علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


تحولات ما بعد غزة
الجولة الأولى والثانية واللجان الخمس
الجولة الثالثة وتحول العملية الحوارية إلى ثنائية
ترحيل الموعد الأول للمصالحة
تقرير غولدستون وانتكاس الحوار

لعبت معطيات ما بعد صمود غزة دوراً هاماً في توفير المناخات الدافعة لانطلاق قاطرة الحوار الوطني الفلسطيني في جولاته السبع التي عقدت في القاهرة منذ فبراير/ شباط 2009.

فشكلت مرحلة ما بعد غزة عاملاً هاماً ساهم في تذليل العقبات التي كانت قد اعترضت في مرات سابقة التئام العملية الحوارية الفلسطينية الداخلية، فكانت دروس تجربة غزة بمثابة عوامل رئيسية دفعت باتجاه تسريع الحوار الفلسطيني لإنجاز وحدة وطنية ببرامج متفق عليها بين كافة الأطياف السياسية الفلسطينية، وبالتالي إنهاء حالة الانقسام.

فقد عقدت في القاهرة وبعيد توقف العدوان العسكري الإسرائيلي المباشر على قطاع غزة، سبع جولات حوارية فلسطينية فلسطينية، لم تستطع أن تصل بالحوار إلى غاياته المنشودة حتى الآن... فكيف سارت الأمور، وما هي أبرز المحطات التي رسمت مصائر العملية الحوارية حتى اللحظة الراهنة..؟

تحولات ما بعد غزة
توالدت ما بعد غزة جملة عوامل مؤثرة، جاءت في سياقات الفراغ الفلسطيني الرسمي العميق على المستويات كلها، فأسقطت أو حجمت لحدود كبيرة الإملاءات الخارجية والتي كانت عائقاً كبيراًً أمام تحقيق الحوار الفلسطيني وصولاً للمصالحة الوطنية. كما شهد العالم والمنطقة تحولات ملحوظة، وفي المقدمة منها صعود إدارة أميركية ديمقراطية جديدة بقيادة باراك أوباما باتت تريد أن تقلل من حجم الكوارث التي ساقها الرئيس السابق جورج بوش وإدارته للولايات المتحدة ذاتها.

"
تحولات ما بعد غزة جاءت في سياقات الفراغ الفلسطيني الرسمي العميق على المستويات كلها، فأسقطت أو حجمت لحدود كبيرة الإملاءات الخارجية والتي كانت عائقاً كبيراًً أمام تحقيق الحوار الفلسطيني
"
كما في فوز اليمين المتطرف في الانتخابات الأخيرة في الدولة الصهيونية وتتالي مخرجات الانتخابات "الإسرائيلية" التي أكدت انزياح المجتمع الصهيوني نحو اليمين واليمين المتطرف، وبالتالي تراجع آمال وأوهام من هم في صف استمرار المفاوضات عند الطرف الرسمي الفلسطيني، في وقت استمرت فيه السياسات الإسرائيلية الصهيونية على حالها بالنسبة لعناوين المفاوضات فضلاً عن استمرار عمليات الاستيطان الإجلائي في عموم الأرض المحتلة عام 1967، ناهيك عن محاولات الإطباق على مدينة القدس وتهويدها من الداخل.

كما جاءت تطورات ما بعد العدوان على غزة وصمود حركة حماس وباقي قوى المقاومة، وبروز تحسن ملحوظ في أحوال العلاقات العربية العربية ليصب في الاتجاه ذاته، حيث شهدت القمة العربية الدورية في الدوحة التي عقدت أواخر مارس/ آذار 2009 ما يشير إلى تأكيد الأمر المشار إليه، خصوصاً وأن النظام الرسمي العربي بات يدرك ما تحققه دولة الاحتلال من إنجازات بسببه (الانقسام الفلسطيني الداخلي)، وما ينطوي عليه استمراره (الانقسام) من مخاطر ليس فقط على الحقوق الفلسطينية، وإنما أيضاً على الوضع العربي خصوصاً بالنسبة للدول المحيطة والمجاورة للأراضي المحتلة.

إضافة إلى ذلك، فإن تطوراً إيجابياً صنعته وقائع صمود غزة، في الانفتاح الأوروبي الملحوظ على الداخل الفلسطيني بكل مكوناته، وتواتر اللقاءات الأوروبية على مستويات مختلفة مع قيادات مختلف الفصائل وعلى الخصوص مع حركة حماس، حيث عقدت لقاءات عمل شارك بها برلمانيون أوروبيون مع قيادة حماس، وأرسل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي موفدا له لهذا الغرض.

كما وصل إلى دمشق وفدان أوروبيان رفيعا المستوى وعقدا لقاءً موسعاً مع قيادة حركة حماس بشخص رئيس مكتبها السياسي. وهما وفدان منفصلان من خمسة عشر نائباً من خمسة برلمانات (بريطانيا، أسكتلندا، أيرلندا، اليونان، إيطاليا) عقدوا لقاءً موسعاً مع خالد مشعل وعدد من قيادات حركة حماس لبحث إنهاء ما يسمى بـ "العزلة الدولية" المفروضة على حركة حماس وإعادة صياغة العلاقة بين الأوروبيين وحماس.

وعليه فقد باتت مصادر القرار في أوروبا الغربية على دراية وقناعة تامة بأن تحييد أو إقصاء حركة حماس أمر غير ممكن في الساحة الفلسطينية وعلى الدائرة الشرق أوسطية وما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية.

الجولة الأولى والثانية واللجان الخمس
وعليه، فقد شكل انطلاق العملية الحوارية الفلسطينية الفلسطينية صباح السادس والعشرين من فبراير/ شباط 2009، الخطوة الأولى، التي تتابعت في الجولة الحوارية الثانية التي عقدت يوم العاشر من مارس/ آذار 2009، بحضور (14) فصيلاً فلسطينياً، وفيها تم الاتفاق على تشكيل اللجان الخمس (لجنة المصالحة، لجنة الانتخابات، لجنة الحكومة، لجنة إعادة بناء الأجهزة الأمنية، لجنة منظمة التحرير)، في خطوة ملموسة ومحسوسة على طريق صياغة اتفاق حقيقي وجامع عبر قواسم مشتركة بين القوى الفلسطينية.

وقد أسهمت جولتا الحوار الأولى والثانية في توليد مناخات إيجابية بشكل عام في الوضع الفلسطيني الداخلي، وكسرتا حدة المواقف بين مختلف الأطراف، وبلورتا اتفاقاً فلسطينياً على الأطر العامة لملفات الحوار، وهي تطوير "منظمة التحرير الفلسطينية" وتفعيلها، وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني بالتزامن، بالإضافة إلى تشكيل حكومة توافقٍ انتقاليةٍ، وتحديد عدد الأجهزة الأمنية ومسمياتها ومهامها ومرجعيتها وأسس إعادة هيكلتها، ووضع ميثاق شرف للمصالحة يضمن عدم العودة إلى الاقتتال الداخلي.

من هنا، وبعد أن قطع الحوار المرحلة الأولى والثانية منه بتشكيل اللجان الخمس، التي التأمت بدورها في اجتماعات عمل متواصلة، أنهت جميع اللجان أعمالها بتفاهمات عامة، رافعة العديد من النقاط والعناوين التي لم يتم الاتفاق حولها إلى لجنة التوجيه الوطني العليا، التي تتشكل من رؤساء الوفود الفلسطينية في القاهرة، والمسؤولين المصريين.

الجولة الثالثة وتحول العملية الحوارية إلى ثنائية

"
تم تعليق الجولة الثالثة، إلى أن عادت حركتا حماس وفتح لاستئناف الحوار المشترك بينهما في القاهرة، في الأسبوع الأخير من أبريل 2009، في جولته الرابعة التي اعتبرها البعض بأنها الجولة الأصعب والأهم
"
لقد بدأت الجولة الثالثة للحوار الفلسطيني الفلسطيني في القاهرة بداية أبريل/ نيسان 2009 بحوار ثنائي فقط بين حركتي فتح وحماس، كانت القاهرة قد أعدت له مسبقاً، اقتناعاً منها بأن الاستعصاءات التي برزت في أعمال اللجان الخمس المنبثقة عن حوارات القاهرة الفلسطينية، باتت تنتظر توافقاً بين القطبين الأكبر في الساحة الفلسطينية، لحل ما تبقَى من نقاط خلافٍ. لذلك قامت القاهرة بترتيب العملية الحوارية هذه المرة بين حركتي فتح وحماس فقط.

ومع هذا، لم تستطع جولة الحوار الثالثة أن تنهي القضايا الإشكالية والخلافية، وعلى رأسها مسألة تشكيل الحكومة وإعادة بناء منظمة التحرير، وإعادة بناء قوات الأمن الفلسطينية. بل واستدارت الأمور باتجاه إعادة إنتاج بعض العناوين التي سبق وأن أشبعت نقاشاً، وتحديداً مع عودة الطرف المصري الراعي للحوارات لتشديد مطلبه على ضرورة اعتراف حركة حماس بشروط الرباعية الدولية، والالتزام بما التزمت به منظمة التحرير الفلسطينية.

وعلى ضوء ذلك تم تعليق الجولة الثالثة، إلى أن عادت حركتا حماس وفتح لاستئناف الحوار المشترك بينهما في القاهرة، في الأسبوع الأخير من أبريل/ نيسان 2009، في جولته الرابعة التي اعتبرها البعض بأنها الجولة الأصعب والأهم والتي شهدت طرح أفكار جديدة، فبدت مشجعة في إطارها العام، ولكن مقدماتها كانت مربكة، ومناخاتها متقلبة أيضاً بالنسبة للعناوين الموضوعة على أجندة الحوار نتيجة تواصل حالات الاعتقال السياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة التي طالت العشرات، وكان أحد فصولها اعتقال الأكاديمي الدكتور "عبد الستار قاسم" لبضعة أيام، وكان أكثر حلقاتها بشاعة إصابة الشيخ حامد البيتاوي في نابلس بشظايا عيار ناري أطلقه أحد عناصر الأمن الوقائي باتجاهه، فضلاً عن بقاء سيف الاشتراطات الخارجية مصلتاً على أجواء الحوار. ومع هذا انتهت الجولة الرابعة بتقدم محدود حمل في طياته التفاؤل والاستبشار بانتظار الجولة الخامسة.

ترحيل الموعد الأول للمصالحة
أما في الجولة الحوارية الخامسة، فقد انطلقت يوم الثامن عشر من مايو/ أيار 2009 بإقلاع جيد نسبياً، لتبحث ثلاث قضايا خلافية، أولاها تتعَلق بقانون الانتخابات، والثانية آلية بناء الأجهزة الأمنية، أما الثالثة فهي اللجنة المشتركة التي طُرحت كبديل عن حكومة التوافق. (إصرار حركة فتح على أن تكون القائمة النسبية 80% والدوائر 20%، بينما وافقت حماس على أن تكون القائمة النسبية 60% والدوائر 40%، وطرح الراعي المصري حلاً يتمثّل في جعل نسبة القوائم النسبية 75% أمّا الدوائر فـ25%)، أما النقطة الخلافية الثالثة فكانت تتعلق بـ "تشكيل اللجنة المشتركة" بدلاً عن حكومة الوفاق الوطني، وهو مقترح مصري يتعلق بتشكيل لجنة فصائلية لحل عقدة موقف برنامج الحكومة من الاتفاقات السابقة.

وبشكل عام، إن الذي تم إنجازه في الجولة الخامسة للحوار الفلسطيني وضع الطرفين الحمساوي والفتحاوي على مسافة قريبة من التوصل إلى اتفاق، وتم عملياً تحديد وحصر الإشكالات التي تعيق التوصل إلى اتفاق، وتم طرح أفكار وحلول على الطرفين من قبل الطرف المصري كمخرج لمعالجة هذه الإشكالات، لبلورة نهائية للأفكار المطروحة في الجولة التالية.

"
في الجولة الخامسة للحوار الفلسطيني وضع الطرفان الحمساوي والفتحاوي على مسافة قريبة من التوصل إلى اتفاق، وتم عملياً تحديد وحصر الإشكالات التي تعيق التوصل إلى اتفاق
"
وعليه، انطلقت الجولة الحوارية السادسة في أواخر يونيو/ حزيران 2009، وانتهت دون التوصل لنتائج حاسمة بالنسبة لحل القضايا والاستعصاءات التي مازالت مطروحة على طاولة الحوار. فانتهت الجولة دون حسم واضح ولتتراجع مع نتائجها آمال المتفائلين من المراقبين والمتابعين للشأن الفلسطيني، والذين قالوا أكثر من مرة بأن موعد السابع من يوليو/ تموز 2009 في القاهرة بات موعداً مقدساً لتوقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية الشاملة بحضور جميع القوى والفصائل وقياداتها الأولى، مستندين في ذلك إلى أمرين اثنين: أولهما إصرار الطرف المصري على الموعد المذكور مهما كلف الأمر كما كانت تشيع وسائل الإعلام المختلفة.

وثانيهما تأكيدات مدير المخابرات الحربية المصرية اللواء عمر سليمان الذي أشار إلى أن القاهرة ستفرض رؤيتها على جميع الأطراف في الموعد المشار إليه في حال عجزت كل من حركتي فتح وحماس في التوصل لاتفاق شامل ونهائي للمصالحة الوطنية الفلسطينية.

في حين عاد وفدا حماس وفتح للتواصل مجدداً في الجولة الحوارية السابعة بشكل مجزوء ودون عقد جلسات عمل كاملة، لتعود الأمور هذه المرة وهي مثقلة بالاحتقان الناتج عن عمليات الاعتقال السياسي، ودون اتفاق لإيجاد حل نهائي لهذا المسألة.

تقرير غولدستون وانتكاس الحوار
لكن الوقائع والتطورات التي شهدتها الساحة الفلسطينية والتي تسارعت مفاعيلها على الأرض، وضربت بوقائعها المسار السياسي لعملية المصالحة الفلسطينية الداخلية، بعيد تأجيل التصويت على تقرير ريتشارد غولدستون بطلب من المندوب الفلسطيني، جاءت لتحرق الموعد الثاني للمصالحة الفلسطينية والذي كان من المقرر له أن يتم في القاهرة يوم السادس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول 2009، ولتستعر فوقه الخلافات والتباينات الفلسطينية.

فحاولت القاهرة احتواء التفاعلات التي توالدت داخل البيت الفلسطيني وبسرعة كبيرة، فقدمت ورقتها الأخيرة، بتخريجات عامة وفضفاضة لإرضاء جميع الأطراف وتحديداً حركتي فتح وحماس، فاقترحت أن يكون موعد توقيع اتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية ما بعد عيد الأضحى في ديسمبر/ كانون الأول 2009، وعادت وطالبت أن يتم التوقيع على الورقة فرادة ودون لقاء جماعي بين حركتي فتح وحماس أو باقي القوى السياسية، لكن هذا الاقتراح زاد في الأمر تعقيداً في توالد خلافات لا تكمن في القضايا الإجرائية مع أهميتها لكن في المسار السياسي كما تشير حركة حماس وعدد من القوى الفلسطينية التي تحفظت على الورقة وطالبت بتعديل قبل التوقيع عليها.

"
المصالحة الحقيقية ومصائر الحوار الفلسطيني مازالت حقيقة في المجهول بانتظار جهد مصري وعربي جديد لتذليل العقبات التي توالدت، واحتواء مضاعفاتها
"
هذا إذا أضفنا القول بأن العديد من القوى والفصائل بما فيها من فصائل منظمة التحرير، سجلت بدورها ملاحظات على الورقة المصرية، إلا أنها ارتأت ضرورة التوقيع عليها باعتبارها أفضل الموجود، وعلى أن يتم تذليل باقي التباينات والعمل على حلها.

وبالنتيجة، نخلص للقول بأن الورقة المصرية وبايجابياتها الملحوظة، وإن أحدثت بعض الاختراقات الهامة إلا أنها تمهد لمصالحة (تبويس لحى)، ولا تمهد لمصالحة حقيقة تقود البيت الفلسطيني من مسالك التردي إلى دروب الوحدة الوطنية الحقيقية. فالمصالحة الحقيقية ومصائر الحوار الفلسطيني مازالت حقيقة في المجهول بانتظار جهد مصري وعربي جديد لتذليل العقبات التي توالدت، واحتواء مضاعفاتها.

وعليه، فإن الاستحقاق الرئيسي القادم الذي ينتظر الفلسطينيين في العام الجديد 2010 فيتمثل في أمرين اثنين، أولهما توقيع الورقة المصرية بعد حسم التباينات في النقاط الثلاث (إعادة بناء منظمة التحرير، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية، قانون الانتخابات) وبالتالي السير في طريق إعادة توحيد البيت الفلسطيني قولاً وعملاً بكل ما للكلمة من معنى، وتحديد موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة (وليفز من يفز).

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك