مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


هناك تطابق في فلسفة الموقف بين التحليل السياسي والفتوى الفقهية التي ذكرها الإمام القرضاوي في هذه القضية بالذات, وهو وضوح الرؤية وتحديد الأضلاع وحتمية مآلاتها, وما قصدته هو حديث الإمام القرضاوي الذي عددناه مرارًا بحق إماما أكبر للعالم السُني في زمننا المعاصر فكيف لا يكون في موقع الإمامة الكبرى في الأزهر الشريف أزهر مصر والعرب، الذي نراه أن الإمام هو خير من ينسب إلى الأزهر بلا تعيين رسمي وكذلك جبهة علماء الأزهر الشريف وسماحة مفتي مصر السابق الشيخ واصل فريد, هكذا كُنّا ولا نزال نرى مصر عظيمة برجالها ومواقفها وتاريخها القومي الإسلامي.

تَحدّث الإمام في الحلقة الماضية من برنامج "الشريعة والحياة" بالجزيرة عن قصة الفتوى حول الجدار الفولاذي وذكر أن صديقه وأخاه فضيلة الشيخ عبد المعز عبد الستار تساءل معه في حديث عن هذه القضية: هل هذا الجدار الذي يخنق شعبًا عربيًّا مسلما بمطلب إسرائيلي يحتاج إلى فتوى؟ إنّ كل مسلم يفتي في ذلك. واستطرد الإمام: هل يجوز قتل إنسان بريء وخنقه حتى يجوز خنق وقتل شعب غزة وهم في حالة دفاع ومقاومة لتحرير أرضهم العربية الإسلامية؟

"
البنّا وعبد الناصر رغم الخلاف بين مدرستيهما كانا متفقين -وإن لم يلتقيا- على هوية مصر في المعركة مع إسرائيل في أي صف تكون, غير أنّ النظام الحالي يسعى إلى ضخ جنوني مع مشاعر التحريض والإيهام بمس الشخصية الوطنية لدى جانب من الجمهور
"
هنا أنقلكم إلى ما ذكرته من وضوح أركان اللعبة سياسيا وإستراتيجيا في القضية, ورغم أنّ طبيعة التحليل السياسي تقتضي العمق غير أن تحليل هذا المشهد لا يحتاج إلى ذلك وإن كنت سأتطرق للأبعاد الإستراتيجية لحرب الجدار, لكنني لا بد أن أنوه إلى حملة النظام الرسمي في القاهرة لضرب إسفين بين الشعب العربي وبين شعب مصر القائد للعرب في التاريخ المعاصر المتصدر في حقبة التاريخ القومي للواجهة في معركة الصراع العربي الإسرائيلي حتى إنّ أبرز شخصيتين لمصر المعاصرة وهما الإمام الشهيد حسن البنّا والرئيس جمال عبد الناصر رغم الخلاف بين مدرستيهما كانا متفقين -وإن لم يلتقيا- على هوية مصر في هذه المعركة في أي صف تكون, غير أنّ النظام الحالي يسعى إلى ضخ جنوني مع مشاعر التحريض والإيهام بمس الشخصية الوطنية يُلغي فيه أي قدرة على القراءة العقلية لدى جانب من الجمهور, وهي لغة تُثار في إستراتيجية تَعلم القاهرة الرسمية أنها ضرورة لكون تبرير مثل هذا العمل الشنيع لا يمكن أن يَمّر في أجواء هادئة ولا بد من افتعال حروب واستنهاض غرائز جنونية توجّه إلى صدر غزة ومن يقف معها من العرب.

وحتى تكون الصورة واضحة وجلية في موقفنا فإن استخدام الحالة الاقتصادية والتهييج الإعلامي ليس محتكرا في نظام مصر ولكنه برنامج عمل حيوي تمارسه معظم الأنظمة الرسمية مع شعوبها وأضرب مثالا منطقة الخليج وحروب واشنطن على العراق وكيف استخدمت قواعد خليجية لضربه في حين يتقاذف النظام الرسمي فيه التهم الثابتة عليهم وكان يُهيج إعلامه ورأيه العام في معارك لتغطية هذه المشاركة وهكذا يمكن أن نقيس على ذلك أوضاعا عربية أخرى, لكن ما شدد الرؤية نحو الجدار وفزع الحالة الإنسانية في غزة هو إصرار القاهرة الرسمية الدائم على أن تكون طرفًا مستمرًا بفاعلية في هذا العدوان رغم مرور أكثر من عام عليه. 

ونعيد هُنا بعض المواقف التي صدرت منذ بدء العدوان بدءًا بتهديد أبي الغيط بتقطيع أقدام أهل غزة إذا تجاوزوا الحدود للتموين وحديثه عن تبني القاهرة بفخر إفشال قمة الدوحة -وإن كانت لم تفشل في تقديري وإنما فشل الوزير- وما نقل عن حديث الوزير عمر سليمان عن ضرورة تأديب تل أبيب لقادة حماس وضرب رؤوسهم قبيل غارة الظهيرة ليوم العدوان ومقتل شقيق سامي أبي زهري تحت التعذيب بيد الأمن المصري وصولاً إلى تغيير فعلي في بنود اتفاق المصالحة وتهديد حماس بالتوقيع القهري والدور الغامض غير المريح لمشاركة الوزير سليمان في صفقة الأسرى التي تحركت بفاعلية عند الوسيط الألماني وأعيقت بتنسيق إسرائيلي مع رام الله في حضور فاعل للوزير سليمان وانتهاءً بقرار الجدار الفولاذي مع استحضار مهم للتمويل الأميركي والمعلومات التفصيلية الدقيقة التي نشرتها هآرتس وباقي الإعلام الإسرائيلي قبل أي بروز لقضية الجدار في مصادر عربية, وهو ما يُعطي مؤشرًا مهمًّا على توقيت الجدار وإعلان نتنياهو في مجلس الوزراء الصهيوني مساء العاشر من يناير/كانون الثاني الجاري العزم على شن حرب جديدة على غزة.

"
قد يكون الجدار متطلبا عسكريا مهما لحرب إسرائيل القادمة تسعى فيه القاهرة الرسمية إلى تعزيز قدرات تل أبيب بتشديد الخناق على غزة بعد أن فشلت محاولة محمود عباس الأخيرة للاختراق السياسي, وعليه يضمن هذا الجدار سرعة إنهاء المحرقة القادمة
"
وهنا يبرز تفسيران لهذا التزامن الدقيق والخلفيات المكثفة، إما أن يكون الجدار هو دفع لغزة وليس حماس فقط إلى التسليم بالبنود الإضافية التي أصر عليها الوزير سليمان بعد اتصال مع واشنطن فضلاً عن تل أبيب ورام الله وبالتالي يهدد نتنياهو لتعزيز الحصار المصري هذه المرة، وإما أن الجدار متطلب عسكري مهم لحرب إسرائيل القادمة تسعى فيه القاهرة الرسمية إلى تعزيز قدرات تل أبيب بتشديد الخناق على غزة بعد أن فشلت محاولة محمود عباس الأخيرة للاختراق السياسي، وعليه يضمن هذا الجدار سرعة إنهاء المحرقة القادمة وتسوية التمرد الغزاوي على المشروع الصهيوني المركزي وحلفائه الدوليين والعرب.

إن المتابعة الدقيقة لحراك القاهرة الرسمية وهي تطوف دوريا في محاولة لقطع أي تواصل بين حماس وأطراف عربية قريبة أو أقل اختلافا معها من القاهرة محبطةً محاولات عربية لتقريب المصالحة وسعيها لتعزيز القطيعة الدبلوماسية الظالمة لحماس, وذلك من خلال خلية نحل متبادلة بين رام الله والقاهرة تجدها في تناسق دقيق، تعطي مؤشرا على حماس نظام الرئيس مبارك ذاتيًّا في تصفية قضية غزة المحررة.

وليس صحيحًا أن الاتفاقية التي تحتج بها القاهرة لإدارة المعابر تضغط على موقفها, فهذا الأمر عمليًّا ليس قائما بل إنّ العالم والأمم المتحدة خاصّة بعد فضائح نازية تل أبيب وتوثيقها دوليًّا أصبح يُدرك تمامًا أن الحاجات الإنسانية التي لا تطلب غزة سواها لا يمكن أن تفسّر بقانون إدارة المعابر لأنها خاضعة للحالة الإنسانية المطلقة.

ولذا فإن القاهرة باتت تدرك أن موقفها من تعويق هذه الإمدادات إنما هو خديعة للرأي العام المصري والعربي والدولي وليس هناك ما يبرر هذا الحصار.

ومع تدافع العالم واندهاشه من وحشية الحصار من رفح فضلاً عن المعابر الصهيونية وتدفق القضية إنسانيًّا على غزة من العالم وتحولها إلى قضية رأي عام دولي عالمي، كل ذلك أشعر القاهرة بأن هذا الاتحاد الإنساني يخنق مشروع الحصار ويجعل للضحية شيئًا من المتنفس بأن لا تكون الإمدادات الإنسانية سلاحًا يقهر الإنسان لأجل متطلبات الاحتلال.

وهو المفهوم الذي يضايق الموقف الرسمي للقاهرة لأنه يضغط لمصلحة الضحية وعليه فقد كان من الواضح أن قرار الجدار يسير في هذا الاتجاه الذي لا يمكن أن يُعزل عن تصريحات نتنياهو وهذا الجموح المتبادل بين القاهرة وتل أبيب ورام الله لإنجاز عملية تكسر حالة الاستقلال لشعب غزة.

ولم يكن هناك أي ضغط من غزة يستوجب استدعاء هذه الحملات الإعلامية لو أنّ الإغاثة الإنسانية فقط كانت تدخل لغزة, لكن الإعلام الرسمي كان يريد أن يطمر هذه الحقائق ويفتعل أزمات مع حماس والشعب الفلسطيني لينفّذ برنامجه الخاص الذي لا يزال مع الأسف الشديد داخل إطار الحرب والضغط للاستسلام.

"
لا يُشكك عربي منصف في التاريخ النضالي والثقافي لمصر وهي حاضرة في كل ذاكرتنا وعند كل صحيفة نقلبها وكتاب نتدارسه, وهذا الموقف لا يُريد الإعلام المتواطئ مع إستراتيجية الجدار أن يستقّر في نفوس أبناء مصر فيتحدوا مع أشقائهم العرب
"

إن هذا السيل من التصعيد يُخفي وراءه برنامجا إستراتيجيا جديدا بدأ يَطّل على المشهد وهذه المغالطات التي تريد تحويل نقد الموقف الرسمي سياسيًّا ومبدئيًّا إلى قضية أمن قومي مصري مزعومة تدرك أنّ هذا المشروع لا يمرر إلاّ في حقل أُفسدت أرضه تمامًا, وإلاّ فلا يوجد أي روح كراهية لأبناء مصر الذين كانوا في صدارة من علّم العرب معنى الانتماء والثقافة وعلموهم من خلال أبطال الأزهر الشريف علماء وأساتذة كيف تنتفض المنارة لقهر الاستعمار في أنموذج سليمان الحلبي وجموع من رموز الشهادة في حرب السويس وحروب إسرائيل.

ولا يُشكك عربي منصف في التاريخ النضالي والثقافي لمصر وهي حاضرة في كل ذاكرتنا وعند كل صحيفة نقلبها وكتاب نتدارسه, وهذا الموقف لا يُريد الإعلام المتواطئ مع إستراتيجية الجدار أن يستقّر في نفوس أبناء مصر فيتحدوا مع أشقائهم العرب الذين لا يسعون للتدخل ويحترمون ثقافة الشعوب العربية وحساسيتها، كل ما يريدونه هو فك الحصار الوحشي إنسانيا.

والأحرار من العرب والغرب باتوا يتقاطرون وقد انكسر التاريخ إجلالاً لجورج غالوي وكفاحه لإنقاذ ضحايا العدوان ليمرر حليب الرضع ومؤونة الشعب العظيم الكريم الذي لم يأخذ كسرة خبز من رفح إلا بقيمتها.. فمتى يرفع عمر سليمان وفريقه حرابه وجرافاته عن أطفال غزة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك