عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني


أرقام وإحصائيات
الأسباب والعوامل
المواقف الرسمية والشعبية
جهود مكافحة الظاهرة

عرفت إسرائيل ظاهرة رفض الخدمة العسكرية منذ عقود بعيدة، لكنها شهدت خلال السنوات القليلة الماضية اتساعاً ملحوظاً، أشعل الأضواء الحمراء في مؤسسات صنع القرار في تل أبيب، باعتبار أن "إسرائيل عبارة عن جيش له دولة، أكثر من كونها دولة لها جيش"، وبالتالي يشكل فيها العسكر عصب الكيان، والجدار الذي يلجأ إليه الإسرائيليون أولاً وأخيراً، فكيف لو أصابه بعض من التشقق؟

أرقام وإحصائيات
بالرغم من الهالة الكبيرة من السرية والتكتم التي تحيط بما يحصل داخل الجيش الإسرائيلي من إشكاليات وعيوب، فإن بعض التسريبات التي تصدر بين الحين والآخر، تعطي بعضا من أوجه الصورة الضبابية حول ظاهرة رفض الخدمة العسكرية، فقد كشف مدير قسم القوى العاملة في الجيش أن 40% من الشباب الإسرائيلي لا ينهون الخدمة العسكرية، وهذه النسبة موزعة تحت أسباب مختلفة:

- 10% من طلاب المدارس الدينية لا يخدمون بقرار من الحكومة، مما يشجع الشاب على التطرف والذهاب للمدارس الدينية تهرباً من الخدمة.

- 10% لا يخدمون لأسباب نفسية، وهي نسبة مرتفعة جداً، ولا يعقل أن تكون في أي مجتمع، وإن كانت حقيقية فهي تعكس الأمراض التي يعاني منها الإسرائيليون، مما يجعل تصديقها أو تكذيبها يعطي مؤشرات خطيرة على الصحة النفسية.

- 20% لا يخدمون لأسباب مرضية أو عائلية، أو لأنهم متواجدون خارج الدولة، وهذه النسبة لها مدلولاتها التي ترتبط بطبيعة "إسرائيل"، وتوضح المؤشرات الحياتية التي يعيشها ذلك المجتمع.

"
40 % من الشباب الإسرائيلي لا ينهون الخدمة العسكرية، وهذه النسبة موزعة على النحو التالي: 10% من طلاب المدارس الدينية لا يخدمون بقرار من الحكومة, و10% لا يخدمون لأسباب نفسية، و20% لا يخدمون لأسباب مرضية أو عائلية
"
وطالما أن التهرب من الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي ليس ظاهرة جديدة على الإطلاق، فقد ارتفعت نسبة الذين لا يخدمون في الأعوام العشرين الفائتة باطراد، على النحو التالي:

- بلغت نسبتهم 12.1% سنة 1980.
- ارتفعت إلى 16.6% سنة 1990.
- ووصلت إلى 23.9% سنة 2002.
- وبلغت 25% سنة 2007، بمعنى أن واحداً من كل أربعة إسرائيليين يتهربون من الخدمة العسكرية.

وهذه أرقام أثارت المخاوف لدى الجيش، خاصة أن النسبة الحالية تشكل أعلى نسبة تهرب، علاوة على أن التوقعات تشير إلى تواصل ارتفاعها في السنوات القادمة، كما أوضحت معطيات شعبة القوى البشرية أن من بين 25% ممن لم يتجندوا، هناك النسب التالية:

-11% صرحوا بأنهم طلاب مدارس دينية.
-7% لم يتجندوا لأسباب صحية، بينهم 5% لأسباب نفسية.
-4% لم يتجندوا لمكوثهم خارج البلاد.
-3% لم يتجندوا بسبب ماضيهم الجنائي.

وبلغة الأرقام، فإن حالات الفرار من الخدمة بلغت عام 2004، 1288 حالة، ارتفعت عام 2005 إلى 1438، وهبط العدد عام 2006 إلى 1386، وسجلت الشرطة العسكرية عام 2007، 1006 حالات فرار، أما مجموع الجنود المسجلين "هاربين من الخدمة"، فبلغ 1873 هارباً، منهم 799 يتواجدون خارج البلاد، حيث وجدوا لهم ملجأ.

وفي هذا السياق قال د. يازم بيري أستاذ علم الاجتماع بجامعة تل أبيب: إن رفض الخدمة في الجيش أصبح قضية مركزية متزايدة داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يحاول بعض الإسرائيليين تحاشي الخدمة بادعاء المشاكل والأمراض العقلية، التي تسمح لـ10% بتجنب الخدمة، ويعتقد الجيش أنه بحاجة لمائتي شخص ليحصل على مائة جندي، وستجد خمسين منهم غير مؤهلين بسبب الصحة، وخمسين آخرين لوجود أعراض ومشاكل نفسية، ولكنه في نهاية الأمر سيحصل على العدد المطلوب.

الأسباب والعوامل
يلجأ الإسرائيليون إلى العديد من الطرق التي يتهربون بواسطتها من أداء الخدمة العسكرية، مع مراعاة أن بعضها يناسب الذكور فقط، وبعضها يناسب الإناث فقط، وثمة طرق تناسب الجنسين معاً، وهي: طمس القدرات الذهنية والمادية الحقيقية، الهجرة خارج البلاد، الرفض العلني للخدمة العسكرية، الزواج أو الولادة، وهي للإناث فقط، إعفاء لأسباب دينية، إعفاء لأسباب ضميرية، الدراسة في المدارس الدينية.

ويمكن الحديث عن أبرز أسباب انتشار ظاهرة رفض الخدمة العسكرية:

1- تراجع هيبة الجيش: بدأ توالي الضربات على المؤسسة العسكرية منذ حرب الاستنزاف وحرب 1973، مروراً بحرب لبنان 1982، وانتفاضة 1987، وانتهاء بالانسحاب من جنوب لبنان 2000، ووصل هذا المنحنى قمته في انتفاضة الأقصى، وحرب لبنان الثانية 2006. وأدى كل ذلك لاهتزاز صورة الجيش، وتراجع مكانته، وتزايد الانتقادات الموجهة إليه، وبات هناك إحساس لدى المجندين بأنه لا جدوى من الاستمرار في الحروب التي يخوضونها.

2- الخوف من مواجهة المقاومة: بعبارة أكثر وضوحاً، الخوف من الموت، فالجنود الإسرائيليون معظمهم علمانيون ليسوا بمؤمنين، فهم متوجهون نحو اللذة ولا يعتقدون مثاليات قومية، ولا يؤمنون إلا بالرغبة في البقاء وهم في حالة خوف شديدة من المقاومين.

وأوردت بعض التقارير أن الجندي الإسرائيلي بالرغم من معداته القتالية الفائقة، والتدريب المكثف الذي يتلقاه، فقد أصبح صيداً سهلاً، وهذا يتضح في نسبة من سقطوا صرعى العمليات الفدائية، التي صرح الجيش بعدم وجود ردّ عسكري عليها.

"
من أبرز أسباب انتشار ظاهرة رفض الخدمة العسكرية تراجع هيبة الجيش, والخوف من مواجهة المقاومة, وعدم الاكتراث بالجنود وإهمالهم, وتصاعد العلمنة والأمركة في المجتمع, وعبثية الصدام مع الفلسطينيين
"
وازداد انتشار حركة الرفض في وقت باتت فيه المقاومة، تشكل خطراً حقيقيًّا على القدرة العسكرية، فهي "تسمم" الجيش من الداخل، وتؤدي لخفض الإسهام الكمي في الجهد العسكري، وتتميَّز بأنها ليست مجرد فعل فردي، أو حتى اتجاه تلقائي عام، بل عملية جماعية منظمة وضعت هدفاً واضحاً لها: الضغط على الحكومة للانسحاب من الأراضي المحتلة.

3- عدم الاكتراث بهم وإهمالهم: ومما يزيد من إحساس الجنود بعبثية موقفهم، وعدمية التضحية من أجل "الوطن"، عدم اكتراث القيادة العسكرية بهم، حيث قام مئات الضباط والجنود بالاحتجاج على انعدام المساواة في توزيع الأعباء، واشتكوا من نقص الوسائل القتالية، وانعدام الحماية الملائمة، وعدم تلقي التدريبات الكافية والتجهيزات اللازمة لحمايتهم، واضطرارهم لتأدية الحراسة دون ارتداء السترات الواقية، مما اضطر بعضهم من ذوي الإمكانيات المالية الجيدة لشراء سترات وخوذ دفاعية على حسابهم، للدفاع عن أنفسهم، حيث يصل ثمن السترة 1200 دولار.

4- تصاعد العلمنة والأمركة في المجتمع: وهي اتجاهات تنامت في إسرائيل بعد سنة 1967، وأدت إلى تحول التجمع الإسرائيلي إلى "مجتمع الـV" الفيديو والفولفو والفيلا، وظهور المستوطن المتوجه نحو اللذة، ذو الرأس الصغير والمعدة الكبيرة، الذي يجيد الاستهلاك ولا يؤمن بأي مثاليات أو أيديولوجيات، بما في ذلك الأيديولوجية الصهيونية، هذا الإسرائيلي لا يعرف كيف يضحي من أجل وطنه وكرامته، فهو ملتف حول ذاته، يريد أن يزيد من معدلات استهلاكه ورفاهيته، وبالتالي ينصرف عن الخدمة العسكرية ويفرّ منها.

5- عبثية الصدام مع الفلسطينيين: وفقا لما قاله البروفيسور "ليبوبيتش" من أن رفض 500 جندي للخدمة العسكرية سيؤدي لإنهاء تواجد الجيش في الأراضي الفلسطينية، مُرجعاً رفض الجنود للخدمة إلى إيمانهم بأن هذا الرفض الجماعي قد يقنع حركات المقاومة بالتوقف عن العمليات الفدائية، مشيراً إلى أن مقابلات الجنود الرافضين تكشف عن عدم رضاهم عن سياسة حكومتهم، لاسيما في ظلّ رفضهم الاعتناء الزائد الذي توليه الحكومة للمستوطنين.

وكان أكثر من خمسين من العسكريين يصل بعضهم إلى رتبة "رائد" قد نشروا إعلاناً في الصحف الإسرائيلية قالوا فيه: "لن نستمرّ في خوض حرب من أجل سلام المستوطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولن نستمر في القتال داخل الخطّ الأخضر بهدف قمع وطرد وإهانة تجويع شعب بأكمله".

وهو ما دفع بظهور ردود فعل قاسية جاءت على لسان المحلل العسكري "أليكس فيشمان" الذي وصف ذلك بأنه "تمرد يساوي هزة أرضية مدمرة، يصعب توقع أبعادها، وإذا لم تتوقف هذه العاصفة في الحال، فقد تجرف معها أوساطاً أخرى في الجيش"، واعتبرها وزير الدفاع السابق "شاؤول موفاز" مساعدة معنوية لألد أعداء إسرائيل، ومساعدة غير متوقعة للمنظمات المسلحة التي تهدف لإبادة دولة اليهود.

المواقف الرسمية والشعبية
1- موقف الجيش: حرص على مواجهة ظاهرة رفض الخدمة بشكل فردي، وفي مراحل لاحقة من اتساع نطاقها جرت محاولات لكسر إرادة الرافضين، حيث يتسلمون بعد حبسهم لمدة 28 يوماً، أمر استدعاء لخدمة إضافية، وفي حال رفضهم يمضون فترة حبس أخرى، أما اليوم، فيحرص الجيش على تفادي ذلك، لخشيته من الضجة الإعلامية، وقال رئيس المحكمة العسكرية في يافا، الكولونيل آفي ليفي إن "التهرّب من الخدمة ظاهرة مرضية، وتنتشر كالنار في الهشيم، وتجرّ وراءها سلسلة من الأمراض".

وأشارت المصادر العسكرية إلى "أن السلطات وضعت 600 جندي احتياط في السجون نتيجة تهربهم من الخدمة، وأن السجون المخصصة لذلك مليئة بأكثر من ألف جندي ومجندة فروا من الخدمة".

"
أيالون:
ظاهرة رفض الخدمة تعني أن العلاقة بين المجتمع والجيش في تطور مزدوج، فمن جهة يزداد المجتمع تقبلاً للخيار العسكري، لكن من جهة أخرى ثمة تراجع في مكانة الجيش, فلم يعد حلم الشاب أن يصبح ضابطاً!
"
وقال جنرال الاحتياط "غدعون شيفر" قائد قسم القوى البشرية، إنه "إذا لم تسارع الدولة للاعتناء بهذه المشكلة فإنها ستتسع باطراد، وإذا لم نفعل شيئًا، سنصل في الأعوام القريبة المقبلة لوضع لا يؤدي فيه 50% من شبابنا الخدمة العسكرية الإلزامية".

كما وصف رئيس هيئة الأركان "غابي أشكنازي"، الظاهرة بأنها "تنهش المجتمع والجيش"، معرباً عن أسفه؛ لأن المتهربين "لا يخجلون من قرارهم عدم التجند في الجيش"، وأكد وزير الحرب "إيهود باراك" على ضرورة العودة إلى الأيام التي كان فيها التهرب من الجيش بمثابة "وصمة عار على جبين المتهربين"!

2- موقف الحكومة والأحزاب: صدرت تصريحات وردّات فعل "طنانة" في إدانتها، والدعوة لوضعها في مقدمة "الأجندة الوطنية"، وانطوت جميعها على "عدم الاستخفاف بالنظر إلى الجيش وعدم الجدية إزاءه، لأنّ هذا سيمّس بمكانته، نحن دولة تواجه العديد من الأخطار الوجودية، ويجب العودة لتنمية مشاعر العزة الوطنية بالخدمة العسكرية".

في حين رأى عضو الكنيست "عامي أيالون"، الرئيس السابق لجهاز الشاباك، أن ظاهرة رفض الخدمة في مجتمع إسرائيلي يزداد تعسكراً تعني أن العلاقة بين المجتمع والجيش في تطور مزدوج، فمن جهة يزداد المجتمع تقبلاً للخيار العسكري، بل الأكثر دموية وتسرعاً في الحسم مع الفلسطينيين، لكن من جهة أخرى ثمة تراجع في مكانة "جيش الدفاع" ومهابته، فلم يعد حلم الشاب الحياتي والمهني أن يصبح ضابطاً!

3- الموقف الشعبي: تصنف حركة رفض الخدمة ضمن الأقلية غير المقبولة وسط الإجماع الإسرائيلي، بل إن هناك بعض الأشخاص الذين يقولون إنها فاقت الحدود، ويرون ضرورة تكاتف الجهود من مختلف الحركات السياسية والقانونية لوضع حدّ للاحتلال، لكن ليس من خلال الامتناع عن الخدمة.

ومع ذلك، تلقى الرافضون تأييداً كبيراً من الجماهير، ومن بعض أعضاء النخبة في المجتمع، وتلقوا آلاف الخطابات عبر الإنترنت، وبدأت بعض الجمعيات المعارضة للحرب في النشاط والحركة مرةً أخرى، ولوحظ تزايد عدد المنظمات التي تعتبر رفض الخدمة جزءاً أساسياً من برنامجها؛ ومنها "نشطاء الرسالة الثمانية"، وحركة "مظهر جديد"، و"تجمُّع دعم رافضي الضمير"، و"يوجد حدود"، "مجلس السلام والأمن".

جهود مكافحة الظاهرة
بغض النظر عن طبيعة الرؤية لظاهرة رفض الخدمة، كشفت مصادر عسكرية عن خطة شاملة وضعها الجيش لمحاربة هذه "الآفة"، ومما تنص عليه:

1- عدم السماح للمتخلفين عن أداء الخدمة بالحصول على رخصة قيادة، وممارسة مهنة الطب، والعمل في الدوائر الحكومية، والمشاركة في عطاءات حكومية، ويشار إلى أن النيابة العسكرية تتابع الخطة، إلا أن بعض خبرائها رأوا أن احتمالات تحقيق بعض بنودها ضئيلة، لكونها تخالف قوانين تكافؤ الفرص.

2- خفض مستوى وشروط التجنيد، وفتح أبواب الجيش أمام فئات بقيت خارج الخدمة، بمن فيهم أصحاب سوابق، صحيح أن الجيش بحاجة لأشخاص طبيعيين، لكن الجندي يجب ألا يكون شرطياً أو قاضياً.

"
تواصل انتشار ظاهرة رفض الخدمة والفرار منها، أياً كانت أسبابهما وآثارهما، يعبر بصورة أو بأخرى عن أزمة بنيوية حاقت بالمجتمع الإسرائيلي، لاسيما أنه حتى وقت قريب كان خيار عدم الالتحاق بالجيش من المحظورات
"
3- جذب الشبان للالتحاق بالجيش عبر السماح للرياضيين والموسيقيين الواعدين، وحتى عارضات الأزياء، بأداء الخدمة بعيداً عن الجبهة كي يتسنى لهم متابعة مستقبلهم المهني.

4- إعداد برنامج للخدمة المدنية يتيح لمعارضي الحرب، وغير اللائقين بدنياً، واليهود المتشددين والعرب، وجميعهم معفون من التجنيد، أداء الخدمة بطرق أخرى.

5- لعدم وجود آلية في الجيش للتأكد من أسباب التهرب في البيانات المقدمة ومتابعتها، اقترح رئيس اللجنة الوزارية للرقابة، "إيتان كابل" العمل على تشريع القوانين التي اقترحتها وزارة الدفاع لملاحقة من يقدمون ذرائع كاذبة للتهرب من الخدمة قضائياً.

6- قيام وزارة الدفاع بحملات في أوساط المدارس الثانوية لتشجيع الطلاب على الالتحاق بالخدمة.

أخيراً.. فإن تواصل انتشار ظاهرة رفض الخدمة والفرار منها، أياً كانت أسبابهما وآثارهما، يعبر بصورة أو بأخرى عن أزمة بنيوية حاقت بالمجتمع الإسرائيلي، لاسيما أنه حتى وقت قريب كان خيار عدم الالتحاق بالجيش من المحظورات في دولة "ولدت" في خضم الحرب، وتخوض صراعاً دائماً مع جيرانها العرب، وترى أن الخدمة العسكرية هي جوهر الهوية الوطنية "الإسرائيلية".

المصدر : الجزيرة

التعليقات