حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية


تحولات المشهد السوداني
تحدي الانتخابات التعددية
تحدي دارفور وجنوب كردفان
سيناريوهات ما بعد الانتخابات

قد تبدو صورة المشهد السوداني للوهلة الأولى بالغة القتامة والتشاؤم. فالحرب في دارفور لا يزال لهيبها مشتعلاً وهو ما يؤثر على حياة وطرق معيشة ملايين الأفراد. كما أن اتفاق السلام الشامل الذي أنهى الحرب الأهلية في الجنوب ما فتئ يصارع الأمواج العاتية من أجل البقاء، كما أن بؤر التوتر وخطوط التماس الملتهبة بين الشمال والجنوب تهدد بعودة العنف والصراع على نطاق واسع وهو ما قد يفضي إلى تفتيت وتفكيك أركان الدولة السودانية.

ومع ذلك فإن واقع الأمور على الأرض قد شهد تحولات وتغيرات فارقة تفسح المجال واسعاً أمام تحقيق فرص إيجابية فيما يتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع في السودان.

ولعل الأمر هنا يتوقف على إرادة الأطراف الفاعلة الرئيسية في الداخل ومواقف المجتمع الدولي من أجل تحويل هذه الفرص إلى إمكانيات حقيقية.

تحولات المشهد السوداني
يلاحظ أن السودان قد شهد منذ بداية العام الحالي خمسة تطورات كبرى أثرت باليقين على حسابات مختلف الأطراف الفاعلة في الداخل السوداني. ولعل الحدث الأول والأهم يتمثل في قرار المحكمة الجنائية الدولية باعتقال الرئيس عمر حسن البشير لاتهامه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور.

"
شهد السودان منذ بداية العام الحالي خمسة تطورات كبرى أثرت باليقين على حسابات مختلف الأطراف السودانية, وهي قرار اعتقال البشير, وطرد منظمات الإغاثة الدولية, والأزمة الاقتصادية, وفوز أوباما, وقرار التحكيم الدولي حول أبيي
"
ولا شك أن تداعيات هذا القرار على حزب المؤتمر الوطني الحاكم كانت بالغة الخطورة. فقد أضحى سيف العدالة الدولية مسلطا باستمرار على رقبة النظام. كما أن المجتمع الدولي منح فرصة سانحة للضغط على الخرطوم بهدف تحقيق مآربه وأهدافه المعلنة وغير المعلنة.

أما الحدث الثاني فقد تمثل في رد الفعل السوداني على قرار اعتقال البشير من خلال طرد 13 منظمة إغاثة دولية تعمل في شمال وغرب السودان. وقد طرح ذلك إشكالية العلاقة بين السياسي والإنساني في العمل الإغاثي الدولي، وهو ما حاولت الخرطوم استخدامه لتبرير خطة "سودنة" جهود الإغاثة والعمل الإنساني في السودان.

وتطرح الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها السودان من ناحية ثالثة قيوداً لا يمكن الاستهانة بها على حركة النظام الحاكم في الخرطوم. وقد زاد من حدة هذه القيود تأثيرات الأزمة المالية العالمية وانعكاساتها على السودان. ولعل ذلك يعني في أحد جوانبه استجابة السودان لضغوط قوى المانحين والمستثمرين الأجانب.

ويتمثل الحدث الرابع في فوز الرئيس باراك أوباما في انتخابات الرئاسة الأميركية وهو ما يعد تطوراً مهماً بالنسبة للمسألة السودانية. فقد سارع بتعيين سكوت غريشن مبعوثاً جديداً له في السودان بحيث أضحت أزمات السودان ولا سيما ملف دارفور وتنفيذ اتفاق السلام الشامل مع الجنوب تحظى بأولوية ملحوظة في أجندة إدارة أوباما الجديدة.

أما الحدث الخامس والأخير الذي يعطي فرصة لتغير الواقع السوداني المتأزم فإنه يتمثل في قرار التحكيم الدولي حول أبيي والذي جاء في جوهره توافقياً ليدفع باتجاه تحقيق السلام والتعايش المشترك. وإذا كان السودان بموروثاته الثقافية والحضارية يختزل في مكوناته الاجتماعية والمادية ملامح عوالم ثلاثة تجمع بين العروبة والأفريقية والإسلام فإن منطقة أبيي تمثل بالنسبة للوطن السوداني الجامع الخيط الناظم لنسيج الأمة السودانية الواحدة. وقد أكد هذا المعنى دينق ماجوك الزعيم التاريخي للدينكا أنقوك بقوله "إن الرباط الذي يصل شمال السودان بجنوبه يمر عبر أبيي".

ولا يخفى أن فهم هذه التحولات والتطورات التي شهدها الواقع السوداني الراهن وإمكانيات التغير الناجمة عنها يعد أمراً ضرورياً لصياغة رؤية إستراتيجية ترسم معالم الدولة السودانية في المستقبل المنظور.

تحدي الانتخابات التعددية
بعد مرور نحو أربعة أعوام من توقيع اتفاق السلام الشامل بين شريكي الحكم في السودان (حزب المؤتمر الوطني بزعامة البشير والحركة الشعبية بزعامة سلفاكير) لا يزال هذا الاتفاق هشا ومراوغا كما لو كان يعكس حال الوضع السوداني العام. إذ لا تزال العديد من الجماعات المسلحة تنتظر من ينزع سلاحها. كما أن بعض مؤسسات الدولة الحيوية بحاجة إلى إعادة بناء أو إصلاح. على أن في قلب ذلك كله تأتي قضية الانتخابات العامة وإجراء استفتاء حق تقرير المصير في جنوب السودان.

وإذا كانت بعثة الأمم المتحدة في السودان (يونميس) قد تم تخويلها بمقتضى القرار 1590 لعام 2005 المساعدة في تنفيذ اتفاق السلام الشامل فإن دورها على الأرض يتجاوز وظيفتها التقليدية في حفظ السلام.

فالبعثة الأممية تراقب وقف إطلاق النار وتساعد في نزع سلاح من يحمله بشكل غير شرعي، كما أنها تقدم العون في إدارة العملية الانتخابية.

"
ترجع أهمية الانتخابات التعددية القادمة في السودان إلى اعتبارات ثلاثة, أولها أنها تعد أول انتخابات تعددية حقيقية منذ أكثر من عشرين عاماً, وسوف تفضي إلى إعادة تشكيل الطبقة السياسية الحاكمة, وستشهد تأجيلاً عن الموعد المقرر في الاتفاق النهائي 
"
وربما ترجع أهمية الانتخابات التعددية المزمع عقدها بالسودان في أبريل/نيسان 2010 إلى اعتبارات ثلاثة أولها أنها تعد أول انتخابات تعددية حقيقية منذ أكثر من عشرين عاماً يشهدها السودان وثانياً أنها سوف تفضي إلى إعادة تشكيل الطبقة السياسية الحاكمة حيث سيقوم السودانيون بانتخاب رئيس الجمهورية ورئيس جنوب السودان وأعضاء الجمعية الوطنية، وأعضاء المجلس التشريعي لجنوب السودان وأخيراً أعضاء مجالس وحكام الولايات.

وثالثاً شهدت العملية الانتخابية تأجيلاً عن الموعد المقرر في الاتفاق النهائي وكذلك حسم القضايا المرتبطة بها مثل الإحصاء العام الذي يعد محورياً في تحديد حدود الدوائر الانتخابية.

ولم يقتصر الأمر على تأخير الإحصاء العام عن موعده وإنما أضحت نتائجه موضع تنازع وعدم اتفاق ولا سيما من جانب حكومة جنوب السودان. ولا شك أن لهذا التأخير وعدم الحسم بالنسبة للإحصاء العام نتائج سلبية على عملية تسجيل الناخبين وإجراء الانتخابات العامة وكذلك الاستفتاء في الجنوب.

تحدي دارفور وجنوب كردفان
ذهبت بعض الآراء إلى القول بأن تحقيق السلام في الجنوب سوف يدفع إلى تسوية الصراعات الكامنة والمشتعلة في مناطق أخرى من السودان مثل دارفور وجنوب كردفان.

بيد أن الواقع على الأرض في هذه المناطق ينذر بحدوث عكس هذه التوقعات. فالصراع الدارفوري يهدد بتحويل كافة الموارد الدولية والإقليمية إليه وهو ما قد يغطي على المكاسب التي حققها اتفاق السلام الشامل في الجنوب. وتحاول معظم فصائل التمرد في دارفور تعظيم مكاسبها السياسية بكافة الطرق بما في ذلك الأداة العسكرية وهو ما يجعل التفاوض بشأن التسوية السلمية عملية شاقة ومعقدة.

وعلى صعيد آخر فقد ظهرت بؤر التوتر مرة أخرى في مناطق الصراع السابقة في شرق السودان وعلى طول الحدود الفاصلة بين الشمال والجنوب، كما ظهرت صراعات جديدة حول الموارد الطبيعية شمال وادي النيل. وتطرح اتفاقية السلام الشامل نموذجاً تفاوضياً مهماً لكافة الأطراف بهدف بناء مؤسسات جديدة أو استخدام تلك المؤسسات بهدف الوصول إلى سلام يجمع بين الشمال والجنوب في إطار دولة واحدة.

ومع ذلك فإن شريكي الحكم في السودان قد أهملا هذا الجانب الذي يعظم من مبدأ اقتسام الثروة والسلطة بما يجعل خيار الوحدة جاذباً لجميع المناطق السودانية سواء في الشمال أو الجنوب. وعوضاُ عن ذلك تم تكريس كافة الجهود لدعم سلطة المؤتمر الوطني في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن 40% من إنفاق حكومة الوحدة الوطنية قد ذهب إلى مجالات الدفاع والأمن والنظام العام عام 2006، كما أنفقت حكومة جنوب السودان نحو 30% من ميزانيتها في عام 2008 على الأمن والدفاع، بل إن بعض التقديرات غير الرسمية ترفع من هذا الرقم ليصل إلى 60%.

"
يبدو أن إستراتيجية نظام البشير في مواجهة الضغوط الدولية تتمثل في المحافظة على بقائه في السلطة, وفي سبيل ذلك يبدي النظام مرونة واضحة لتقديم تنازلات في سعيه للحصول على أصدقاء وحلفاء في الداخل
"
ويلاحظ أن دخول المحكمة الجنائية الدولية طرفاً في أزمة دارفور بإصدارها قرارا يقضي باعتقال الرئيس البشير قد غير من ملامح المشهد السياسي السوداني بشكل كبير وذلك من عدة نواح: فقد أدت إلى تعنت فصائل التمرد وعدم رغبتها في العودة إلى طاولة المفاوضات وذلك على أمل الاستقواء بالخارج وتغيير النظام الحاكم في الخرطوم.

ومن ناحية ثانية فقد اضطر المؤتمر الوطني الحاكم إلى تقديم بعض التنازلات بهدف الحصول على الدعم الداخلي كما فعل مع حزب الأمة والحركة الشعبية. كما حاول البشير من ناحية ثالثة اتخاذ بعض الإجراءات الرمزية مثل الاعتراف بمعاناة أهل دارفور والاستجابة لبعض مطالب المتمردين مثل إقامة صندوق للتعويضات والنظر في مسألة توحيد ولايات دارفور الثلاث.

ويبدو أن إستراتيجية نظام البشير في مواجهة هذه الضغوط الدولية تتمثل في المحافظة على بقائه في السلطة. وفي سبيل ذلك يبدي النظام مرونة واضحة لتقديم تنازلات في سعيه للحصول على أصدقاء وحلفاء في الداخل. وقد رأينا ذلك الموقف الحكومي في أكثر من مناسبة واحدة مثل موافقته على تسوية ملف أبيي عبر التحكيم الدولي والقبول بنتائج ذلك التحكيم. كما انه أعطى الضوء الأخضر للحركة الشعبية من أجل التوسط في الصراع الدارفوري.

سيناريوهات ما بعد الانتخابات
وفقاً لدراسة أعدها معهد الولايات المتحدة للسلام وصدرت في أغسطس/آب 2009 يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات تحكم المشهد السوداني في مرحلة ما بعد الانتخابات على النحو التالي:

- سيناريو الانفصال: على أن هذا الخيار يمثل في ظل المؤشرات الراهنة مأزقاُ خطيراُ أمام الجنوب حتى في حالة قبول الشمال لمبدأ التعايش مع دولة جنوبية. فقد أظهرت حكومة الجنوب عجزا واضحاً في القيام بمهامها التوزيعية ولا سيما في مجال الحاجات والخدمات الأساسية مثل المياه والغذاء والطرق والصحة وما إلى ذلك. إذ انشغلت حكومة الحركة الشعبية بإنفاق عوائد النفط على البنية العسكرية والأمنية في الجنوب من أجل ردع الشمال. وقد أظهر العديد من التقارير تفشي الفساد وسوء الإدارة بشكل كبير في جنوب السودان.

ويشير التقرير السابق إلى أن جنوب السودان لا يمثل دولة متكاملة الأركان ومن ثم فهي غير قابلة للاستمرار والبقاء. وثمة مجموعة من العوامل قد تفضي إلى اندلاع العنف والفوضى والتي قد تمتد آثارهما إلى الشمال. ولعل من أبرز تلك العوامل إمكانية نشوب صراعات قبلية أو تفجر بؤر التوتر في جنوب كردفان أو النيل الأزرق، وأخطر من ذلك كله عدم قدرة حكومة الجنوب على تلبية ثورة التوقعات المتزايدة لدى الجنوبيين.

• سيناريو الفوضى: إذ تنذر القضايا الخلافية وبؤر التوتر بين الشمال والجنوب والتي لم يتم حسمها قبل إجراء الاستفتاء العام بدخول السودان حالة من العنف والفوضى العارمة. فغياب الثقة بين شريكي الحكم وعدم رغبتهما أو قل عدم قدرتهما على مواجهة القضايا الأساسية بينهما قد يؤدي إلى عودة الصراع مجدداً بين الشمال والجنوب على نطاق واسع هذه المرة.

وثمة مجموعة من القضايا المحورية يمكن أن تقود إلى هذا الاحتمال ومن ذلك: الإحصاء السكاني العام المتنازع عليه وعدم حسم بعض أبعاد السياسة النفطية في البلاد، وغموض الرؤية الخاصة بالانتخابات العامة وقانون الاستفتاء العام، بالإضافة إلى قضايا أخرى مثل النازحين والمهاجرين وترسيم الحدود بشكل نهائي بين الشمال والجنوب.

• سيناريو الوحدة: ويعتمد ذلك على قدرة كافة الأطراف السودانية في تحقيق اختراقات مهمة على صعيد القضايا الخلافية والحاسمة. ومثل هذا التوجه قد يجنب البلاد حالة الفوضى والعنف و لكنه لا يمثل حلاً بعيد المدى لأزمات السودان المستعصية.

"
يمثل خيار الانفصال مأزقاً لا يمكن لحكومة الجنوب أن تتحمله, كما أن سيناريو الفوضى والعنف قد يتجاوز حسابات مختلف الأطراف السودانية, عندئذ يصبح خيار الوحدة جاذباً ومفيداً لكافة الأطراف
"
ويمكن القول بأن مثل هذه الإستراتيجية التوافقية تعتمد على عدد من القضايا لعل من أبرزها: الوصول إلى صيغة توفيقية خاصة بالإحصاء السكاني بما يعزز من إجراءات بناء الثقة بين شريكي الحكم ويمهد الطريق أمام قبول نتائج كل من الانتخابات العامة والاستفتاء في الجنوب. بالإضافة إلى ذلك ينبغي الوصول إلى رؤية مشتركة حول مستقبل السودان الجديد بما في ذلك تسوية قضايا المناطق الثلاثة (أبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق) والصراع في دارفور حتى لا تصبح سبباً في إثارة الصراع والعنف.

وأيا كان الأمر فإن خيار الانفصال يمثل مأزقاً لا يمكن لحكومة الجنوب أن تتحمل تبعاته وتكلفته الباهظة، كما أن سيناريو الفوضى والعنف قد يتجاوز حسابات مختلف أطراف المسألة السودانية وهو ما يعني تفتيت وتقسيم السودان إلى كيانات هشة وضعيفة لا تقوى على الحياة. عندئذ يصبح خيار الوحدة جاذباً ومفيداً لكافة الأطراف ولكنه بحاجة إلى إرادة سياسية من الداخل ودعم ومساندة كبيرة من الخارج.

فهل يستطيع أهل السودان بما حباهم الله من عبقرية في المكان والتاريخ أن ينهضوا من عثرتهم ويساهموا في بناء السودان الموحد الجديد؟.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك