توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


هناك حديث ملتبس المعنى عن "الهوية الأردنية" وضرورة الحفاظ عليها من خطر يلّمح إلى أنه يهددها من قبل الأردنيين من أصول فلسطينية. وهو ما يستدعي منا ابتداء التوقف, وبطريقة علمية وتاريخية عند "هويتنا" الحقيقة قبل الانتقال للحديث عما يغلفه هذا الطرح المستجد.

المفروض, لبيان التمايز بين الهويتين أن نعود للأردن ما قبل قيام الإمارة عام 1921, لننظر كيف كانت هويته. والهوية هنا لها شقان, الشق السياسي والشق الاجتماعي. وهما يتداخلان لحد ما. السمة الغالبة على الأردنيين في العقد الثاني من القرن الماضي كانت البداوة , تليها الفلاحة ثم قلة من الحضر في البلدات الرئيسة.

"
التركيبة الأردنية هي ذات تركيبة المجتمع الفلسطيني مع اختلاف النسب حيث طغت نسب الحضر والفلاحين على أقلية بدوية, وهذه الفروق لم تكن تحدث فارقا بينيا يؤثر بشكل كبير في التوجهات السياسية للأردنيين
"
وهي ذات تركيبة المجتمع الفلسطيني مع اختلاف النسب حيث طغت نسب الحضر والفلاحين على أقلية بدوية. وهذه الفروق لم تكن تحدث فارقا بينيا يؤثر بشكل كبير في التوجهات السياسية للأردنيين. فإذا تجاوزنا أدبيات المرحلة التي وثقت للنخب الحضرية العربية كلها وبينت توافق سياساتها وتطلعاتها, فإن التقارير البريطانية الصادرة من المنطقة كانت تشير إلى كون فلاحي الأردن, لتقاربهم الشديد مع فلاحي فلسطين, يشكلون, تجمعات شعبية داعمة بالسلاح والمال والعون اللوجستي للمناضلين الفلسطينيين ضد الاستيطان الصهيوني, بل ويشكلون مخزونا من المتطوعين للقتال وكل أشكال المقاومة.

والأقدم من هذا هو تاريخ نضال العشائر الأردنية ضد الحكم العثماني, وحقيقة أن زعماءها كانوا ينسقون مع الثوار العرب في دمشق تحديدا كونها مركزا رئيسيا على الخط الواصل بتركيا, وكون ما ثار الكل عليه لم يكن فقط الظلم الذي وسم حكم العثمانيين بل واستهدافهم "للهوية العربية" إضافة لرفض العشائر للتجنيد في صفوف الجيش العثماني مقابل تطوعهم لاحقا للقتال إلى جانب المناضلين الفلسطينيين. وهذا يؤشر بمجمله على "هوية قومية عربية" ترجمت في اصطفافات سياسية بل وقتالية انتظمت في صفوفها قطاعات شعبية أردنية لم تكن حتى من النخب التي انضمت للأحزاب القومية العابرة للحدود, أو حتى سمعت بها.

ولكن سمة البداوة -خاصة طرائق معيشة الجزء الرعوي المتنقل وليس المتوطنين داخل أو حول البلدات الرئيسة- هي التي لفتت نظر الرائي من الخارج. ومنهم العالم الاجتماعي دانيال ليرنر عندما زار الأردن عام 1952, أي بعد النكبة وتوافد أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين على الأردن. وكتب حينها فصلا عن الأردن في أحد كتبه بعنوان "دولة بشعبين".

وفيه توصل إلى أن الفروق التي لمسها تجعل الانسجام والتمازج بين الشعبين مستحيلة. ولكنه عندما عاد بعد ربع قرن فقط في العام 1977, كنت ضمن مجموعة من الإعلاميين التقاهم (أذكر منهم السيد نصوح المجالي مدير الإذاعة حينها والراحل الكبير الأستاذ جورج حداد مدير الأخبار في التلفزيون) كان يستفسر باستغراب عما يسر هذا التمازج لحد ضياع الفروق. ولم اقرأ ما نشره ليرنر بعدها, ولكنه قال لنا إنه سيكتب هذه المرة تحت عنوان "شعب بدولتين" في إشارة لوقوع الضفة الغربية تحت الاحتلال الإسرائيلي.

والآن, وبعد فورة التعليم الأعلى في الأردن بعد فلسطين على قائمة الدول العربية, وهو تعليم مصادره المتاحة للشعبين هي نفسها عربيا وعالميا, وفي عصر الفضائيات والإنترنت والمدن ذات المباني الشققية الشاهقة الارتفاع والتي تفرض الجوار اللصيق على كل الساكنين بحكم التساوي الطبقي لتقارب الدخول وليس الأصول. وبعد أن انتشر التزاوج بين الفئتين, وحدوثه بهذا الكم هو بحد ذاته دليل تقارب اجتماعي, بحيث أصبح أكثر من ثلث سكان البلاد من نسل خليط استحدثت له تسمية "أردوسطيني" في رفض التخندق المفتعل الذي يناقض حتى حقائق البيولوجيا. بعد كل هذا يصعب الحديث عن وجود فروق "هوية" تذكر بين أصحاب الأصول المختلفة من الأردنيين. وإذا كانت هنالك فروق في التوجهات السياسية ناتجة عن الوعي (أو تغييب الوعي) فإن كل تلك الاصطفافات, من أقصى يمينها لأقصى يسارها, باتت عابرة لكل الحدود القطرية العربية أكثر بكثير من ذي قبل.

"
إذا كنا نبحث في "الهوية السياسية للأردنيين" فإننا نكون نبحث في هوية سكان شرق الأردن الأصليين أصحاب الأرض في أواخر العهد العثماني على الأقل, كون ذلك أقدم معيار معتمد في أول قانون أردني نظم الجنسية
"
ومع ذلك, فإننا إذا كنا نبحث في "الهوية السياسية للأردنيين" فإننا نكون نبحث في هوية سكان شرق الأردن الأصليين أصحاب الأرض في أواخر العهد العثماني على الأقل كون ذلك أقدم معيار معتمد في أول قانون أردني نظم الجنسية. وصولا للحظة التاريخية الفاصلة المتمثلة بقيام إمارة شرق الأردن التي لا جدال أنها كانت اللحظة الأنسب للتعبير عن تلك الهوية. مرورا بما جرى لحين قيام الوحدة مع الضفة الغربية.

التوجه العام منذ البداية كان توجها قوميا ديمقراطيا يطالب بالاستقلال والحكم النيابي. وقد شارك ممثلون عن الأردن في المؤتمر السوري العام الذي عقد في دمشق في الفترة من السادس وحتى الثامن من مارس/آذار 1920 والذي أهم قراراته استقلال البلاد السورية بحدودها الطبيعية, على الأساس المدني النيابي, وحفظ حقوق الأقلية "ورفض مزاعم الصهيونيين في جعل فلسطين وطنا قوميا لليهود أو محل هجرة لهم".

وشكلت تجربة المملكة السورية العربية التي أعلنت في اليوم الأخير من ذلك المؤتمر, والتي أهم ما بقي منها بعد نهايتها السريعة, هو دستورها الذي نص على فصل السلطات الثلاث, واستقلال القضاء وكون السلطة التشريعية منتخبة بكاملها, واحترام الحريات الفردية والعامة. هذه التجربة وجدت صدى في نفوس الأردنيين وشكلت مثالا يحتذى ومطلبا بدؤوا -وما زالوا- يلحون في تحقيقه في كافة تحركاتهم السياسية منذ قيام إمارة شرق الأردن في أبريل/نيسان عام 1921.

أول حكومة تشكلت مع قيام الإمارة كانت برئاسة رشيد طليّع, وهو لبناني درزي من مؤسسي حزب الاستقلال السوري. وشارك في إدارات البلاد بعض قادة حزب الاستقلال العربي وقادة حزب العهد العربي, ومعظمهم من أبناء سوريا ولبنان وفلسطين. "غير أن قادة حزب الاستقلال ما لبثوا أن اصطدموا مع سلطات الانتداب البريطانية التي مارست ضغوطا على الأمير عبد الله بن الحسين, للتخلص منهم وتطهير أجهزة الدولة منهم. وتم ذلك سنة 1934". (د. علي محافظة: الفكر السياسي في الأردن 1916-1946. مركز الكتب الأردني. عمان 1990).

ولكون الحكومة البريطانية اشترطت ابتداء على الدولة الأردنية الذي شاركت في إنشائها أن تكون حكومتها "دستورية" لأسباب عملية في مقدمتها ضبط الأمور المالية عن طريق رقابة تشريعية فعالة, وأيضا نتيجة لتصاعد مطالبات الأردنيين فور قيام الإمارة بحكومة دستورية.

فقد شكل الأمير عبد الله لجنة أهلية في 9/7/1923 لوضع قانون للمجلس النيابي المنوي انتخابه. وقد ساهم تمرد الشيخ سلطان العدوان المطالب بتشكيل حكومة دستورية وانتخاب مجلس تشريعي (تم التصدي له بمشاركة القوات البريطانية) في دفع اللجنة إلى الإسراع في صياغة مشروع قانون الانتخاب. ولكن صدور القانون لم يتبعه إجراء انتخابات نيابية "بل بقي حبرا على ورق, وكان صدوره مجرد تلهية للذين يطالبون بالحياة النيابية" حسب د.محافظة (المصدر السابق).

"
شكل الأمير عبد الله لجنة أهلية في 9/7/1923 لوضع قانون للمجلس النيابي المنوي انتخابه. ولكن صدور القانون لم يتبعه إجراء انتخابات نيابية "بل بقي حبرا على ورق, وكان صدوره مجرد تلهية للذين يطالبون بالحياة النيابية"
"
أما القانون الأساسي (الدستور الأول) فقد وضع بعد أربعة شهور من صدور قانون الانتخاب عبر لجنة أخرى كانت قد تشكلت قبل عام كامل. وجاء متأثرا لحد بعيد بدستور سوريا لعام 1920, دستورا عصريا يتضمن المبادئ الديمقراطية الليبرالية وحقوق الإنسان والتوازن بين السلطات والفصل بينها. ومن بعده تم إعداد قوائم الناخبين وأنجزت في يونيو/حزيران 1924.

ومع ذلك لم تجر أية انتخابات ولا طبق الدستور (القانون الأساسي) الذي -وهنا الغرابة- كان الإنجليز لحينه يضغطون باتجاه تطبيقه وإجراء الانتخابات التشريعية لتؤول محاسبة الحكومة لمجلس نيابي منتخب. وإصرار بريطانيا على هذا أنتج أزمة بين المعتمد البريطاني جون فيلبي والأمير عبد الله الذي كان يرى في هذا تقليصا لصلاحياته. والمحصلة كانت حكومة جديدة أعلن رئيسها أن من برنامج حكومته "السعي لانتخاب مجلس نيابي لتدريب الأمة على الحكم الدستوري" ولكن تعامله مع مطالبات شيوخ العشائر والشباب المتنورين بتطبيق القانون الأساسي وانتخاب مجلس نيابي, تجلى في إخراج موقعي العرائض من العاصمة الأردنية ووضعهم تحت الإقامة الجبرية والرقابة المشددة في القرى التي أتوا منها (المصدر السابق).

ثم توالت القوانين القمعية من مثل قانون منع الجرائم الذي -كنسخته الحديثة- يحاسب على نوايا مفترضة. وقوانين مطبوعات كالتي ظلت تصدر تباعا وليومنا هذا, تعاقب بالسجن وبغرامات باهظة أو بكليهما. والهدف هو أن لا تؤول صلاحيات محاسبة الحكومة لمجلس منتخب. وهو ما عادت بريطانيا وتواطأت فيه على الشعب الأردني بأن قفزت عن الصيغة الديمقراطية التقدمية لقانون عام 1924, وفرضت سلطة الانتداب قانونا آخر لا علاقة له بالديمقراطية بأكثر من مزج جزء صغير منتخب في جسم معين, ليقال إنه سلطة تشريعية شعبية!!.

وكان إعلان القانون الأساسي الجديد قبل شهرين فقط من إقرار الاتفاقية الأردنية البريطانية. ثم وللوفاء "شكليا " باشتراط بريطانيا السابق للدستورية , تحول هذا القانون إلى "دستور" عام 1946, بعد إعلان الأردن مملكة.

وما فعله إخوتنا الفلسطينيون عند توحيد الضفتين عام 194, وهم الذين كان تنشر في صحفهم بيانات ومقالات المعارضة المطالبة بالديمقراطية وحتى رسائلهم أو مناشداتهم للأمير. أن اشترطوا لقبول الوحدة, تحديدا أن تؤول محاسبة الحكومة والرقابة على المال العام لمجلس النواب. ومقابل ذلك رضوا أن تكون حصتهم مناصفة في عدد مقاعد مجلس النواب بالرغم من أن عدد سكان الضفة الغربية فاق عدد "الشرق أردنيين" بما يقارب الضعف حينها. وهو شرط قبل به الملك عبد الله الأول (روبرت ساتلوف: من عبد الله إلى حسين. مطبوعات جامعة أكسفورد. نيويورك 1994).

وفي بداية انعقاد أول مجلس نواب ممثل للضفتين جرى الضغط على المجلس للمصادقة على قرار الوحدة دون مناقشة تذكر. ولكن بعد ذلك, برزت ممارسات هذه السلطة الديمقراطية الحضارية للشعب الجديد, دون أن يتبدى أي انشقاق أو حتى خلاف بين مكوناته يتأتى من "الأصول والمنابت" مما أهله لتحقيق أغلبية رفضت مشروع قانون الموازنة الأولى الشاملة للضفتين بعد الوحدة, وردته للحكومة في مايو/أيار1951. فجرى حل البرلمان الأول الممثل للضفتين. (ساتلوف–المصدر السابق).

إلا أنه بعد سلسلة تداعيات أبرزها اغتيال الملك عبد الله الأول في يوليو/تموز 1951 وتولي الملك طلال الحكم, أقر الدستور الحالي في العام 1952, وهو دستور يمثل حالة متقدمة جدا من الديمقراطية, إذ جرى تحاشي كل مثالب دستور عام 46 ورسخ حكم الشعب النيابي ضمن ملكية دستورية أخذت عن الدستور البلجيكي, وتحديدا عن تطبيقه العرفي -غير المكتوب- في بريطانيا.

"
الحديث الجاري عن تهديدات "للهوية" الأردنية نتيجة إعادة الجنسية لبضعة آلاف ممن حملوها لعقود, هو غير صحيح وليس فقط غير دقيق أو مبالغ فيه. وهو تفاد لحديث عن المشكلة الحقيقة يصل حد الإنكار, وهي مشكلة يجري ترحيلها
"
هذا الدستور لم يضع أسس دولة المواطنة الحديثة, فذاك يعود لنضال الأردنيين منذ العام 1921, ولكنه أعاد تكريسها بفضل المواطنين الجدد بصورة تضمن السلم الأهلي لو استمر تطبيقه, حيث لا مجال لأن تصبح الأصول والمنابت مادة لأي مشكلة أو سببا لأي تفرقة, كونه نص على أن المواطنين متساوون أمام القانون. وهو ما استمر حتى الانقلاب الرسمي عليه (ساتلوف-المصدر نفسه) والذي جاء بعد خمس سنوات فقط من تطبيقه, وحل المجلس المنتخب وإعلان الأحكام العرفية التي استمرت للعام 1993, أي لما بعد ما سمي "بعودة الديمقراطية" إثر الانتفاضة الشعبية في العام 1989.

وهو الدستور الذي تجمع كل القوى الوطنية الأردنية الآن على ضرورة العودة له بعد تخليصه من كل التعديلات التي أدخلت عليه في الفترة العرفية. أي أن هذا الدستور المشترك, ما زال يمثل الهوية السياسية, وحتى الاجتماعية الأردنية.

المواطنون الجدد من أصول فلسطينية, هم ليسوا اللاجئين فقط كما تنقل الصورة النمطية التي روجت لها جهات رسمية في عقود ما قبل فورة الإعلام, لاجتذاب مساعدات دولية أو تبرير قصور إداري أو حتى فساد مالي يعيق التنمية. تماما كما روجت لصورة الأردني بأنه بدوي يركب الجمل, لأغراض سياسية أيضا وليس فقط سياحية, لدرجة أن زوار الأردن لحين سبعينيات أو حتى ثمانينيات القرن الماضي, كانوا يتوقعون أن يشاهدوا الجمال تتنقل براكبيها فور وصولهم.

ومثله الحديث الجاري عن تهديدات "للهوية" الأردنية نتيجة إعادة الجنسية لبضعة آلاف ممن حملوها لعقود, فهو غير صحيح وليس فقط غير دقيق أو مبالغ فيه. هو تفاد لحديث عن المشكلة الحقيقة يصل حد الإنكار, وهي مشكلة يجري ترحيلها لنا ونصر بهذا القول, وغيره على تبني منشئها بما لا يقل عن القول إنها نابعة من "هويتنا ". ولهذا حديث آخر لا يتسع له هذا المقال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك