وسريعة، تشمل أهدافا مختارة، وعلى النحو الذي يربك حماس ويدفعها للانكفاء المرحلي والانشغال بجراحاتها
"
ويبدو أن الاستهداف الإسرائيلي المتوقع سيكون مختلفا تماما عن شكل ونمط الحرب الأخيرة، إذ لن يتاح لإسرائيل استنساخ ذات تجربتها في ظل واقع دولي أقل تسامحا وتفهما لدوافعها، ولن يكون في وسعها سوى توجيه ضربة جوية، خاطفة وسريعة، تشمل أهدافا مختارة، ما بين نخب سياسية وكوادر عسكرية ومراكز تصنيع ومخازن سلاح ومواقع مهمة، في وقت واحد تقريبا، وبعد أن تنضج الظروف والمناخات السياسية والميدانية لذلك، بما يجعل الضربة أكثر قوة وتأثيرا، وعلى النحو الذي يربك حماس ويدفعها للانكفاء المرحلي والانشغال بلملمة جراحاتها وإعادة ترميم قدراتها فترة من الزمن.

وها هي الوقائع الميدانية تتكاثف باتجاه تسخين منهجي وتصعيد مبرمج لجبهة الأحداث الفلسطينية الإسرائيلية، فالغارات الإسرائيلية التي تأخذ طابعا شبه يومي على غزة تفوق في ردودها حجم الفعل الفلسطيني القاصر على إطلاق بضعة قذائف أو صواريخ فلسطينية، وهو ما يستدرج تصاعديا ردودا فلسطينية فصائلية مباشرة لا يمكن إيقافها أو حتى ضبطها، ولن يتعدى الأمر بضعة أسابيع وصولا إلى لحظة الذروة التي تنتظرها حكومة الاحتلال لضرب ضربتها وتنفيذ مخططها، وخصوصا إثر فشل صفقة "شاليط".

اجتماعيا، يشهد الحصار المضروب أكثر حلقاته شدة وقسوة وتأثيرا من خلال بناء الجدار الفولاذي على الحدود الفلسطينية المصرية في خطوة تسعى لإنهاء ظاهرة الأنفاق بشكل تام، وجعل غزة رهينة التحكم الإسرائيلي الذي يتولى تقدير احتياجاتها من الغذاء والدواء عبر معابره مع غزة وفقا لاعتبارات البقاء على قيد الحياة فحسب.

وحسب التقديرات فإن الأوضاع الاقتصادية والإنسانية والبيئية ستشهد تدهورا خطيرا وكارثيا في قطاع غزة عقب الانتهاء من بناء الجدار خلال المرحلة المقبلة، وهو ما سيدفع باتجاه حدوث تذمر اجتماعي وفقا لرؤية النظام الإقليمي والدولي، يُتوقع أن ينعكس سلبا على أسهم التأييد والاحتضان الجماهيري لحماس في القطاع، مما يقلل من حظوظها ونسبة فوزها في أية انتخابات مقبلة، ويزيد –في المقابل- من حظوظ فتح وفرص فوزها وتصدّرها للانتخابات التي يُعوّل عليها في إقصاء حماس وطردها خارج حلبة الحكم والسلطة.

وهكذا تجتمع إرادة النظام الإقليمي والدولي هذه المرة على مخطط خبيث ذي حلقات محكمة لإخضاع حماس وإبعادها عن دوائر التأثير وصنع القرار.

لكن هذه المخططات والتقديرات التي تحاكي الأماني المجردة وإن كانت مشفوعة بآليات محسوبة، إلا أنها في ميزان الحق والعدالة قد لا تعني الكثير رغم شدة الآلام والمعاناة التي تستجلبها وتتسبب فيها، ورغم غزارة الدماء والأشلاء التي قد تظلل المشهد الغزي خلال الأسابيع المقبلة.

لا يدرك النظام الإقليمي والدولي أن أي معالجة سياسية للقضية الفلسطينية بعيدا عن الاعتراف المباشر بالحقوق والتطلعات الفلسطينية، وأيا كان شكل إخراجها والكلمات الرنانة والوعود المعسولة التي ترافقها، لن يكتب لها النجاح، وستلقى مصير سابقاتها من طروحات ومبادرات لم يكن ثمنها أكثر من الحبر الذي كتبت به، رغم الزخم والتحشيد الكبير الذي يحيطون به جهودهم المصبوبة ، والإيحاءات المثيرة التي يستدعون من خلالها جدية هلامية لا تلبث أن تتبدد أمام صلف السياسة الإسرائيلية وصدودها المبدئي للحقوق الفلسطينية.

ما لا يدركه النظام الإقليمي والدولي أيضا أن ذهاب حماس باتجاه التوقيع على ورقة المصالحة المصرية، وإن كان يشكل ممرا قسريا لإقصائها سياسيا كما يخطط البعض، إلا أنه يشكل في الوقت ذاته خيارا إستراتيجيا لإعادة الوحدة السياسية والجغرافية للشعب الفلسطيني، ورفع المعاناة التي يرزح فيها أهالي قطاع غزة منذ عدة أعوام، ومحاولة ترتيب البيت الفلسطيني من جديد رغم بؤر الممانعة ومراكز القوى الداخلية التي تعيق المصالحة وتضمر إفشالها حال حدوثها.

"
قد تضعف حماس عسكريا جراء ثقل الهجمات والضربات العسكرية، لكن التجربة  تثبت أن الآثار العسكرية المباشرة سرعان ما يتم احتواؤها، وأن جسامة التحدي تضطرها لإعادة إنتاج منظومتها العسكرية بشكل أفضل من ذي قبل
"
قد تضعف حماس عسكريا جراء ثقل الهجمات والضربات العسكرية، لكن تجربة أعوامها الاثنتين والعشرين منذ انطلاقتها على وجه العموم، وتجربة الحرب الأخيرة التي استهدفت إسقاط سلطتها وضرب كيانها على وجه الخصوص، تثبت أن الآثار العسكرية المباشرة سرعان ما يتم احتواؤها في وقت قياسي، وأن جسامة التحدي وضرورات استخلاص العبر تضطرها لإعادة إنتاج منظومتها العسكرية بشكل أفضل من ذي قبل.

بموازاة ذلك، فإن سياسة الخنق أو القتل الاقتصادي بشكل أدق التي تستهدف حماس في غزة اجتماعيا عبر تشييد الجدار الفولاذي لن تؤتي أكلها أو تعمد إلى إحداث قفزة نوعية سلبية في علاقتها بالجمهور الفلسطيني، فالشريحة التي ارتدت على أعقابها وتخلت عن دعمها لحماس بفعل الحصار والحرص على لقمة العيش باقية كما هي دون أي تغيير، ولا يُتوقع أن تنمو أو تزداد في قادم الأيام، بل إنها معرضة للانحسار الجزئي بفعل صحوة الضمير التي قد تنتاب البعض منها جراء شدة الحصار والمعاناة، وما قد يولده ذلك من مراجعات نفسية وذهنية داخلية قد تُفضي إلى تبدلات عكسية في الرؤى والمواقف.

ومع ذلك، فإن النظام الإقليمي والدولي قد يُؤتى هذه المرة من حيث لا يحتسب، فقد تحمل تطورات المدى المنظور ما يعزز رصيد حماس شعبيا، ويمنحها فوزا جديدا في الانتخابات المقبلة، سواء بذات نسبة الفوز الأول عام 2006 أو أقل، ويحرم خصومها وأعداءها من الاستمتاع بمشهد الإقصاء المنتظر الذي حلموا به وعملوا له منذ قرابة أربع سنوات، وهو ما يضع النظام الإقليمي والدولي في ورطة سياسية وأخلاقية لم يسبق لها مثيل.

كلي ثقة بأن نتائج أي ضربة عسكرية لحماس خلال المرحلة المقبلة، وصور الاستهداف الأخرى، سوف تأتي بنتائج عكسية، فشعبنا الفلسطيني أكثر ما يكون حساسية وإرهافا وتعاطفا لحظة سفك الدماء وسيادة لغة الخراب والدمار، ويقينا فإن مباشرة حماس برسم وتنفيذ خطة اجتماعية حقيقية للتلاحم الفعلي مع هموم واحتياجات الجماهير في قطاع غزة، والعمل على التخفيف عنها قدر الإمكان ماديا ومعنويا، كفيل بأن يغير مجرى الأمور، ويقلب كل التوقعات، وأن يُسهم في استعادة الثقة المفقودة لدى طائفة معتبرة من الناس الذين تلاعبت بآرائهم وأفكارهم ضغوط الواقع وأنياب الحصار والمعاناة.

في سياقات توصيف الواقع بمراراته المتوقعة لا ينبغي لحماس ترقب مسارات الأحداث، والاكتفاء بفن إدارة الأزمات فحسب، بل يفترض بها أن تلعب دورا موازيا لحركة الأحداث، وأن تبادر إلى استباق الوقائع ومحاولة كبح وفرملة المخططات المحبوكة على أسس من الحكمة والمبادرة السياسية والوطنية.

ابتداء، ينبغي أن يتم إبرام اتفاق المصالحة الوطنية في مصر، والسعي لتجاوز الأزمة الأخيرة مع مصر بفعل الإشكال الميداني على الحدود الذي أدى إلى مقتل جندي مصري تشير المعطيات المتوفرة إلى إصابته برصاص غير فلسطيني، وقبول إدراج ملاحظات الحركة لدى تطبيق الاتفاق على أرض الواقع، وليكن معلوما أن أكثر المتفائلين لا يتوقع سوى نجاحا جزئيا للاتفاق، وأن الوقائع على الأرض أكبر من كل النصوص المكتوبة.

"
ينبغي على حماس إعلاء مفهوم المبادرة الاجتماعية، القائمة على أساس التضامن الكامل والسعي التام لتخفيف معاناة المواطنين في القطاع والحرص على تحسين وتوطيد علاقتها، مع كافة شرائح المجتمع
"
على خط مواز، يجب أن تبادر الحركة إلى نزع كل ذرائع الاحتلال، والتوافق مع القوى والفصائل على تفويت الفرصة على مخططات الاحتلال، وعدم إطلاق القذائف الصاروخية على المناطق الإسرائيلية، في ذات الوقت الذي ينبغي على الحركة أن تصوغ خطة عسكرية طارئة لمجابهة التهديد الإسرائيلي القريب، وأن تراعي تغيير كافة الإحداثيات الخاصة بمنظومتها العسكرية، وتدخل –قيادة وكوادر- في نطاق الاحتياطات الأمنية المشددة التي لا تقبل التراخي أو الفتور.

أخيرا، ينبغي على حماس إعلاء مفهوم المبادرة الاجتماعية، القائمة على أساس التضامن الكامل والسعي التام لتخفيف معاناة المواطنين في القطاع عبر برامج عملية منظمة بعيدا عن البرامج الموسمية والمساعدات الطارئة، والحرص على تحسين وتوطيد علاقتها، حركة وحكومة، مع كافة شرائح وقطاعات المواطنين دون استثناء.

بذلك فقط تضمن حماس، مرحليا، الالتفاف على مخطط الاستهداف الذي يتربص بها، أو امتصاص تداعياته المباشرة، والخروج من نطاق تأثيراته السلبية بأقل الخسائر الممكنة، كي تحافظ على إنجازاتها المختلفة، أو الجزء الأكبر منها على الأقل، وتلتفت من بعد لمجابهة التحديات الوطنية الكبرى التي تكاد تلتهم القضية الفلسطينية برمتها.

المصدر : الجزيرة

التعليقات