عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني


ماذا بذهن أميركا؟
مبادرة أوباما
هل سينجح أوباما؟

تتداول وسائل الإعلام بعض بنود مفترضة من خطة تصيغها إدارة الرئيس الأميركي أوباما لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، أو لإنهاء القضية الفلسطينية. الخطة لم تُعلن بعد، لكن مسودتها، كما يبدو قد وصلت وسائل الإعلام، والتكهنات حولها تتسارع.

لقد اطلعت على المسودة بخاصة تلك التي نشرها الدكتور حسن خريشة، عضو المجلس الوطني الفلسطيني، ولم أجد فيها بندا واحدا مستغربا لم يسبق أن تم طرحه ضمن خطط أخرى أو أفكار نحو حل القضية الفلسطينية. وإذا كانت الصيغة النهائية ستختلف عما نشر، فيما إذا نُشرت، فإن اختلافها سيكون هامشيا لا يمس الجوهر.

قبل الخوض بتفاصيل البنود التي يتداولها الإعلام، أشير إلى أن الولايات المتحدة لا تكل ولا تمل من طرح المبادرات، ولا يوجد إدارة أميركية منذ عام 1967 أعفت نفسها من هذه المهمة، لكن لم تصل أي من مبادراتها إلى نهاية سعيدة، ولا يزال المسلسل مستمرا.

ماذا بذهن أميركا؟
إنه من قلة الذكاء أن يشهد المرء كل هذه المبادرات عبر السنوات الطويلة ولا يسأل عن أسباب الفشل. ربما المسألة لا تتعلق فقط برفض الأطراف المعنية أو أحدها للمبادرات، أو التحفظ على بعض بنودها، وإنما قد تتعلق المسألة بالولايات المتحدة التي ربما لا تكون جادة في إيجاد حل وإنهاء للصراع.

في مختلف مبادراتها منذ روجرز حتى أوباما، واضح أن الولايات المتحدة تدور حول نفسها، وكل ما تفعله هو إعادة صياغة الأفكار التي ترد في المبادرات، وإعادة ترتيب البنود مع إدخال رتوش هامشية في كل مبادرة لا تؤثر على المضمون.

"
في كل مبادرة، أميركا لا تريد انسحابا كاملا من الأرض المحتلة/67، وتبحث عن توطين للفلسطينيين، وتريد من العرب العمل وكلاء للاحتلال، وتطرح ترتيبات من شأنها الإبقاء الفعلي لإسرائيل في الأرض المحتلة، ولا تسمح بإقامة دولة فلسطينية حقيقية
"
في كل مبادرة، أميركا لا تريد انسحابا كاملا من الأرض المحتلة/67، وتبحث عن توطين للفلسطينيين، وتريد من العرب العمل وكلاء للاحتلال من خلال الدفاع عن الأمن الإسرائيلي، وتطرح ترتيبات من شأنها الإبقاء الفعلي لإسرائيل في الأرض المحتلة، ولا تسمح بإقامة دولة فلسطينية حقيقية. وفي كل مبادراتها تتجاهل أميركا الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني وتركز على الحياة اليومية للناس في الضفة الغربية وغزة بما في ذلك إقامة كيان فلسطيني هزيل يسمونه دولة.

أميركا ترى خطورة في بقاء الشعب الفلسطيني شعبا، وهي تعمل مع إسرائيل لتحويله إلى أفراد يبحثون عن لقمة الخبز. عندما يتحول الشعب إلى أفراد، تصبح عملية الذوبان في مختلف المجتمعات واردة، ويتبخر مطلب العودة إلى فلسطين المغتصبة، ويصبح التوطين تحصيل حاصل.

تحقق الدولتان نجاحا في هذا المضمار، إذ خنقتا الفلسطينيين في الضفة وغزة بلقمة الخبز، وساعدتا كثيرا في بث الفرقة والفتن بين الفلسطينيين، وهما تشجعان دولا عديدة مثل النرويج والسويد على استيعاب أكبر عدد ممكن من الشباب الفلسطينيين.

إنهما تراهنان على الزمن، وما دام النجاح يتحقق، فإن الزمن كفيل بإتمامه. ولهذا تشكل عملية طرح المبادرات إلهاء لعرب وفلسطينيين يجدون فيه وسيلة لإيهام الناس بأن الخير قادم.

مبادرة أوباما
بعد ذلك الخطاب الشهير في القاهرة، ظن عرب ومسلمون أن أوباما هو المنقذ والمخلّص، واحمرت أياد كثيرة مصفقة بحرارة لأيام السلام القادمة. ولا شك أن لغة أوباما كانت حادة بالمقارنة مع لغة رؤساء أميركيين سابقين فيما يخص الاستيطان. بدأ أوباما برفض الاستيطان، ثم تنازل إلى تجميد الاستيطان، ولم يصمد فطالب بتجميد مؤقت، ومن ثم انهار أمام قرار حكومة الصهاينة ببناء مئات الوحدات السكنية. مبادرة أوباما لا تشذ عن هذا الأوباما، وألخصها بالتالي:

أولا: أوباما لا يعترف بحق اللاجئين بالعودة، ويذهب إلى التوطين إلا اللاجئين في لبنان الذين يرى إمكانية توطينهم في مناطق "أ" من الضفة الغربية، وبالتحديد في المنطقة الممتدة من شمالي نابلس حتى جنين شمالا، وحتى تخوم قضاء طولكرم غربا، وفي منطقة سنجل ومزارع النوباني شمالي رام الله. وهو يريد استيعاب اللاجئين في بلدان عربية مع ضرورة تعويضهم ومساعدتهم في تحصيل لقمة العيش.

ثانيا: القدس تبقى عاصمة لإسرائيل على الرغم من أنه لن يقول ذلك مباشرة، وللفلسطينيين حق في زيارة وإدارة الأماكن المقدسة فقط. ومن هذا نستشف أن أوباما مع تسهيل حركة مرور الفلسطينيين إلى أماكنهم المقدسة، وربما يعاد طرح فكرة الجسر الذي يمتد من بلدة أبو ديس إلى باحة المسجد الأقصى. ومن المحتمل أيضا أن يدافع أوباما عن ضرورة إقامة مجالس أحياء عربية في القدس لمساعدة بلدية القدس اليهودية في الشؤون اليومية.

ثالثا: أوباما لن يأتي على ذكر حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ولن يعطي تعريفا قاطعا للدولة الفلسطينية التي يتحدث عنها. بداية، من المفروض أن يتمتع الشعب الفلسطيني بحق تقرير المصير، وله أن يقرر بعد ذلك بمحض إرادته إقامة دولة أو إقامة وحدة مع الأردن أو تونس، لكن أوباما وكل الدول الغربية يقفزون إلى فكرة الدولة لأنهم يريدون إقامة كيان وفق مزاجهم ورؤيتهم لما يجب أن تكون عليه الأمور، وهو كيان يعمل وكيلا أمنيا لإسرائيل.

رابعا: لا يأتي أوباما بجديد بالنسبة للمستوطنات، ويتوافق مع طرح حزبي العمل وكاديما بشأن الإبقاء على التجمعات الاستيطانية الكبيرة مثل تجمع عصيون وتجمع اللطرون وقلقيلية والقدس، وهي تجمعات كفيلة بفصل منطقة الخليل عما سواها من مناطق الضفة الغربية، وعزل منطقتي قلقيلية وأريحا، وتجعل التواصل بين شمال الضفة ومنطقة بيت لحم صعبا للغاية. لكن أوباما يريد البحث في المستوطنات الصغيرة المتناثرة في أرجاء الضفة الغربية، وربما يضغط من أجل إزالة بعضها.

"
مسألة أمن إسرائيل تأخذ تركيزا خاصا من قبل الإدارات الأميركية ذلك لأن إسرائيل تعطي تفسيرات أمنية ثقيلة لكل خطوة سياسية تخطوها، وكل فكرة تُطرح عليها
"
خامسا: مسألة أمن إسرائيل تأخذ تركيزا خاصا من قبل الإدارات الأميركية ذلك لأن إسرائيل تعطي تفسيرات أمنية ثقيلة لكل خطوة سياسية تخطوها، وكل فكرة تُطرح عليها. ولهذا ستأخذ الاحتياطات الأمنية بعدا واضحا في أي مبادرة يطرحها الرئيس الأميركي، وهي تشمل التالي:

أ‌- توسيع نطاق التعاون الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية لكي تقوم السلطة بملاحقة التحريض ضد إسرائيل بكافة أشكاله مثل ملاحقة من يقول إن أرض فلسطين تمتد من البحر إلى النهر، أو يأتي على ذكر آية قرآنية حول الجهاد، أو يصف اليهود بأنهم أولاد الخنازير، أو ينجب الكثير من الأطفال، أو يرسل رغيف خبز لشخص طردته السلطة من وظيفته انتقاما لتأييده للمقاومة.

ب‌- التأكيد على السلطة لمزيد من البطش بالشعب الفلسطيني، ومزيد من التعذيب والتنكيل بالذين يرفضون إسرائيل، أو يقفون ضد الاتفاقيات معها. وسيوظف أوباما المزيد من الأموال من أجل تدريب القوات الفلسطينية على القيام بالمهام المطلوبة منها.

ت‌- نشر قوات دولية في منطقة الأغوار لمراقبة الحدود، ولتطبيق المعايير الإسرائيلية على حركة المرور بين ضفتي نهر الأردن. ولن يختلف ترتيب وضع هذه القوات جذريا عن الترتيب الوارد في اتفاقية معبر رفح من حيث أن إسرائيل لن تكون موجودة على نقطة المرور مباشرة، لكن وجودها سيكون إلكترونيا، وستبقى لها الكلمة الفصل بشأن عبور الأفراد والبضائع. وهذا ينطبق أيضا على نقاط مرور جوية في حال وجودها.

ث‌- تحتفظ إسرائيل بنقاط مراقبة عسكرية في نقاط مفصلية في الضفة الغربية بحيث تكون قادرة على التدخل السريع إذا عجزت السلطة الفلسطينية عن القيام بمهامها بالشكل المطلوب.

ج‌- لا حرمة لأجواء السلطة الفلسطينية، وتبقى إسرائيل سيدة الجو تجوبه كيفما تشاء، وهذا ينطبق على البحر إذا عادت السلطة إلى قطاع غزة.

ح‌- السلاح القاتل أو المدمر وفقا لمعايير الجيش الإسرائيلي ممنوع على الفلسطينيين. مسموح للفلسطينيين بحمل أسلحة فاسدة مثل التي يحملونها الآن، ولا تشكل تهديدا لجنود إسرائيل، واقتناء بعض السيارات المصفحة الخفيفة لمواجهة المظاهرات. وإذا كان للفلسطينيين حاجة إلى غير ذلك، فإن السلاح يبقى محفوظا في مواقع يشرف عليها الجيش الإسرائيلي، ولا يتسلمها الفلسطينيون إلا بإذن من قيادة الجيش. أما المقاومة فيجب اختفاؤها من القاموسين اللفظي والميداني الفلسطينيين. وسيكون من الممنوع التحدث بالمقاومة ولو من قبيل التبجح والتضليل، أو التحدث عن بدائل غير طريق التفاوض.

خ‌- قطاع غزة شاذ أمنيا وفق المعايير الإسرائيلية والأميركية، ويجب العمل على إعادة وضعه إلى ما كان عليه قبل سيطرة حماس عليه. كل المشروع الأميركي غير قابل للتطبيق أو الاستمرار ما دام قطاع غزة خارج العملية التفاوضية.

"
لن يأتي أوباما على ذكر الحقوق الوطنية للفلسطينيين، وإنما سيذكر حقوقا إنسانية لا بد من تلبيتها, أوباما يؤمن بحق الأفراد في التنقل والتعليم وتلقي العلاج، لكن إيمانه لن يتجاوز المعطيات الأمنية الإسرائيلية
"
سادسا: لن يأتي أوباما على ذكر الحقوق الوطنية للفلسطينيين، وإنما سيذكر حقوقا إنسانية لا بد من تلبيتها. أوباما يؤمن بحق الأفراد في التنقل والتعليم وتلقي العلاج، لكن إيمانه لن يتجاوز المعطيات الأمنية الإسرائيلية. فلن يتحدث عن حقوق إنسانية تمس ما تراه إسرائيل مصالح مهمة لها مثل حقوق الفلسطينيين في المياه والمحافظة على البيئة من التلويث الإسرائيلي.

سابعا: لا يغيب التلاعب بمسألة المعتقلين الفلسطينيين الذين عانوا مرارا وتكرارا من الوعود التي لم تتحقق. لقد تلاعبت الجهات المتفاوضة كثيرا بهذا الملف، وأوهمت المعتقلين مرارا بأنهم على وشك التسريح، ولكن النهاية كانت في الغالب إحباطا وخيبة للمعتقلين ولذويهم الذين طال انتظارهم.

لقد سُرح معتقلون سابقا تبعا للاتفاقيات المعقودة بين السلطة وإسرائيل، لكن إسرائيل ماطلت كثيرا، والسلطة لم تصر على تسريح الجميع، على الأقل أولئك الذين تشملهم الاتفاقيات. الآن يعطي أوباما مهلة ثلاث سنوات بعد التوصل إلى اتفاق للإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين، دون أن يحدد بالضبط من هم المعتقلون. هل معتقلو حماس والجهاد ضمن هذا المشروع أم لا؟

ولكوني اعتُقلتُ سابقا عدة مرات، أعي تماما حجم الألم الذي يلحق بالمعتقل عندما يتم التلاعب بمشاعره بين التسريح والبقاء بالمعتقل. المعتقل الفلسطيني هو أكثر من عانى من هذا التلاعب من قبل أبناء جلدته، ومن قبل القوى الخارجية.

ثامنا: أوباما يرى أن العرب لم يقدموا ما يكفي بعد لإقناع إسرائيل بأنهم يرغبون في الاعتراف بها وإقامة سلام دائم معها. ولهذا سيكرر مطالبه من العرب بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وليس مجرد تطبيع الأنظمة، وإنما تطبيع على المستويات الشعبية. أميركا وإسرائيل غير مرتاحتين للتطبيع القائم الآن بين أغلب الأنظمة العربية وإسرائيل، وتريدان من الأنظمة التحلي بالشجاعة والجرأة وفرض التطبيع فرضا على الجمهور من خلال صياغة قوانين تطبيعية، ووضع عقوبات على كل من يناهض التطبيع.

أميركا وإسرائيل تريان أن الأنظمة العربية عموما بمن فيها السلطة الفلسطينية خجولة في صياغة ثقافة عربية جديدة تقبل إسرائيل وتمجدها وتتعاون معها، وأن هذا الخجل يجب أن يتوقف. ولهذا أصرتا مثلا على السلطة الفلسطينية أن تخلع القناع في ملاحقة من تشك في نواياه لمقاومة إسرائيل وتعذيبه وجلده حتى الموت أحيانا. وقد سمعت عبارات عدة مرات من فلسطينيين مفادها أن إسرائيل أفضل من حماس، أو نتنياهو أفضل من حسن نصر الله. تريد الدولتان إيصال الشعوب العربية إلى هذا المستوى، والمقابل هو العَلَف.

هل سينجح أوباما؟

"
القيادات العربية لا تصلح لإقامة سلام، ولا تستطيع أن تصنعه, إن الذين يجيدون التسول والاعتماد على غيرهم لا يجيدون سوى الانبطاح، ولن يقووا على الاستمرار، والذين لا يستطيعون صناعة الحرب لا يستطيعون صناعة السلام
"
أوباما سيفشل كما فشل غيره. سيحقق بعض النجاح بسبب تعاون عرب وفلسطينيين معه، لكنه نجاح محدود ومؤقت. السبب أن أوباما كالإدارات الأميركية السابقة يتجاوز البعد التاريخي ويعمل على تسخير أمة عظيمة تزخر بالطاقات والتطلعات والآمال لفئة غازية همجية. أمة العرب والمسلمين تعاني من قيادات مرعوبة تحيط نفسها بأجهزة الأمن والقوات المسلحة خوفا من شعوبها.

هذه قيادات لا تصلح لإقامة سلام، ولا تستطيع أن تصنعه. إن الذين يجيدون التسول والاعتماد على غيرهم لا يجيدون سوى الانبطاح، ولن يقووا على الاستمرار، والذين لا يستطيعون صناعة الحرب لا يستطيعون صناعة السلام.

دليلي على ما أقول هو أن معادلة القوى في المنطقة قد تغيرت، ووجدت هذه الأنظمة نفسها في ذات الخندق مع إسرائيل ضد حماس وحزب الله. ميزان القوى قد تغير، وأوباما ما زال يطرح أفكارا لا تتناسب مع المتغيرات في المنطقة، وإذا كانت قد فشلت في زمن كانت فيه قوى المقاومة ضعيفة، فكيف تنجح في زمن تكسب فيه المقاومة قوة وتأييدا؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك