عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


 

يعتبر قانون النفط والغاز أحد الألغام التي ظلّت تهدد الوضع بالانفجار، سواءً في إقليم كردستان أو مع السلطة الاتحادية (المركزية) في بغداد، ولعل الخلل الأساسي يكمن في الدستور فيما يتعلق بالصياغات العامة والملتبسة حين اعتبر النفط والغاز ملكاً للشعب، ثم عاد وأعطى حق الإشراف على الحقول غير المستخرجة للأقاليم، وبالتالي أثار إشكالاً ما زال مستمراً بين وزارة النفط وسلطات إقليم كردستان، حول صلاحية إبرام عقود مع شركات أجنبية، خارج إشراف أو موافقة وزارة النفط، وهذه الأخيرة هددت بعدم التعامل مع الشركات الأجنبية، إذا وقعت مثل هذه العقود، ناهيكم عن عدم الاعتراف بالعقود الموقعة أساساً.

 

وانفجر الخلاف في أبريل/نيسان 2007 عندما اختلف الطرفان (الاتحادي لا سيما وزارة النفط، وسلطات الإقليم) حول الصلاحيات، ناهيكم عن صدور تلميحات وتصريحات من جانب رئيس الوزراء نوري المالكي بخصوص تعديل الدستور، فيما يتعلق بالقوات المسلحة والانتخابات والديمقراطية التوافقية وغيرها، والتي يعني الاقتراب منها إخلالا باتفاقيات مسبقة لصيغة الحكم الجديد لبعض المواد الجامدة في الدستور بما فيها الفدرالية التي ليس من السهل تغييرها أو تعديلها. في هذه الظروف بدأت جولة التراخيص الأولى في الحقول المنتجة وكانت تلك إحدى مفاجآت الوضع الراهن.

 

"
بنود التحكيم الواردة في عقود النفط ستكون مع المؤسسات الدولية، وشروط العقد عند النزاع معقدة وطويلة، وستكون بين طرفين أحدهما قوي ومتماسك وموحد وله خبرة واسعة وآخر ضعيف ومفكك ومُنهك وليس له خبرة الشركات العملاقة
"
إن إعطاء شروط ميّسرة ومجزية للشركات، لا سيما في الحقول المنتجة التي تنتج نحو 80% من النفط العراقي المنتج حالياً (2.4 مليون برميل بمعزل عن الشركات الأجنبية) و55% من الاحتياطي العراقي (الرميلة لوحدها تشكل بشمالها وجنوبها 18% من المخزون العراقي) سيلحق ضرراً بالنفط والاقتصاد والإرادة السياسية العراقية التي ستكون مكبّلة، خصوصاً وأن جولة التراخيص ستربط النفط لمدة تزيد عن عشرين عاماً، وإن بنود التحكيم الواردة في العقود ستكون مع المؤسسات الدولية، وشروط العقد عند النزاع معقدة وطويلة، وستكون بين طرفين أحدهما قوي ومتماسك وموحد وله خبرة واسعة وآخر ضعيف ومفكك ومُنهك وليس له خبرة الشركات العملاقة، فما بالك إذا كانت عقوده تجزيئية وليست في إطار مركزي.

 

وعندما تنشب أزمة فيمكن لهذه الشركات أن توقف إنتاج النفط، وتتذرع بالشروط القاهرة، التي تحول دون تنفيذ العقود، الأمر الذي بالإمكان استغلاله سياسياً لإلحاق ضرر بالعراق وتنميته ومستقبله.

 

إن يوم 30 يونيو/حزيران 2009 يُعدّ محطة مفصلية في تاريخ النفط العراقي، فقد شهد جولات تراخيص كما جاء في قرار وزارة النفط لتطوير حقول النفط والغاز في العراق. وشملت الجولة الأولى من التراخيص اثنين من حقول الغاز وستة من حقول النفط العملاقة، وذلك بتوفير المزيد من الإنتاج بقدرة 1.5 مليون برميل يومياً في الفترة بين 3-4 سنوات وباستثمارات تقدر بـ15 مليار دولار.

وحقول النفط المعروضة هي:

1- حقلا شمال الرميلة وجنوبها.

2- الزبير والقرنة (حقول نفط البصرة).

3- حقول نفط العمارة (ميسان).

4- حقول نفط كركوك (كركوك وباي حسن- نفط الشمال).

 

ودعيت 35 شركة للمناقصة من شركات النفط العالمية وتم إقامة مزاد علني في بغداد نظمته وزارة النفط بحضور الشركات، في إطار ما سمي "عقود خدمة" أي العقود التقنية لتقديم الخدمة وهذه نافذة لمدة عشرين عاماً، وتم الاتفاق مع الشركة البريطانية بريتش بتروليوم (BP) وشركة البترول الصينية (CNCP) لزيادة الإنتاج الحالي. ويعتبر حقلا الرميلة الشمالي والجنوبي من أكبر الحقول وتعادل أكثر من نصف الاحتياط الكامل للولايات المتحدة.

 

لكن جولة التراخيص الأولى واجهت معارضة شديدة من جهتين مختلفتين، الأولى من التحالف الكردستاني وحكومة إقليم كردستان ووزارة نفط الإقليم، ومعهما بعض قيادات المجلس الأعلى الإسلامي مثل عادل عبد المهدي نائب رئيس الجمهورية وبيان جبر صولاغ الزبيدي وزير المالية، فهناك حساسية سياسية إزاء الدكتور حسين الشهرستاني وزير النفط، وموقفه المتشدد بخصوص مركزية العقود وتحت إشراف وزارة النفط.

وهناك معارضة من الجهة الثانية لجولة التراخيص من قوى وتيارات أخرى، لا سيما من خارج العملية السياسية، والتي تعتبرها عودة لما قبل التأميم أو تعويضا لفترة التأميم "المهدورة"، واتجاه نحو الخصخصة الذي ما زال الشهرستاني متردداً بشأنها رغم حماسته لجولة التراخيص.

 

"
جولة التراخيص الأولى واجهت معارضة شديدة من جهتين مختلفتين، الأولى من التحالف الكردستاني وحكومة إقليم كردستان ووزارة نفط الإقليم، والثانية من قوى وتيارات أخرى، لا سيما من خارج العملية السياسية
"
من جهة أخرى فإن معارضة العديد من النقابات العمالية، لا سيما عمال النفط والغاز لجولة التراخيص الأولى، جعلت الشهرستاني يتشبث بقرار قديم لمجلس قيادة الثورة ما زال نافذاً وكان قد أصدره الرئيس السابق صدام حسين في العام 1987 بإلغاء نقابات العمال وصفة العامل، لا سيما عن القطاع العام "الاشتراكي" كما كان يسمى في حينها، وبالتالي صم الآذان لمطالبهم ومواقفهم.

 

وموضوعياً يمكن تقويم بعض توجهات الشهرستاني وسياسته النفطية، التي تتلخص في جعل وزارة النفط مركز الثقل الأساسي، بل والوحيد المسؤول إستراتيجيا عن تطوير موارد النفط والغاز، وهي التي تتخذ القرارات وتنفذها على صعيد السلطة الاتحادية النفطية، ولكن بمشاركة الأقاليم والمحافظات.

 

وهذا الاتجاه يعني وحدانية اتخاذ القرار وهو ما تعارضه حكومة الإقليم في كردستان، والغريب أن الطرفين استندا على الدستور ولكن لكل منهما تفسيره الخاص وقد يكون "مقنعاً" طالما ظل الدستور فضفاضاً وغير محدد على نحو واضح وحاسم بشأن الإدارة النفطية، لكنه في الوقت نفسه سيكون مصدر صراع جديد.

 

ووقف الشهرستاني ضد توجهات حكومة الإقليم للتوقيع على عقود المشاركة في الإنتاج، وذلك لأن هذه العقود تتجاوز على صلاحيات وزارة النفط من جهة، فضلاً عن كونها تصب في صالح الشركات الاحتكارية، وتربط العراق أو بعض حقوله بسياساتها ومصالحها، وستكون مفاوضات بقية الحقول ضعيفة في ظل عقود سخية في إقليم كردستان، وهو ما تفضله الشركات لتجزئة مفاوضاتها وعلاقاتها. ولكن إدارة الإقليم تشبثت بصلاحياتها بالاستناد إلى دستور يعطيها حق الإشراف على حقول غير مستخرجة أو مكتشفة.

 

وحتى لو حسمت المحكمة الدستورية الأمر، فإن الاستقطاب سيكون أكثر حدة وربما يؤدي إلى انفجار الوضع، خصوصاً ببقاء المادة 140 بخصوص كركوك معلقة ودون أفق للحل، وكان نيشروان مصطفى قائد قائمة التغيير والإصلاح التي حصلت على 23% من المقاعد في انتخابات برلمان الإقليم، قد نوّه إلى أن السكوت عن تطبيق المادة 140 قد يعود إلى تطمينات بشأن النفط لسلطات الأقاليم عقب زيارة المالكي إلى دوكان واجتماعه بالطالباني والبارزاني.

 

بتقديري أن الموافقة على مسوّدة قانون النفط والغاز التي ما تزال معروضة على البرلمان منذ فبراير/شباط العام 2007 ستشكل تحولاً نحو الخصخصة على المدى الطويل، وهذا يعني فتح الباب لعودة الشركات الاحتكارية إلى العراق، لا سيما بتوقيع عقود طويلة معها وهو ما يشير إليه د.منير الجلبي الخبير الاقتصادي والنفطي في تعليقه على مشروع قانون النفط والغاز في 15 (مارس/آذار ) 2007.

 

وسبق للحكومة العراقية ووزارة النفط أن وقعت على عقدين، الأول خاص بحقل الأحدب (وهو حقل عملاق) مع شركة النفط الوطنية الصينية CNOC، أما العقد الثاني فهو مع شركة شل في 22 أيلول/سبتمبر 2008، حيث أعطي للشركة الحق لمدة 25 عاماً لمجمل صناعة الغاز في جنوب العراق، وهو لا يعدو أن يكون خصخصة إنتاجية لموارد الغاز في الجنوب.

 

ولعل من غير المفهوم أو المبرر عدم وجود أجوبة لسؤال كبير ومحيّر: لماذا أعطيت التراخيص لحقول منتجة؟ ورغم كل الظروف والأوضاع الأمنية، فإنها ما تزال تنتج بأياد وخبرات عراقية، والحقول المشمولة هي حقول شركة نفط الجنوب وشركة نفط الشمال وشركة النفط الوطنية، وسيتم إنشاء مؤسسات بعد دخول عقود التراخيص حيّز التنفيذ بوصفها كيانات قانونية لتجنب تشكيل شركة عامة مشتركة، حيث سيكون للشركات العالمية مشاركة فعالة في صنع القرار والرقابة والإدارة وعمليات التطوير والتشغيل والسيطرة على هذه الحقول.

 

وهناك خسارة أخرى تتعلق بالموظفين العاملين في الشركات الحالية الذين سيتم إلحاقهم كموظفين لفترة 20 أو 25 عاماً بحسب شروط العقد بأماكن عمل جديدة وبشروط مختلفة، وسيكون من الصعب بمكان أن يعودوا إلى مواقعهم الأصلية، لأن ذلك غير ممكن عملياً، كما أن خبراتهم التقنية ستضيع وتتبدد إلى الأبد، وسيخسر العراق خبرات وكفاءات عمِلَ على تنميتها سنوات طويلة.

 

"
ستسهم عقود النفط في إفراغ شركة النفط الوطنية من محتواها بعد تخفيض صلاحيات شركتي نفط الشمال والجنوب، وستكون شركة النفط الوطنية أقرب إلى هيكل فارغ، كشركة مشرفة، في حين ستكون الشركات الأجنبية هي المتحكم الفعلي في الحقول النفطية
"
وستسهم هذه العقود في إفراغ شركة النفط الوطنية من محتواها بعد تخفيض صلاحيات شركتي نفط الشمال والجنوب، وستكون شركة النفط الوطنية أقرب إلى هيكل فارغ، كشركة مشرفة، في حين ستكون الشركات الأجنبية هي المتحكم الفعلي في الحقول النفطية.

 

لعل الأمر يتطلب إعادة التأهيل لما هو موجود من حقول وضمن حدود الشركات الوطنية (شركة النفط الوطنية وشركة نفط الجنوب وشركة نفط الشمال) وإذا ما كان هناك اضطرار فيمكن اللجوء على نحو محدود لعقود الخدمة التقنية، ولمناقصة واحدة أو اثنتين، وهذا يعطي فرصة للتعلّم وتطوير القدرات العراقية.

 

إن عقود التراخيص بجولتها الأولى وانتظار الثانية ومع شركات احتكارية ولعقود طويلة وعلى حقول تحتوي على ثمانين مليار برميل (بحدود 75% من احتياطي العراق) وبشكل سريع ومتعجل، سيكون خسارة فادحة للجيل الحالي وللأجيال القادمة ورغم الضغوط التي تعرّضت لها بلدان كثيرة، لكنها امتنعت عن الارتباط بمثل هذه العقود ، مع أنها تعاني من نقص في الخبرة أو التخصيصات وتحتاج إلى زيادة الإنتاج.

 

إن تاريخ النفط في المنطقة العربية هو تاريخ حروب ودماء ومحاولات لفرض الهيمنة على شعوبها وتكبيلها، حيث استحكمت الشركات الاحتكارية ومن ورائها القوى المتنفذة لوضع اليد عليه عبر عقود واتفاقيات مجحفة، ويكشف تاريخ القرن الماضي كله أنه كان سبباً أساسياً للصراع السياسي والاجتماعي الدائر في المنطقة وعلى النطاق الدولي، وهو صراع بين الحداثة والتخلف، وبين الهيمنة والتحرر، وإن لم يتم استغلال موارده على نحو صحيح وعقلاني ومتوازن للدول المنتجة والمصدرة والمستهلكة فإن المزيد من الدماء سيسيل في المنطقة ومعها يتبدد النفط وتضيع فرص التنمية والديمقراطية، ومقابل كل قطرة نفط سيكون هناك ضحايا ودم نازف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك