راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية


يعدّ الوطن العربي في ميزان التنمية الشاملة وخصوصا التنمية السياسية المتقوّمة بالمقاييس الديمقراطية في مؤخرة الركب العالمي والثقب الأسود الذي ظل بمنأى عن أمواج الديمقراطية الجائلة في القارات الخمس، لا بسبب زهد ذاتي في الحرية أو عشق للأغلال، فلقد دفعت شعوبنا أثمانا عالية كبتا وتسجينا وقتلا وتشريدا للأحرار، لكنها لا تزال غير كافية لتعديل الميزان لصالح الحرية وحقوق الإنسان، أمام إصرار القوى الدولية على دعمها للمستبدين خدمة لمصالحها. وما جرى ويجري في فلسطين ومصر وغيرهما شاهد، فكيف الحال والمستقبل في تونس؟

1- لا يختلف حال تونس عن كثير من بلاد العرب من حيث الطبيعة الفردية للحكم، بتمركز السلطات في شخص الحاكم وإفراغ بقية المؤسسات من سلطاتها، تشريعا وقضاء وهيئات تنفيذية مركزية وجهوية وصحافة ومجتمعا مدنيا، مع حصانة دستورية للرئيس من كل مساءلة وتضخم للجهاز الأمني باعتباره العمود الفقري للسلطة ويدها الطولى، المطلقة في أعراض الناس وأموالهم وأرواحهم وفي مؤسسات الدولة والمجتمع كالنقابات والمساجد ودور الثقافة فضلا عن السياسة، حيث تطبّق بصرامة آليات الإقصاء والقمع والاحتواء للمخالفين.

"
لا يختلف حال تونس عن كثير من بلاد العرب من حيث الطبيعة الفردية للحكم، بتمركز السلطات في شخص الحاكم وإفراغ بقية المؤسسات من سلطاتها، مع حصانة دستورية للرئيس من كل مساءلة وتضخم للجهاز الأمني
"
أما الثروة العامة فقد تفاقمت أخبار خصخصتها والاستحواذ عليها، في غياب صحافة حرة وقضاء مستقل ومعارضة قوية، مما كان له انعكاساته السلبية على الأحوال المعيشية لعامة الناس، فتفاقم التداين والبطالة والشعور بالغبن، مضافة إلى انعكاسات الأزمة الاقتصادية الدولية في مستوى السياحة والتصدير والاستثمار الخارجي، وذلك رغم دعم الاتحاد الأوروبي وتغاضيه عما يرتكب من انتهاكات للحقوق والحريات ورفض للإيفاء بمتطلبات الإصلاح الديمقراطي المنصوص عليها في اتفاقية الشراكة التي تزعم أوروبا حرصها عليها، في ازدواجية مفضوحة.

2- مثلت أول انتخابات في "العهد الجديد" سنة 1989اختبارا لشعارات التغيير، حيث ووجه الحزب الحاكم (منذ 1956) لأول مرة بحركة شعبية شابة "حركة النهضة"، علّق عليها الناس آمالا عريضة في التغيير، بعد أن ملّوا حزبا أسن، وسلطة لا تفي بوعودها، فلم تتردد في اللجوء إلى ما أدمنت عليه من التزييف لانتخابات، ساور الشعب الأمل في أن تحترم فيها إرادته، فأقبل عليها جادا.

ورغم أن السلطة لم تعترف للنهضة إلا بحوالي 20%، ومع أن ذلك دون الحقيقة بكثير، فإنه كاف ليجعلها زعيمة المعارضة، لكنه لم يكن كافيا حتى للاعتراف بها على غرار بقية الأحزاب، بل كان مبررا لشطبها من الخريطة السياسية جملة، وما يعنيه ذلك من اعتداء على مبادئ التعددية وتمهيد لإلغاء المعارضة بعد إدخالها إلى البرلمان عبر أسلوب الكوتا المهين، مقابل الصمت أو الولاء، والانخراط بكل مؤسسات الدولة في مخطط استئصالي غير مسبوق للنهضة (ثلاثين ألف سجين وعشرات من القتلى والمعوقين وآلاف من المشردين)، وتحويل أكبر ملف سياسي في البلاد، ملف الحركة الإسلامية، ملفا أمنيا لا سياسيا كما هي حقيقته منذ الإعلان عن "حركة الاتجاه الإسلامي" 1981 .

3-إن حشد أجهزة الأمن والإعلام والقضاء في مواجهة حركة النهضة لاستئصالها واعتماد سياسات الإقصاء والملاحقة إزاءها وإزاء غيرها من القوى السياسية كان من نتائجه إضعاف البلاد وهدر الطاقات وتفشي المظالم وثقافة العنف والانتقام، بديلا عن ثقافة الحوار والسماحة، بما أساء إلى سمعة الوطن ووضع على الرف مشروع الإصلاحات الموعودة.

4- غير أن القمع لئن أنهك جسم النهضة فإنه لم يستأصل فكرتها بل زادها رسوخا وانفتاحا وقد نجحت بفضل الله في إفشال خطة استدراجها إلى مستنقع العنف، ردّا على العنف الرسمي، على غرار ما حصل في أوضاع مشابهة، وبذلك جنّب تعقّلها –حسب تعبير الأستاذ محمد المصمودي- البلاد كارثة كبرى، بل بادرت رغم عمق جراحاتها إلى القيام بتقويم جاد لتجربتها السياسية للوقوف على مواطن الخلل فيها، متحمّلة نصيبها من التبعة فيما حصل من تدهور مريع للآمال في التغيير الديمقراطي -بصرف النظر عن جدّيتها أصلا- وذلك بأثر مشاركتها الواسعة في انتخابات 1989 المشاركة التي لم تحسن فيها الحركة تقدير حجم الاندفاعة الشعبية الواسعة في اتجاهها، رغبة في التغيير، بما هدد التوازنات القائمة التي لم يكن للحركة قصد في الإخلال بها، حتى إنها قبلت مقترح الحزب الحاكم دخول كل الأحزاب في قائمة انتخابية واحدة تحدد فيها الأنصبة سلفا.

لكن المقترح رفض، وهكذا فتح الطريق أمام مصارعة انتخابية حرة، حملت مفاجآت لنا وللآخرين، هددت بانهيار التوازنات القائمة وفقدان الحزب الحاكم هيبته وهيمنته. ومن ثمة ازدادت الشكوك وتنامت عوامل التوتر وردود الأفعال، زادها تأجيجا من لهم مصلحة في قمع الحركة ومواجهتها .

5- بينما في وضع مشابه، في ثلاثينيات القرن الماضي، دعا رئيس وزراء مصر الإمام البنا وقد علم أنه يزمع الترشح للانتخابات، فأفهمه أن وضع البلاد وهي تحت الاحتلال لا يحتمل مشاركته، عارضا عليه بدائل أخرى، قبلها الإمام، بما أنقذ الموقف وحافظ على الاستقرار.

كما نقل عن الملك المغربي الراحل أنه بلغه أن إسلاميي "الجماعة الإسلامية" -وهم اليوم العدالة والتنمية زعماء المعارضة في البرلمان- يزمعون الإعلان عن تشكيل حزب إسلامي (سنة 1992) "فأرسل إليهم مستشاره أحمد بن سودة، فقال لهم ما معناه: أنتم ترون ما يحدث في الجزائر، وإذا رخصنا لكم بحزب الآن فليس ذلك من مصلحتنا ولا مصلحتكم، ولذا لا يمكننا الترخيص لكم حاليا، ويمكن النظر في الموضوع بعد إجراء الاستفتاء في الصحراء" (نقلا عن الدكتور عبد السلام البلاجي). فهموا الرسالة، وأجّلوا مبادرتهم، حتى حان حينها، فتجنب المغرب كارثة شبيهة بما حصل في تونس.

"
إلى متى تستمر الدولة في اعتماد سياسة تقوم على تسليط التونسي على التونسي، يكيد له ويطارده داخل البلاد وخارجها، وتشحن القلوب والعقول بالأحقاد والثارات وتبدد الثروات في مراكمة وسائل القمع بدل وسائل النمو؟
"
6- لقد ظل إسلاميو تونس باستمرار -بحكم اعتدالهم- باحثين عن تسوية مع الدولة ولكنهم لم يجدوا منها استعدادا للحوار، ليندمجوا في المنتظم السياسي، بدل قمعهم، بما حرم بلدنا من ريادة وتوفير طاقات، التنمية أولى بها. والسؤال: إلى متى تستمر الدولة في اعتماد سياسة تقوم على تسليط التونسي على التونسي، يكيد له ويطارده داخل البلاد وخارجها، وتشحن القلوب والعقول بالأحقاد والثارات وتبدد الثروات في مراكمة وسائل القمع بدل وسائل النمو؟

7- لقد وضع البلاد مشروع فوقي للتحديث العنيف المغشوش على طريق التفكك والتوتر المنذرين بأشد الأخطار (الأول عربيا في نسب الطلاق والعزوبية والتدخين والانتحار وتدهور نسبة زيادة النسل، لدرجة استشراف شيخوخة للمجتمع، والاضطرار لإغلاق عديد المدارس بسبب انخفاض عدد الأطفال الملتحقين لأول مرة بالمدرسة بحوالي سبعين ألف طفل عن السنة التي قبلها، زيادة عن التفاوت المجحف في التنمية بين الجهات والتفاوت المتزايد بين الفئات والحجم المخيف لنسب البطالة وما تفرزه من أمراض اجتماعية كالانحراف والتفكك الأسري وتنامي الأوبئة ومنها المخدرات إلخ). إن الأمراض والآفات التي تهدد نسيج مجتمعاتنا بالتفتيت ليست قليلة والإجراءات والسياسات المتبعة بعيدة عن أن تحقق المناعة الاجتماعية والتنمية المتوازنة والرخاء والأمن الاجتماعي لقصور في أسسها ووجهتها ولاعتمادها أساليب الإكراه.

8- ومرة أخرى، بدل أن تجدد الانتخابات الشرعية وتطلق الأمل، لم تتحمل السلطة النقد اللاذع لانتخاباتها الشكلية التي أجرتها السنة المنصرمة، النقد الذي نهض به عدد من الصحفيين الشجعان في دوريات محلية كالموقف والطريق الجديد و"مواطنون"... وفي الصحافة الدولية ومواقع الإنترنت. كما لم تتحمل انتقادات المناضلين الحقوقيين ومنظماتهم، فلجأت إلى الاعتقال واستخدام القضاء لفرض الصمت، كما فعلت من قبل مع الدكتور الصادق شورو. وسخرت "الإعلام" الدائر في فلكها لشن حملات، ضربت المثل الأسفل في الإسفاف وهتك الأعراض.

9- ومن عادات دولة الاستقلال ركوبها صهوة كل موجة تنبعث في الغرب.. ركبت قطار الحداثة وحرية المرأة والاشتراكية والاقتصاد الحر والمجتمع المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان، ومنذ سنوات وهي تركب موجة الحرب على الإرهاب، ذريعة لتعزيز ترسانتها القانونية المحاصرة للحريات والانخراط فيما تسميه المجهود الدولي للحرب على الإرهاب، جلبا للمساعدات وشراء للصمت، فزجت بأفواج من شباب تونس في عمر الزهور، في المعتقلات وسلطت عليهم صنوفا من النكال والأحكام القاسية.

وهؤلاء يكادون يغدون نسيا منسيا في أدبيات بعض مدعي الحداثة المتواطئين مع سياسات الإكراه والقمع، شأن محنة مرتديات الخمار، وكأنهم ليسوا بشرا، ومواطنين مظلومين.  لولا جهود حقوقيين شجعان تشبعوا بأن حقوق وكرامة المواطن فوق كل اختلاف وهي إما أن تكون للجميع وإما أن لا تدوم لأحد.

10- غير أنه مع ما سلط على المجتمع من ضروب المحن وسياسات الخوف فقد توالت وتصاعدت مبادراته المعبرة عن حيويته النضالية وأصالته الدينية وعمق مواريثه الإصلاحية التحررية:

أ- لقد تصاعدت في المجتمع حالات التذمر الشعبي إزاء تفشي البطالة وأخبار التمييز أو الاعتداء على المال العام، فاستأنف مبادراته الاحتجاجية رفضا للاستغلال ومطالبة بالعدالة، ومن ذلك ما حدث السنة الماضية في منطقة المناجم، إذ انتفضت مدينة الرديف، وتوجست السلطة شرا من هذا التحرك الجماعي خشية أن يغري مناطق أخرى مشابهة بتحرك مشابه فواجهته السلطة بكل عنف فكان القتلى والجرحى والزج بالعشرات في غياهب السجون، وتولى القضاء الباقي.

ولا يمر يوم دون وقوع إضرابات في مؤسسات كبيرة وصغيرة متنوعة.. واللافت للنظر تعدد وقائع الإضراب عن الطعام، خصوصية تونسية دالة على مدنية هذا المجتمع.

ب- شهدت السنوات الأخيرة حركة حقوقية نشطة، داخل البلاد وخارجها لم تنتظر إذنا رسميا للقيام بواجبها في شجب ما يتعرض له المناضلون وحتى عامة المواطنين من ضروب الانتهاك لحقوقهم.. متحملة ضروبا شتى من المحاصرة والملاحقة وحتى القمع. الأمر الذي أحرج السلطة وزاد من تشنجها وردود أفعالها العنيفة وساهم في حملها على إطلاق سراح مساجين الانتفاضة المنجمية ونقابييها، كما أطلق من قبلهم سراح بقية سجناء حركة النهضة بعد قضاء ثماني عشرة سنة، باستثناء رئيسها السابق الدكتور الصادق شورو الذي أعادوه للسجن بعد ثلاثة أسابيع من خروجه عقابا له على إعلانه اعتزازه بالانتماء لحركة النهضة وتمسكه بحقه في التعبير عن رأيه.

ج_ كما شهدت البلاد تناميا للإعلام الحر وبخاصة عبر فضاء الإنترنت المتحرر من سيف الحجاج رغم كل الجهود والوسائل الأمنية والتقنية التي سخرتها السلطة لحجب المواقع وملاحقة المدونين وقطع البريد الإلكتروني وقطع الإنترنت. وكانت مبادرة مئات من الصحفيين الجسورين بتأسيس نقابة صحفية مستقلة -سارعت السلطة إلى الانقلاب عليها، كما فعلت بجمعية القضاة- جزءا من حركة مجتمعية متنامية تتجه إلى رفع وصاية السلطة عن المجتمع.



"
لا يبدو بعيدا عن الصواب أن تونس تخلفت عن السير في موكب التحولات الديمقراطية، وأن أزمتها قد تغريها أو تسوقها إلى تطبيع صريح مع الكيان الصهيوني خضوعا لضغوط الخارج وطمعا في العطاء وهربا من استحقاقات الواقع
"
د- أخذت الحركة الطلابية تنتعش، في سبيلها إلى استعادة دورها الطليعي في الحراك المجتمعي التحرري، وذلك رغم ما يتعرض له الطلبة من ملاحقة ومحاكمات لمنع استئناف مسيرتهم التاريخية عودا إلى جامعة "محايثة" للمجتمع حاملة لهمومه وليست منعزلة عنه، متمحورة حول ذاتها ولذّاتها.

ذ- كثيرا ما كانت الحركة السياسية تزداد ثقة وفاعلية بوجود وسند الحركة النقابية العمالية والطلابية ولما دجنت القيادة النقابية اتجهت السلطة إلى استهداف الحركة الإسلامية ثم الطلابية ثم استفردت ببقية الأطراف السياسية فمزقتها أو دجنتها حتى الذين تحالفوا معها في قمع الإسلاميين، ولأن هناك بوادر كثيرة تبشر بعودة الحركة المجتمعية، منتظر انتعاش الحركة السياسية لا سيما وقد نجحت جماعاتها الأساسية في حركة 18 أكتوبر/تشرين الأول في إدارة حوار مثمر بينها أثمر عددا من الوثائق المهمة تشكل أرضية مشتركة لمعالم أساسية لتصور مجتمعي يسعى إليه الجميع، بما نزع ذريعة التشتت، التي اتكأ عليها البعض، فشاغب لتسويغ الانعزالية والاستئصال.

لم يبق اليوم مسوغ أمام مكونات 18/10 للانتظار والتردد في ترجمة مشتركاتهم تحالفا معارضا يتسع لكل القوى المناهضة للانغلاق والداعية لانتقال ديمقراطي جدير به شعبنا ويفتح أمامه أفاقا أرحب ووسائل أنجع لمعالجة مشاكله وإصلاح أمره.

11- لا يبدو بعيدا عن الصواب باعتبار تونس جزءا من وضع عربي قد تخلف -بسبب الدعم الدولي للدكتاتوريات عن السير في موكب التحولات الديمقراطية- أن أزمتها مثله تشتد، بما قد يغريها أو يسوقها إلى تطبيع صريح مع الكيان الصهيوني خضوعا لضغوط الخارج وطمعا في العطاء وهربا من استحقاقات الواقع.

12- وفي ضوء الخبرات السابقة يكون التساؤل هل ستطور السلطة سياستها وتستجيب لمقتضيات العدل والصالح الوطني فتتعامل مع ملف حركة النهضة باعتباره ملفا سياسيا كما تفعل عموم الدول العربية والإسلامية؟ أم ستستمر في إقصائها والتعاطي معها على أنها مشكلة أمنية وعبر جهاز الأمن الذي لا يدخر أي جهد لتشديد قبضته الحديدية والتخويف من كل انفتاح إعلامي أو سياسي أو حقوقي أو نقابي؟ وهل تراها ستعمد إلى تخليق كيانات مصطنعة بديلة، كما فعلت مع تيارات أخرى؟

13-- انبعثت السنوات الأخيرة صحوة دينية واسعة اخترقت كل الفئات والجهات تؤكد تشبث التونسي بالبقاء ومواجهة أخطار تفكك مقومات شخصيته، وتشهد على عمقه الديني وفشل الحل الأمني في تجفيف ينابيعه، فهل ستستمر السلطة في رفض التعامل السياسي مع هذا التيار المتعاظم معتصمة بمنطق أمني تجزيئي، عبر القمع والمحاكمات يستدرج الضحايا إلى القبول به، فيسلخون عشرات السنين من أعمارهم في المطالبة بالخروج من السجن المضيق ليجدوا أنفسهم وقد نقلوا إلى ما يشبه السجن الموسع، فيبدأ نضالهم لاستعادة الدرجة الأولى من الحقوق كالحق في الشغل والتنقل والعلاج، فضلا عن الحقوق العالية كالحق في الكلام –أعيد الشيخ الصادق شورو إلى السجن لأنه تجرأ على ممارسة هذا الحق.

وما إن أخذت السجون المضيقة تخلى من النهضويين، ليحل محلهم جيل آخر من الإسلاميين، حتى بدأ مئات المهجرين يطالبون بحق العودة، فلم يجدوا غير التعامل الأمني وأساليب الابتزاز والمساومات والعودة المحفوفة بالمخاطر. وهكذا بدت خشية أن تتقزم مطالب النضال السياسي والحقوقي في مطالب حقوقية جزئية تتبدد فيها الأعمار بدل الاتجاه بإرادة جماعية إلى معالجة القضية الكبرى قضية الحريات، فتتضاءل الاختلافات في مواجهة الهم الأعظم.

"
فرص التسعينيات التي قدمت سندا للقمع ومنها تأزم المحيط التونسي والازدهار الغربي، يتسارع تراجعها بما يراكم أسباب أزمة لا ينجي منها غير التعامل السياسي مع الملفات السياسية بديلا عن الحلول الأمنية
"
14- إن فرص التسعينيات التي قدمت سندا للقمع ومنها تأزم المحيط التونسي والازدهار الغربي، يتسارع تراجعها بما يراكم أسباب أزمة لا ينجي منها غير التعامل السياسي مع الملفات السياسية بديلا عن الحلول الأمنية، وذلك بالإقدام على إصلاحات حقيقية تبدأ بإطلاق سراح المساجين واسترداد حقوقهم وعودة المهجرين وإطلاق حرية الصحافة والأحزاب والجمعيات بما يفسح المجال أمام حوار عام حول الخيارات الكبرى لا يقصي طرفا.. يفضي إلى إصلاحات دستورية وقانونية تنهي تمركز السلطات وتكرس الفصل بينها وتوازنها واستقلالها وتحترم المجتمع المدني وتدعم اللامركزية على كل المستويات، الوطني والجهوي وتوقف أو تحد على الأقل من النهب.

شيء من ذلك بدأ يحدث في المغرب وليبيا.. إذا تواصل يمكن أن يمثل سابقة في الإصلاح الذاتي الذي يجنب البلاد الهزات والأزمات. فهل ستشهد السنة الجديدة في بلادنا وأشباهها إصلاحات جادة لا مناص منها، سواء فرضتها تحركات شعبية تقودها جبهات وتحالفات ديمقراطية؟ أم مبادرات جادة من قبل أهل الحكم؟ وهل العمل المعارض سيغادر مواقع التشرذم متجها إلى أصل الداء؟ أم سينحبس في جزئيات مطلبية تتفنن في براعة الخطاب، بينما الأزمة تتفاقم، ومصائر البلاد لعقود قادمة تطبخ في مطابخ خارج البلاد وداخلها لنفاجأ بالمجهول لا قدر الله؟

المصدر : الجزيرة

التعليقات