خالد المعيني

الاسم: خالد حمزة المعيني- المولد: 1960 بغداد - الحالة الاجتماعية: متزوج- التحصيل العلمي: دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - علاقات دولية


قواعد اللعبة السياسية في العراق
الشد الأميركي والجذب الإيراني
شكل الحكومة الاحتلالية الخامسة

تعاقبت في ظل الاحتلال الأميركي على العراق أربع حكومات، ونقف اليوم على أعتاب الحكومة الخامسة. تشكلت أول حكومة في 2003 وترأسها الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، تولت هذه الحكومة وضع أسس النظام السياسي والاقتصادي لعراق ما بعد الاحتلال من خلال ما بات يعرف بقوانين بريمر الشهيرة التي لا تزال سارية المفعول، وكان من أهمها حل الجيش العراقي الوطني وإنشاء مجلس الحكم الانتقالي وفق معايير طائفية عرقية في سابقة لم يعهدها النظام السياسي العراقي منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة في بدايات القرن المنصرم.

توالت بقية الحكومات التي لم تخرج عن المسار المرسوم من قبل إرادة الاحتلال ولم تكن في أحسن الأحوال سوى صور مستنسخة من الحكومة الأولى، فتم تمرير ما يسمى بالسيادة في حكومة علاوي عام 2004 التي أعطت الضوء الأخضر للقوات الأميركية في حرق مدينة الفلوجة بالفسفور الأبيض، وتولت حكومة الجعفري عام 2005 تمرير أخطر صفحة سياسية للاحتلال الأميركي وهي المتمثلة بالدستور الذي ولد من رحم قانون إدارة الدولة، وفي عهده تم تفعيل الشحن الطائفي وزرع بذور الفتنة التي لم تلبث أن تفجرت بنسف المرقدين المقدسين في سامراء في فبراير/شباط 2006 وذهبت بأرواح مئات الآلاف من الأبرياء ووضعت العراق على شفير الحرب الأهلية.

لم تكن ولاية المالكي سوى امتداد طبيعي لشدة الانحدار الذي أصاب مؤسسات الحكومة فلم يتحقق أي تقدم على مسارات الأمن أو الاقتصاد أو الخدمات وتردى وضع المواطن العراقي من سيئ إلى أسوأ ووصل إلى مستويات خطيرة جدا.

قواعد اللعبة السياسية في العراق

"
شكلت المحاصّة الطائفية والعرقية أحد أسس قواعد اللعبة السياسية حيث يتم النظر إلى العراق من خلال الطائفة والمذهب والقومية وليس العكس ويدار هذا المبدأ أو أية خلافات تنشأ عبر آلية عقد الصفقات
"
لم تكن قواعد اللعبة السياسية في العراق وليدة مرحلة ما بعد الاحتلال وإنما أسست في محطات مبكرة سبقت الغزو، عندما اتفقت الولايات المتحدة في حينها مع أحزاب ما يسمى المعارضة العراقية على إقرار مبدأ تمحورت عليه فيما بعد كافة قواعد اللعبة السياسية في العراق وشكل فلسفة النظام السياسي، ألا وهو مبدأ المحاصّة الطائفية والعرقية حيث يتم النظر إلى العراق من خلال الطائفة والمذهب والقومية وليس العكس ويدار هذا المبدأ أو أية خلافات تنشأ عبر آلية عقد الصفقات.

تم ترسيخ هذا المبدأ في كافة مفاصل ما يسمى بالعملية السياسية سواء في مجلس الحكم أو في الدستور أو في طبيعة عمل البرلمان وتوزيع الوزارات وأخطر من ذلك كله في القوات المسلحة حيث تنص المادة تاسعا -أولا في الدستور على أن "تتكون القوات المسلحة العراقية من مكونات الشعب العراقي بما يراعي توازنها وتماثلها".

إذا تركنا مساوئ العملية السياسية الموضوعية والمتعلقة بفلسفة النظام، فإن هناك عقبات إجرائية تحول دون أن ترقى أية انتخابات في العراق إلى الحد الأدنى من النزاهة والتنافس بشفافية، فالعراق يفتقر لغاية اليوم إلى قانون للأحزاب ينظم عملها ويضبط مصادر تمويل الأحزاب المتنافسة، والتأكد من مصادرها ومعرفة كونها من تخصيصات الدولة العراقية التي صنفت في المرتبة الأولى للفساد المالي والإداري، أم إنها من خارج الحدود لتنفيذ أجندات إقليمية. غياب هذا القانون الذي يشرف على طبيعة البرامج السياسية ومدى مطابقتها للمعايير الوطنية يعطي الفرصة للأحزاب والكتل الممسكة بالسلطة منذ ست سنين في الاستمرار في عملية الشحن الطائفي والعرقي ويفسر الفوضى في تنافس أكثر من 550 حزبا وكيانا سياسيا في انتخابات مجالس البلديات السابقة.

العقبة الإجرائية الثانية تتمثل في بقاء قانون بريمر الانتخابي الذي ينص على صيغة "القاسم المشترك" بمعنى أن الأحزاب الصغيرة التي قسم منها دخل الانتخابات بقصد التغيير، إذا لم تحظ بحد أدنى من الأصوات يؤهلها للاشتراك في الانتخابات فإن أصواتها ستذهب طبقا لهذا القانون إلى حصة الأحزاب والكتل الكبيرة، وفي تجربة انتخابات مجالس البلديات أضيف مليون وأربعمائة ألف صوت من هذه الأصوات إلى رصيد الأحزاب الكبيرة، ويعد هذا الأمر مفارقة في النظام الديمقراطي، حيث يحاول بعض الأحزاب دخول حلبة المنافسة من أجل التغيير وإذا بأصواته تذهب في نهاية المطاف لتعزز الأحزاب الطائفية والعرقية المهيمنة.

لاشك في أن القصد واضح من هذه الخلطة في القوانين ويكمن في تعمد إبقاء الأحزاب التي تعاونت مع الاحتلال وبعده إلى أطول فترة لضمان تمرير مصالح الاحتلال أو المصالح الضيقة لهذه الأحزاب.

الشد الأميركي والجذب الإيراني
لقد أصبح من السهل قراءة تضاريس الساحة السياسية في العراق والتنبؤ بها، فبعد مخاض ست سنين وفي ظل غياب عربي تام وتشرذم سياسي داخلي، لم يعد العراق سوى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية وبات في حكم المؤكد أن العراقيين هم آخر من يتحكم في مخرجات العملية السياسية التي تتحكم فيها حاليا وبصورة رئيسية إرادتين خارجيتين، الأولى هي الإرادة الأميركية التي وضعت أسس وقوانين هذه العملية وتهيمن إلى حد بعيد على مقدراتها من خلال وجودها العسكري الكثيف والمباشر باعتبارها دولة احتلال أو من خلال وكلائها المحليين سواء كانوا قادة أحزاب أو شخصيات أو شيوخ عشائر الذين ترتبط بهم بوشائج ومصالح إستراتيجية وكذلك من خلال مستشاريها الذين يتحكمون في معظم مفاصل العمل الحكومي والأمني.

"
بعد مخاض ست سنين وفي ظل غياب عربي تام وتشرذم سياسي داخلي، لم يعد العراق سوى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية وبات في حكم المؤكد أن العراقيين هم آخر من يتحكم في مخرجات العملية السياسية التي تتحكم فيها أميركا وإيران
"
الإرادة الثانية إقليمية وفي مقدمتها النفوذ الإيراني الذي يواجه الإرادة الأميركية ويزاحمها على تشكيل صورة الحكومة القادمة حيث تصر إيران على أن تكون حكومة ذات ولاء إيراني بامتياز، وهذا واضح من الطريقة التي أجبرت بها إيران مختلف الفرقاء من أحزاب وشخصيات ومرجعيات دينية ومليشيات وخاصة التيار الصدري وحزب الفضيلة على الدخول في بيت الطاعة الإيراني وإعادة تشكيل الائتلاف الطائفي الذي تفكك في السنين الأخيرة.

لم يكن أمام تركيا المتأخرة كثيرا عن إيران من خيار في العراق سوى التفاهم مع إيران واحتوائها، فالعراق غنيمة كبيرة ليس بإمكان طرف إقليمي لوحده ابتلاعها، ولا داعي للمواجهة والتنافس بل يمكن تقاسم النفوذ حيث تطمع تركيا في استعادة مجالها الحيوي القديم الذي لا تزال خرائطه مطروحة على مناضد البرلمان التركي فعوضا عن الاهتمام بملف كركوك أصبح اليوم الشمال برمته تحت النفوذ التركي بعد النجاح في احتواء الأحزاب الانفصالية الكردية العراقية عبر ربط شمال العراق بأكثر من ألف شركة وشراء الغاز وتسويق نفط الشمال وبناء الجامعات، وفتح قنصليات دبلوماسية وتجارية في إشارة واضحة للاعتراف بحكومة إقليم كردستان التي تساوم اليوم الأتراك على إنهاء شوكة حزب العمال التركي مقابل ضم كركوك إلى الإقليم.

شكل الحكومة الاحتلالية الخامسة
تربو الأحزاب والكيانات السياسية التي تتنافس في الانتخابات الحالية على 296 كيانا، وعند استعراض الاصطفافات والتحالفات التي تمخضت عن هذا العدد الكبير من القوى المتنافسة يمكن بكل سهولة تلمس ملامح بقاء نفس الكتل الرئيسية الثلاث السابقة والتي تمحورت على أسس طائفية وعرقية طبقا لنظام المحاصّة، فالأسماء والرموز هي نفسها رغم محاولات تغيير جلدها وعناوينها فالتحالف الكردستاني ذو النزعة الانفصالية والائتلاف العراقي الذي يمثل الأحزاب الموالية لإيران، وجبهة التوافق التي تدعي تمثيلها الضلع الثالث في معادلة المحاصّة، ولا تزال بقية الأطراف مجرد إكمال ديكور حيث تستعين كل قائمة بممثل لحزب شيوعي أو ليبرالي أو ملكي.

اعتمدنا في التصنيف الآتي على معيارين لعزل القوائم الصغيرة عن القوائم الفاعلة، المعيار الأول يرتبط بمدى عمق الصفقة الإقليمية التي يعقدها هذا الطرف أو ذاك، أما المعيار الثاني فيتعلق بمدى حيازة المال السياسي.

على ضوء هذا التصنيف والأخذ بنظر الاعتبار اضمحلال دور وتفكك جبهة التوافق، فإن هناك عدة متغيرات تبلورت في الساحة السياسية العراقية من الواضح أنها ستلقي بظلالها على تبلور كتلتين رئيسية ستتحكم إلى حد بعيد في نتائج وهوية وتوجه حكومة الاحتلال الخامسة.

"
من المتوقع قيام الولايات المتحدة بترتيب منضدة الرمل السياسية وتقليم أظافر إيران العسكرية في العراق استعدادا لأية مواجهة قادمة معها أو عند التفكير في من سيملأ الفراغ في حال غادرت قواتها العراق
"

فنتيجة صراع الإرادتين الأميركية والإيرانية في العراق ستتحكم في 75% من نتائج الانتخابات القادمة، الحديث هنا على مستوى الطبقة السياسية المتصارعة على السلطة والثروة أما على مستوى الشعب العراقي فهناك عزوف شبه تام عن المشاركة كما تشير إليه سجلات الناخبين في مفوضية الانتخابات نتيجة لخيبة الأمل واليأس من تكرار نفس الوجوه والأحزاب.

إيران عازمة بقوة من خلال حشد كافة طاقاتها سواء بالترغيب أو الترهيب على ضمان فوز قائمة الائتلاف الطائفي الموالي لها لتكريس وجودها ونفوذها الإستراتيجي في العراق، ومرشحها لرئاسة الوزراء الجعفري أو عادل عبد المهدي، أما خروج المالكي عن قائمة الائتلاف الطائفي فهو لا يعدو خروجا مؤقتا من باب التكتيك ويتعلق بمن يرأس الوزارة ولا يمس جوهر توجهاتها وولائها لإيران، وإذا لم يتحالف مع الائتلاف الطائفي قبل الانتخابات فمن المرجح أنه سيتحالف معه بعدها.

من جهتها فإن الولايات المتحدة تدفع وتحشد باتجاه ما يسمى بقائمة الحركة الوطنية الموالية لها والتي تقف ضد القائمة الإيرانية وترفع شعارات وطنية وعلمانية تدغدغ تطلعات الشارع العراقي الذي يرغب في الخلاص من الحكومة الحالية العاجزة والفاسدة والتي أخفقت على كافة المسارات الأمنية والخدمية والاقتصادية، القائمة الأميركية ومرشحها لرئاسة الوزراء إياد علاوي أو في حالة تكاملها جواد البولاني تحظى بدعم من دول عربية تحاول إدارة صراعها مع إيران بالنيابة في العراق من خلال البوابة الأميركية، ومن المتوقع قيام الولايات المتحدة بترتيب منضدة الرمل السياسية وتقليم أظافر إيران العسكرية في العراق استعدادا لأية مواجهة قادمة معها أو عند التفكير في من سيملأ الفراغ إذا غادرت قواتها العراق.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك