نبيل السهلي

نبيل السهلي

كاتب وصحفي مستقل


ظروف نشأة الحركة
فتح ومنظمة التحرير
المسارات السياسية الحرجة
تجربة الانتخابات الفلسطينية
مستقبل فتح بعد المؤتمر

تواجه حركة فتح الفلسطينية تحديات سياسية وتنظيمية جسيمة عشية انعقاد مؤتمرها السادس الذي يلتئم يوم الثلاثاء الموافق 4/8/2009 في مدينة بيت لحم في الضفة الغربية، فإما أن تنجح الحركة في تجديد نفسها وأطرها وهياكلها التنظيمية وتوحد خطابها السياسي ورؤيتها في كافة القضايا السياسية، آخذة بعين الاعتبار التحولات السياسية والمسارات الحرجة التي مرت بها القضية الفلسطينية خاصة بعد اتفاقات أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية في ربيع عام 1994، وإما أن تفشل في الحفاظ على قوة الدفع الكفاحية التي استمرت الحركة بفضلها لأكثر من عقدين من الزمن، حيث عقد المؤتمر الخامس للحركة في عام 1989.

ومنذ ذلك الحين تشتت الخطاب السياسي الجامع لحركة فتح إزاء القضايا السياسية المختلفة, لكن الأخطر كان التحول الكبير بعد إنشاء السلطة الفلسطينية, حيث انتقل الجسم الأكبر منها والمؤسسات ذات الصلة إلى مناطق السلطة الناشئة التي لم تكتمل بمعناها السيادي الحقيقي لا على مستوى السكان والأرض والمصادر الطبيعية ولا على مستوى الاقتصاد الفلسطيني.

فهل ستشهد الساحة السياسية الفلسطينية انطلاقة متجددة لحركة فتح التي استطاعت في فجر اليوم الأول من عام 1965 أن تحول القضية الفلسطينية من قضية لاجئين إلى قضية وطنية في المقام الأول، حيث بات اللاجئ الفلسطيني مع انطلاقة رصاصتها الأولى فدائيًّا مقاتلاً في سبيل الوصول إلى حقه في العودة إلى وطنه ودياره.

ظروف نشأة الحركة

"
نشأة حركة فتح الأم نتيجة اتفاق مجموعات من الشبان الفلسطينيين الذين عاشوا النكبة في صباهم واكتسبوا بعض الخبرات التنظيمية في اتحادات وروابط الطلاب الفلسطينيين أو في أحزاب قومية عربية
"
حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، هي تنظيم فلسطيني نشأ في شهر أكتوبر/تشرين الأول من عام 1957، وظل يعمل سرًّا حتى عام 1965، حين أذيع أن الراحل الشهيد ياسر عرفات هو الناطق الإعلامي للحركة، وقد توافرت المعلومات عن التنظيم ومؤسسيه وقياداته وبرامجه وأفكاره وخططه وعمله من خلال نشاط التنظيم وبياناته وكتبه ووثائقه المنشورة، وكان لفتح جناح عسكري اسمه قوات العاصفة، أعلن بدء نشاطه في 1/1/1965 واعتبرت انطلاقة الرصاصة الأولى لقوات العاصفة الذراع العسكري لفتح بمثابة انطلاقة للثورة الفلسطينية المعاصرة بعد مرور سبعة عشر عامًا من النكبة الكبرى التي حلت بالفلسطينيين في مايو/أيار من عام 1948.

وكانت نشأة حركة فتح الأم نتيجة اتفاق مجموعات من الشبان الفلسطينيين الذين عاشوا النكبة في صباهم واكتسبوا بعض الخبرات التنظيمية في اتحادات وروابط الطلاب الفلسطينيين أو في أحزاب قومية عربية، وكان بعضهم قد اكتسب خبرات عسكرية ترجع إلى العمل الفدائي في قطاع غزة في عام 1953.

وقد تم في الكويت اللقاء الأول بين ممثلي هذه المجموعات في أكتوبر/تشرين الأول عام 1957، واتفقوا على العمل من أجل تحرير فلسطين وتجسيد الهوية الوطنية الفلسطينية المستقلة، وكانت هذه بمثابة القاعدة التنظيمية لحركة فتح، حيث كان لأعضائها امتدادات في مصر وغزة والأردن ولبنان وسورية والضفة الغربية والسعودية وقطر إضافة للكويت كما أشرنا، وقد بدأ التوسع في الاتصالات سرا، ولم يكن هناك شروط للعضوية سوى التوجه لفلسطين، وعدم الالتزام بتنظيم آخر.

وفي الأشهر التالية للقاء الكويت تم الاتفاق على تسمية التنظيم بحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وتم التأكيد على ثلاثة مبادئ في أدبيات الحركة هي: تحرير فلسطين، والكفاح المسلح هو أسلوب التحرير، وكذلك الاستقلالية التنظيمية عن أي نظام عربي أو دولي. ولم يحدث بعد ذلك أي تغيير جذري على هذه المبادئ الثلاثة.

فتح و منظمة التحرير
وفي عام 1968 أصبحت حركة فتح التنظيم الأهم في منظمة التحرير الفلسطينية واستحوذت على القسم الأكبر من عضوية اللجنة التنفيذية للمنظمة، ولا تزال حتى عام 2009، وفي نفس الوقت بقيت الحركة بعد نشأة السلطة الفلسطينية في صيف عام 1994، إثر اتفاقات أوسلو، حزب السلطة الأهم والأقوى في مستويات النشاط السياسي والعسكري والتنظيمي أيضا.

وللحركة قيادة أولى هي اللجنة المركزية ثم المجلس الثوري، ومن أهم أعضاء اللجنة المركزية للحركة محمود عباس أبو مازن الذي تبوأ رئاسة السلطة الوطنية ورئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد رحيل الرمز الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات، ومن أعضاء اللجنة المركزية هاني الحسن، وعباس زكي، وصخر حبش، وفاروق القدومي الذي عارض في الأساس اتفاقات أوسلو، ومحمد غنيم أبو ماهر.

وكان الشهيد ياسر عرفات أبو عمار رئيسًا للجنة المركزية، فضلاً عن كونه رئيسا للسلطة الوطنية الفلسطينية المنتخبة، ورئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي وصل إليها بعد تنحي الراحل أحمد الشقيري الذي تولى المنصب المذكور خلال الفترة الممتدة بين عامي 1964 و1968. ومن أبرز شهداء حركة فتح من أعضاء اللجنة المركزية: رئيس الحركة ياسر عرفات أبو عمار، وخليل الوزير أبو جهاد، وأبو إياد، وأبو الهول، وأبو الوليد، إضافة إلى كل من أبي يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان.

المسارات السياسية الحرجة

"
في عام 1994 انتقلت فتح من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء السلطة الوطنية مع الإبقاء على الثوابت الفلسطينية وخاصة حق العودة ورفع شعار إقامة الدولة الفلسطينية على كافة مناطق الضفة الفلسطينية وقطاع غزة
"
مرت حركة فتح والثورة الفلسطينية بمفاصل سياسية هامة منذ انطلاقتها كان أهمها انتقال الثقل من الأردن إلى بيروت بعد عام 1970، وبعد اثني عشر عامًا وبالتحديد في صيف عام 1982 تم ترحيل منظمة التحرير الفلسطينية عن بيروت إلى أكثر من عشر مناف عربية جديدة، وفي نهاية عام 1991 عقد مؤتمر مدريد للسلام بحضور تمثيل فلسطيني في إطار الوفد الأردني ما لبث أن أصبح مستقلاً.

وفي الثالث عشر من سبتمبر/أيلول عقدت اتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وتمَ إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية في أبريل/نيسان من عام 1994 ، وتبعا لذلك انتقلت فتح من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء السلطة الوطنية مع الإبقاء على الثوابت الفلسطينية وخاصة حق العودة ورفع شعار إقامة الدولة الفلسطينية على كافة مناطق الضفة الفلسطينية وقطاع غزة.

وفي يوم الخميس الثامن والعشرين من سبتمبر/أيلول من عام 2000 انطلقت انتفاضة الأقصى من باحات الأقصى المبارك ليعبر الشعب الفلسطيني عن رفضه سياسة الإملاءات وفرض الأمر الواقع الإسرائيلي، وخلال سنوات الانتفاضة خسر الشعب الفلسطيني حسب دراسات مختلفة نحو ستة آلاف شهيد ونحو أربعين ألف جريح .

تجربة الانتخابات الفلسطينية
أظهرت الانتخابات الفلسطينية التي جرت في يوم 25/1/2006 وزنًا كبيرًا لحركة حماس من حيث استئثارها بغالبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني (74 مقعدًا)، حيث تراجعت قوة المنافس الأقوى من الساحة بفعل المتناقضات الداخلية التي اجتاحت بنيته الداخلية، ونقصد هنا حركة فتح الفصيل الأهم والأكبر في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.

وقد ساعد في بروز تلك المتناقضات تحول الحركة من الحزب القائد للثورة ومنظمة التحرير إلى حزب السلطة الوطنية الفلسطينية وصاحب القرار في إدارة شؤون أكثر من أربعة ملايين ونصف مليون فلسطينيي في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الفترة الممتدة بين عامي 1994 و2006، حيث طفت إلى السطح خلال الفترة المذكورة أوجه الفساد المالي والاقتصادي والسياسي المختلفة وتحملت فتح وزر ذلك نتيجة لتبوأ عدد كبير من كوادرها مناصب هامة في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية، ناهيك عن قيادة فتح للسلطة التشريعية والتنفيذية ومؤسسة الرئاسة أيضا، في مقابل ذلك رافق أداء السلطة الوطنية المطبات السياسية والإدارية التي وقعت فيها الحركة.

وعلى الرغم من المتغيرات السياسية المعقدة التي واجهت الفلسطينيين لم تعقد حركة فتح مؤتمرها السادس، وبالتالي بقيت أدبياتها القديمة سيدة الموقف ولم تأخذ بعين الاعتبار تلك المتغيرات، وخاصة اتفاقات أوسلو وتبعاتها السياسية وبالتحديد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 1994 وانتقال الجسم الأساسي لحركة فتح إلى الداخل الفلسطيني، وقد أسس غياب المؤتمر لتفاقم المتناقضات داخل حركة فتح وبنيتها التنظيمية والهيكلية؛ وقد عزز هذا الاتجاه غياب مبدأ المحاسبة عن الأخطاء في ظل عسكرة أبناء الحركة وتحويل قسم كبير منهم إلى جيش من الموظفين في السلطة الوطنية وأجهزتها المختلفة، كما كان لغياب مؤتمر حركة فتح بالغ الأثر في غياب الحياة التنظيمية في الأقاليم المختلفة وخاصة في دول الجوار الجغرافي لفلسطين ونقصد هنا كلا من سوريا ولبنان والأردن، وتشتت الخطاب السياسي لأعضاء حركة فتح في الداخل والخارج في ظل غياب الأدبيات التي تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات السياسية، وفي المقدمة منها تحديات الانقسام الفلسطيني ومحاولة إعادة اللحمة والوحدة الوطنية الفلسطينية لمواجهة التحديات الإسرائيلية التي تبلغ ذروتها مع الاستمرار في بناء الجدار العازل والنشاط الاستيطاني في قلب مدينة القدس، ناهيك عن شرط حكومة نتنياهو للاستمرار في المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية.

هذا الشرط المتمثل في الأساس بالاعتراف الفلسطيني بيهودية الدولة مقابل اعتراف إسرائيلي بدولة فلسطينية غير محددة المعالم ومنزوعة السلاح؛ ناهيك عن القوانين الإسرائيلية العنصرية التي تسارعت خطاها بعد وصول نتنياهو إلى سدة الحكم في إسرائيل وتشكيل حكومة أكثر يمينية في تاريخ إسرائيل .

مستقبل فتح بعد المؤتمر

"
مستقبل فتح مرهون بنجاح مؤتمرها الذي سيرسم الخطوات السياسية القادمة لها بناء على المتغيرات السياسية التي شهدتها الساحة الفلسطينية وخاصة بعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية في ربيع عام 1994
"
من المقدر أن يحضر المؤتمر في نهاية المطاف غالبية الأعضاء (1350 عضوا) من كافة أقاليم الحركة، ومن المحتمل أن تؤكد الأدبيات السياسية الصادرة على حق الشعب الفلسطيني في الكفاح الوطني وعدم التركيز على الكفاح المسلح فقط، كما ستؤكد تلك الأدبيات بشكل عام على الثوابت الفلسطينية حول قضايا جوهرية مثل: قضية اللاجئين والقدس والمستوطنات والدولة الفلسطينية والحدود. لكن ذلك لن يعفي الحركة من سيل من الانتقادات سواء من داخلها أو من فصائل فلسطينية أخرى ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية وهيئاتها المختلفة ومن فصائل غير ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية، ناهيك عن تحليلات مرتقبة من وسائل الإعلام العربية المرئية والمسموعة والمقروءة.

كما ستشهد الساحة السياسية الإسرائيلية تحليلات متشعبة قد تصل إلى حد المطالبة بطرد حركة فتح من الأراضي الفلسطينية وتفكيك السلطة الفلسطينية، وفي الجانب التنظيمي ستتشكل قيادة موسعة من المجلس الثوري واللجنة المركزية، وستضم شخصيات شابة القسم الأكبر منها من الأراضي الفلسطينية، وقد تكون هناك –حسب تقديرنا الخاص- قيادات في الصف الأول من الشتات الفلسطيني وخاصة من لاجئي لبنان مثل اللواء سلطان أبو العينين الذي سيتبوأ مكانة في اللجنة المركزية لحركة فتح، وكذلك هي الحال بالنسبة للدكتور سمير رفاعي مسؤول إقليم سوريا في حركة فتح حيث ثمة احتمال بأن يكون من عداد اللجنة المركزية القادمة للحركة أو مجلسها الثوري على الأقل.

والثابت أنه سيكون لشخصيات في الداخل الفلسطيني الدور القيادي الأبرز في جسم الحركة ومؤسساتها المختلفة، وإذا لم تنجح الحركة في استصدار أدبيات تنظيمية وسياسية مقبولة من جميع أفراد المؤتمر وكذلك من الأطر التي يمثلونها ستشهد الساحة الفتحاوية تشظيات عريضة وبيانات معارضة لتوجهات الحركة السياسية، وقد تصل الأمور إلى حد التخوين لبعض الرموز الفتحاوية في ظل غياب الرمز الجامع لكافة التيارات داخل الحركة، ونقصد هنا الشهيد الراحل ياسر عرفات، الأمر الذي سيعرض الحركة إلى مزيد من التهميش في إطار النظام السياسي الفلسطيني من جهة، ويجعل قدرات الحركة ضعيفة في مواجهة التحديات المحدقة بالقضية الفلسطينية.

فمستقبل الحركة مرهون بنجاح مؤتمرها الذي سيرسم الخطوات السياسية القادمة لها بناء على المتغيرات السياسية التي شهدتها الساحة الفلسطينية وخاصة بعد إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994. وفي هذا السياق سيكون مبدأ الشفافية في الأداء والمحاسبة عن الأخطاء السياسية والتنظيمية ضوابط أساسية لكي تعيد الحركة ألقها الكفاحي والعودة إلى أهداف الرصاصة الأولى التي انطلقت في الفاتح من يناير/كانون الثاني عام 1965.

المصدر : الجزيرة

التعليقات