علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


في خصوصية العلاقة الفلسطينية الأردنية 
رؤى في العلاقة الأردنية مع حماس 
حماس وفلسفة العلاقة مع الأردن 
اشتراطات أردنية

تأتي الزيارة الاستثنائية الأولى منذ عشر سنوات لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل للعاصمة الأردنية عمان، لتحمل في طياتها بشكل أو بآخر، مضموناً سياسياً وإن كانت قد جاءت في سياق أمر إنساني جلل تمثل بوفاة والده المرحوم الحاج عبد الرحيم مشعل.

ولعل التجاوب الرسمي الأردني السريع بالسماح لمشعل بالقدوم لعمان، قد شكل بدوره مصدر تفاؤل واستبشار عند المتابعين لملف العلاقات الأردنية الحمساوية بعد سنوات من الجفاء الذي ترافق مع خروج قيادات حركة حماس الأولى من الأردن بفعل قرار رسمي أردني صيف العام 1999.

فإضافة لكونها خطوة تعبر عن شعور إنساني، إلا أن هذا الاعتبار لا يقلل من أبعادها السياسية اللاحقة، وأهميتها في كسر جليد الماضي المتراكم في ملف العلاقات بين الأردن الرسمي وحركة حماس منذ أن توقفت الاتصالات بينهما بعد أربع جولات حوارية عقدت في عمان صيف العام الماضي بين وفد من المكتب السياسي لحركة حماس ووفد رسمي أردني برئاسة الفريق محمد الذهبي المدير السابق للمخابرات الأردنية.

فكيف نقرأ زيارة مشعل بعنوانها الإنساني إلى الأردن، وقبل ذلك منحى مسار علاقات حماس مع الأردن وتطورات العلاقات بينهما وصولاً للحظة الراهنة؟

في خصوصية العلاقة الفلسطينية الأردنية
بعيدا عن محطات الافتراق التي تتالت في العقود الماضية بين الطرفين الرسميين الأردني والفلسطيني خصوصا بعد أحداث العام 1968 الدموية، وأحداث العامين (1970-1971) وخلفياتها وما تلاهما من الخروج الفلسطيني المسلح من الأردن، ونشوء توابع زلزالية ارتدادية حكمت العلاقات المشتركة بين الطرفين، إلا أن العلاقات الأردنية الفلسطينية المشتركة كانت ومازالت ضرورة وطنية فلسطينية بامتياز كما هي ضرورة أردنية على ضوء التداخل الكبير الناتج عن الامتداد التاريخي والجغرافي والسياسي بين فلسطين والأردن الذي أفضى لتوالد حالة من التوأمة في المصير، وصفها البعض بالزواج الكاثوليكي.

"
انحياز الأردن للطرف الرسمي الفلسطيني ومنافسته في الموقف السياسي المعروف من "حماس" حرم الأردن من إمكانية لعب دور إيجابي ووسيط في العلاقات الفلسطينية–الفلسطينية فيما تحاول مصر بالمقابل إبقاء بوابات الحوار والعلاقات مفتوحة مع حركة حماس
"
وهو أمر تتضح ضروراته في اللحظة السياسية الراهنة بعد وصول مشروع التسوية الأميركية الإسرائيلية إلى تخومه المعروفة بالنسبة للمسألة الوطنية الفلسطينية، وهي تخوم تمس بالصميم استقرار الأردن ومستقبله ككيان سياسي وسيادي مستقل ومعترف به، عدا عن الضرر الكبير الذي باتت تلحقه التسوية إياها بمصير وحقوق الملايين من اللاجئين من أبناء الشعب في الأردن من ذوي الأصول الفلسطينية الذين يشكلون تقريباً ما نسبته (60%) ونيف من سكان الأردن.

وعليه، وفي الجانب الهام من العلاقات الفلسطينية والأردنية، يتأتى ملف العلاقات بين حركة حماس والأردن على المستوى السياسي الرسمي انطلاقاً من الوزن الذي تمثله حركة حماس في المعادلة الفلسطينية على مختلف ساحات التواجد الفلسطيني وفي القلب من ذلك في الأردن.

حيث يلحظ المتابع لشؤون الساحة الفلسطينية منذ ثلاث سنوات خلت، وجود حالة من "الشد والاسترخاء" في العلاقة غير المباشرة بين حركة حماس من جهة والأردن من جهة ثانية، خصوصاً وأن الأردن ليس بوسعه أن يتجاهل وجود قطب آخر في المعادلة الفلسطينية لا يقل حضوراً ونفوذاً وتأثيراً عن حركة فتح.

لذلك فإن التداخلات والتشابكات والتأثيرات باتت أمراً لا مفر منه بين حركة حماس والأردن لأكثر من سبب وجيه ومقنع، حيث فرضت هذه التداخلات نفسها برغبة الطرفين في إعادة ترتيب العلاقة المشتركة بعد القطيعة التي تمت منذ أغسطس/آب 1999 وأبعد على أثرها أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس من الأردن (خالد مشعل، موسى أبو مرزوق، عزت الرشق، سامي خاطر، محمد نزال) خاصة وأن هناك أوساطاً أردنية سياسية وإعلامية من داخل الجهات الرسمية الأردنية والمقربين منها، إضافة إلى الإخوان المسلمين، انتقدت منذ البداية القطيعة التي ميزت علاقات الأردن مع "حماس" خلال العقد الماضي، واعتبرت أن القطيعة مع حركة حماس لم تكن مبررة أبدا, فالعلاقة مهما كان مستواها لا يتناقض مع علاقة الأردن مع السلطة الفلسطينية كجهة رسمية معترف بها.

إضافة إلى أن القطيعة التي وقعت حرمت الأردن من إمكانية التأثير والتفاعل مع الوضع الفلسطيني وفق رأي الأوساط الأردنية المشار إليها، كما أن الانحياز الكامل للطرف الرسمي الفلسطيني ومنافسته في الموقف السياسي المعروف من حماس حرم الأردن من إمكانية لعب دور إيجابي ووسيط في العلاقات الفلسطينية–الفلسطينية فيما تحاول مصر بالمقابل وحتى الآن إبقاء بوابات الحوار والعلاقات مفتوحة مع حركة حماس.

رؤى في العلاقة الأردنية مع حماس
ومع ذلك، يذهب البعض باتجاه القول بأن الحوار ذاته الذي فتحته الأردن مع حماس العام الماضي كان توجهاً "تكتيكياً" وكعمل وقائي أردني لإدارة الأزمة مع حركة حماس ليس أكثر ولا أقل، ولاحتواء نمط تفكير حماس بعد أن أنجز أهدافه من مقاطعة الحركة بدءاً من العام 1999.

فالأردن وفق أصحاب وجهة النظر المذكورة لا يعتقد أن تقارباً مع حماس يمكن أن يمنحه مكسباً إستراتيجياً، بينما وجد أن لا مناص من التعامل معها تكتيكياً بعد أن بات مسار السلام لحل القضية الفلسطينية يواجه انسداداً خطيراً، وتحديداً مع استمرار الأردن في نهجه، حيث لم ولن يغير موقفه وموقعه في العلاقات الإقليمية والدولية، وملتزم بمعاهدة سلام مع إسرائيل، ويرتبط مع السلطة الفلسطينية الرسمية بعلاقات إستراتيجية لأنهما في نهاية الأمر في معسكر واحد، ولكنه (أي الأردن) اختار أن يحاول قدر الإمكان احتواء علاقاته التي توترت مع حركة "حماس" في لحظات سابقة من خلال العلاقة معها، بعد أن فرضت نفسها كقوة نافذة على الأرض، وكلاعب فلسطيني لا يمكن تجاوزه بأي شكل من الأشكال.

"
خطا الأردن الرسمي خطوة جديدة نحو إعادة نسج العلاقات مع حماس منتصف العام الماضي عندما عقد لقاءات مع حماس جاءت "سياسية بامتياز" رغم تناولها بعض الملفات الأمنية، وقيل في حينها بأنها أسست لـ "مرحلة جديدة في العلاقات بين الطرفين
"
بينما يعتقد البعض الآخر بأن التوجه الأردني الذي وقع بالحوار مع حماس خلال العام الفائت، هو بالفعل "توجه إستراتيجي ستظهر ملامحه خلال الفترات القادمة" خصوصاً مع التخوفات الأردنية من استحقاقات المرحلة التالية على ضوء مجموعة التراجعات ذات البعد الإستراتيجي والتي وقعت في مسار عملية التسوية على مسارها الفلسطيني الإسرائيلي.

فحركة حماس باتت القوة الصاعدة فلسطينياً فلماذا لا يتم إقامة علاقات معها للتأثير عليها أو احتواء التباينات معها بعد أن فشلت سياسة عزلها ومقاطعتها وإسقاطها..؟ معتبراً أن الأردن يبحث عن الطريق الأمثل للعب دور فعال في المنطقة وممارسة النفوذ لدى الفلسطينيين، وعليه لا يستطيع الأردن تالياً التنازل عن علاقات ممكنة مع حركة حماس التي باتت تتشكل قطباً رئيسياً وعصياً في المعادلة الفلسطينية.

في الحالتين، ومهما يكن من أمر، فقد خطا الأردن الرسمي خطوة جديدة نحو إعادة نسج العلاقات مع حماس منتصف العام الماضي بعدما أفرجت محكمة أمن الدولة الأردنية، في بادرة حسن نية، عن اثنين من منتسبي الحركة في الأردن كانا يحاكمان ضمن مجموعة متهمة بتصوير مواقع أردنية، وتبع ذلك أربع لقاءات عقدت صيف العام نفسه، عبر القناة الأمنية الأردنية، ذات النظرة الإستراتيجية بعيدة المدى، بين وفد من المكتب السياسي لحركة حماس برئاسة محمد نزال وعضوية محمد نصر ومدير المخابرات الأردنية السابق الفريق محمد الذهبي، وهي لقاءات بدأت أصلاً منذ فبراير/شباط 2006، في إطار مشروع لم يكتمل حينها لاستعادة العلاقة بين الجانبين، فكانت اللقاءات "سياسية بامتياز" رغم تناولها بعض الملفات الأمنية، وقيل في حينها بأنها أسست لـ"مرحلة جديدة في العلاقات بين الأردن وحركة حماس".

حماس وفلسفة العلاقة مع الأردن
وعلى الضفة الثانية، يمكن القول بأن تحولات الحالة وعناصرها في البيئة المشتركة الفلسطينية الأردنية، فضلاً عن حقائق الأوضاع الميدانية دفعت بحركة حماس لتجد نفسها معنية بالسعي لإعادة بناء علاقاتها مع الإطار الرسمي الأردني، وفي الوقت ذاته معنية بالبحث في الأسباب والدوافع الأردنية التي دفعت عمان للقطيعة معها عام 1999 ومن ثم السعي لالتقاط الجديد في الموقف الأردني تجاهها، والبناء عليه لاستعادة حضورها السياسي المباشر في الأردن بين الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني.

وتالياً بالبحث في كيفية تطوير هذه العلاقة، وحمايتها من المعوّقات والمؤثرات السلبية التي قد تعترض طريقها، خصوصاً وأن التشابكات تزداد تفاعلاً وحضوراً ملموساً، وتنمي رغبة أردنية متزايدة لإعادة إحياء العلاقات مع حركة حماس مع العودة الخافتة لبروز شعارات (الوطن البديل) وهي شعارات تطرح إسرائيليا الآن مع انسداد الأفق السياسي للحل على المسار الفلسطيني الإسرائيلي، حيث لا يزال مشروع الوطن البديل مطروحاً وبقوة في الإستراتيجية الإسرائيلية الصهيونية عند غالبية قوى الخارطة الإسرائيلية، هذا إضافة لاستحالة شطب حركة حماس من المعادلة الفلسطينية وحتى الإقليمية، وهو ما دفع بالأردن خلال العام 2008 لمراجعة خياراته وإعادة "تأهيل علاقته التي توترت بحركة حماس" وبدء الحوار معها، ومن هنا نرى بأن زيارة مشعل بغرضها الإنساني للعاصمة الأردنية تحمل معها نفحات من رائحة هذا الواقع السياسي وتحولاته.

حيث يتوقع أن تسعى عمان وفق تقديرات بعض مواقع القرار في حركة حماس لـ"توسيع خياراتها" استعداداً للأسوأ، مع تخوفها من توالد المشروع الإسرائيلي المعنون بالوطن البديل، لذلك فإن أوساطاً حكومية أردنية ترى الآن أن إعادة ترميم العلاقات مع حركة حماس أمر فيه مصلحة أردنية في المرحلة المقبلة.

اشتراطات أردنية
إلا أن التقديرات المتداولة، عند المتابعين لقضايا البيت الفلسطيني، ومن المقربين من مصادر القرار في حركة حماس، تذهب للقول بأن تحقيق نوع من ترتيب العلاقة بين الطرفين قد يطول قليلاً، حيث تريد عمان التأكد من تفكيك علاقات حركة حماس التنظيمية مع الحركة الإسلامية الأردنية، خصوصاً بعد فوز همام سعيد بموقع المراقب العام للجماعة في الأردن وهو الشخصية الصقورية بعرف الأجهزة الأمنية والسياسية الرسمية الأردنية، الذي صلى إلى يمين خالد مشعل، والمراقب العام السابق سالم الفلاحات، الذي صلى إلى يساره أثناء تشييع والده في عمان قبل أيام.

"
زيارة مشعل الإنسانية للأردن تساعد على تسريع عودة انطلاق وتنشيط قنوات الاتصال والحوار بين حماس من جهة والأردن الرسمي من جهة ثانية، كأمر لا مفر منه, انطلاقاً من المصلحة الوطنية المشتركة الأردنية الفلسطينية بشكل عام
"
وقد أكدت حركة حماس أكثر من مرة استقلالها التنظيمي الكامل عن الإخوان المسلمين في الأردن، وأشارت إلى أن العلاقة بينهما "مجرد شيء عاطفي" يجمع تنظيمين شقيقين.

وكانت مصادر في حماس قد أشارت إلى إن "الحركة تمثل التنظيم الإخواني للفلسطينيين في الداخل وكل الشتات" وهو ما يفهم منه أردنياً بأن حماس باقية في التجمعات الفلسطينية خصوصاً المخيمات في الأردن، بينما استدارت باقي التنظيمات الفلسطينية وتحولت في الأردن لتحمل عناوين أردنية بما فيها بعض فصائل اليسار، وإن كانت تلك العناوين محدودة الفعل والتأثير، ومتواضعة الحضور في قوتها التنظيمية، كما أنها لا تخفي حقيقة ارتباطها بتنظيماتها الفلسطينية الأم، إلا أن الحال مع حركة حماس يختلف كلياً حيث سطوة حضورها وتواجدها التنظيمي الواسع في التجمعات الفلسطينية.

وبالمحصلة، يمكن القول بأن زيارة مشعل الإنسانية للعاصمة الأردنية عمان، تساعد على تسريع عودة انطلاق وتنشيط قنوات الاتصال والحوار بين حماس من جهة والأردن الرسمي من جهة ثانية، كأمر لا مفر منه نهاية المطاف، انطلاقاً من المصلحة الوطنية المشتركة الأردنية الفلسطينية بشكل عام، وانطلاقاً من قوة وحضور حركة حماس في المعادلة الفلسطينية، وتنامي دورها المقرر بشكل أو بآخر في تقرير مسار الفعل السياسي في الساحة الفلسطينية مع تزاحم المشاريع المطروحة، أو الموعودة، أو التي تحاك في كواليس الدبلوماسية السرية، وهي مشاريع تنال من الأردن سلباً قبل أن تنال من فلسطين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك