عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.


أثار تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2008، الذي صدر مؤخراً تحت عنوان "أمن الإنسان في البلدان العربية"، نقاشات واسعة ما يزال صداها يتردد في أوساط المثقفين العرب، لكونه يتناول قضية أمن الإنسان التي تعتبر في أساسها قضية إنسانية -اجتماعية وسياسية- لا يمكن الفصل بينها وبين مختلف قضايا الحريات العامة والفردية، وحقوق الإنسان والمواطنة والديمقراطية والمشاركة السياسية والتداول السلمي للسلطة وسواها، كما تمثل جزءاً جوهرياً من قضايا الوجود الاجتماعي والسياسي للإنسان ضمن واقع تاريخي معيّن.

وعليه، فإن من المهم معرفة الجديد الذي حمله هذا التقرير، وكيفية الإحاطة بمهددات أمن الإنسان العربي وسبل معالجتها.

مسعى التقرير
سعى التقرير إلى تشخيص أبعاد أمن الإنسان في البلدان العربية، واجتهد واضعوه في تقديم رؤية إستراتيجية لمقوماته ومركباته، بوصفه مكوّناً رئيسياً في التنمية البشرية يتكامل مع بناء مجتمع المواطنة والحقوق والواجبات، ذلك أن أمان الإنسان العربي شرط التنمية، ولن تكون هناك تنمية إذا لم يتحقق هذا الأمان في وجه التحديات الداخلية والخارجية.

ولا شك في أن أمن الإنسان العربي يشكل مجالاً لتلاقي وتفاعل جملة من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تتراكب معاً في صورة معقدة وإشكالية، الأمر الذي يتطلب من الباحث تحليلاً واسعاً ومعمقاً للعديد من مركبات ومكونات وتقاليد المجتمعات العربية.

وقد تطرق التقرير إلى ما يتعرض له السواد الأعظم من الناس في العالم العربي من انتهاكات وتجاوزات تطال الحريات الفردية، كالاعتقال التعسفي والتعذيب في أقبية أجهزة الأمن والاحتجاز غير القانوني في غالبية البلدان العربية، لكنه اكتفى بذكرها من دون الإشارة إلى المخارج والحلول. كما ذكر أن المنطقة العربية تنفرد بوجود نصف اللاجئين على الأرض، فضلاً عن ارتفاع نسبة الأمية والفقر وغيرهما.

"
أمن الإنسان العربي يشكل مجالاً لتلاقي وتفاعل جملة من العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تتراكب معاً في صورة معقدة وإشكالية, مما يتطلب تحليلاً واسعاً ومعمقاً للعديد من مكونات المجتمعات العربية
"
مفهوم الأمن الإنساني
عرّف التقرير أمن الإنسان بأنه "تحرر الإنسان من التهديدات الشديدة، والمنتشرة والممتدة زمنياً والواسعة النطاق التي تتعرض لها حياته وحريته". ورغم التنوع في تعريفات أمن الإنسان فإن نقطة الارتكاز المشتركة في ما بينها هي الفرد، لا الدولة. لكن المنطلق في هذا التعريف هو التحليل المعروف لمفهوم أمن الإنسان الذي طرحه تقرير التنمية البشرية الصادر عام 1994 عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مع الوعد بالأخذ في الاعتبار الظروف الراهنة في البلدان العربية.

غير أن هذا التعريف يجنح إلى تعميم شديد واسع وغامض، وغير متفق عليه ولا ينال إجماعا في أوساط المثقفين العرب، فضلاً عن أن التقرير ذاته لم يتقيد به عند تناوله القضايا العربية الملحة والتحديات الكثيرة التي تواجه أمن الإنسان العربي، خصوصاً عند التطرق إلى المخاطر والتهديدات وتحديد طبيعتها وأولوياتها.

إن من المهم كشف مركبات وإمكانات مفهوم "الأمن الإنساني"، وعدم اقتصاره على "أمن الإنسان الفرد في التحرر من الحاجة والتحرر من الخوف"، بغية توسيعه وأقلمته في التربة الثقافية العربية، ونقل قضية الأمن من حيز الدولة، وخاصة الدولة التسلطية العربية التي جعلت مفهوم الأمن حجر الأساس في الحفاظ على استمرارية وبقاء أنظمتها القمعية، فأنشأت أجهزة أمنية عديدة كي تواجه أي معارضة داخلية، وحولت الأمن إلى سلاح لملاحقة وضرب أي حركة ساعية للتغيير السياسي.

كما أنه من المهم أيضاً نقل مفهوم الأمن من مجال الحروب والتهديدات والمواجهات العسكرية إلى فضاء أرحب، يتسع لتشكيل صرح أو مقام تنتظم عليه رؤية فكرية جديدة تختلف عن تلك التي نهض عليها مفهوم "الأمن الجماعي" الذي وضعه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، وجعلوه منطلقاً لميثاق الأمم المتحدة، وأساساً لتوازنات الحرب الباردة بين القوتين العظميين، فاعتبروا أن السلم الدولي يقتصر على أمن الدول من أي عدوان أو غزو يمكن أن تشنه دولة على دولة أخرى.

وعلى هذا الأساس انبثق مجلس الأمن الدولي بوصفه جهازاً يتمتع بصلاحيات كافية لوقف أي عدوان أو تهديد، لكن هذا المجلس عرف تعطيلاً كبيراً في عمله نظراً للانقسام الدولي الذي عرفته فترة الحرب الباردة.

رؤية التقرير
استند التقرير -نظريا على الأقل- إلى رؤية تطمح إلى نزع الأولوية عن الدولة والجماعة الوطنية، وإعطاء الاهتمام للجماعات الإثنية والدينية والمحلية، مع تغليب الإنسان الفرد على الجماعة -سواء كانت وطنية أم ما دون وطنية- من منطلق اعتبار أن أمن الإنسان "نتاج من نتاجات الخطاب التعددي الديمقراطي الذي يتصل بدوره اتصالاً وثيقاً بتطبيق الحريات المرتبطة بالسوق في ميدان الحريات السياسية"، حسبما ورد في التقرير.

ولا اعتراض لدينا على أن يكون أمن الإنسان خطاباً تعددياً ديمقراطياً، لكن ربطه بشكل وثيق بتطبيق الحريات المرتبطة بالسوق أمرٌ يثير الشك والريبة، كونه ينحاز إلى أفكار وسياسات وممارسات معينة تتصل بسياسات الدول المهيمنة على السوق وعلى هيئات "المجتمع الدولي"، وبسلطات الاستبداد العربي الملحقة بالسوق الدولية.

ويظهر ذلك من خلال تحديد التحديات الخارجية التي أعقبت الحرب الباردة، حيث قلبت الأولويات بشكل مقصود، وتصدرها التلوّث البيئي، ثم الإرهاب الدولي، والتنقلات السكانية، وتفشي الأوبئة، والاتجار بالبشر، وبعدها يأتي الفقر والبطالة والحروب الأهلية والنزاعات الطائفية والإثنية، وأخيراً قمع الدولة.

"
 أمن الإنسان لم يعد مهدداً فقط بالحروب والاعتداءات، بل هناك المجاعة والفقر وتلوث البيئة والأوبئة والأمراض وتغيرات المناخ والجريمة المنظمة, كما أن هناك الاغتيالات السياسية والسجون والمعتقلات والتعذيب والقمع والملاحقات والفساد
"
وبالتالي، فإن من العجب "أن يتحول الاهتمام من حماية سلامة الدولة إلى حماية أرواح المواطنين القاطنين على أراضيها، ومن هذا التحوّل ينبثق مفهوم أمن الإنسان" حسبما جاء في التقرير، لأن أمن الإنسان مسؤولية جماعية يجب على النظام العالمي أن ينهض بها، أي أن يُؤخذ بشموليته، بمعنى أن كل ما يشكل خطراً وتهديداً لأمن الإنسان في أي مكان من العالم يجب اعتباره تهديداً لأمن الإنسانية، وليس هناك في هذا العالم من هو قادر على منع التهديدات والاعتداءات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية التي تسبب كوارث ومآسي وتوقع ضحايا كثيرين في عالم اليوم، خصوصاً أن أمن الإنسان لم يعد مهدداً فقط بالحروب والاعتداءات، بل هناك المجاعة والفقر اللذان يحصدان أرواح ملايين البشر سنوياً، وهناك التلوث البيئي والأوبئة والأمراض والتغيرات المناخية والجريمة المنظمة وسواها، كما أن هناك الاغتيالات السياسية والسجون والمعتقلات والتعذيب والقمع والملاحقات والفساد وتكميم الأفواه المعارضة.

أبعاد الأمن الإنساني
استند التقرير في استعراضه لأبعاد أمن الإنسان إلى تلك المتعارف عليها عالميًّا، وحدّدها تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 1994، لتشمل سبعة أبعاد هي: الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي والبيئي والشخصي والسياسي والاجتماعي.

وعليه تطرّق التقرير إلى تهديداتٍ محددة تواجه أمن الإنسان في البلدان العربية. ومن جملة الأبعاد التي تشملها هذه التهديدات الاحتلال الأجنبي، وتدخلات الدول الإقليمية والأجنبية، والعنف الناجم عن الاستنفار الذي يستنهض هوياتٍ راسخة في التاريخ، وممارسات الدولة القمعية التي تقوّض دعائم أمن الإنسان.

ويُرجع التقرير كيفية وأولوية تناول هذه التهديدات إلى الإطار الإقليمي الذي يتناوله، حيث يسلّط الضوء في المقام الأول على مجالات التهديد الوشيكة التي تستطيع البلدان العربية أساسا أن تأخذ فيها زمام المبادرة بنفسها، وتشمل ما يواجهه الناس من تهديدات ناجمة عن الأضرار التي تصيب قاعدة الموارد الطبيعية، وتلك التي تنشأ في الأصل مع نشوء الدولة أو تقوّض أسسها، بما فيها صراع الجماعات المتنافسة على النفوذ والموارد، وتلك التي تؤثر بصورة غير متناسبة في الفئات المستضعفة.

كما تشمل التهديدات الوشيكة مخاطر الضعف الاقتصادي، والبطالة، والافتقار إلى الحماية الاجتماعية، والظروف الاقتصادية الأخرى، وتشمل أيضاً تلك التي تكون نتيجةً لمستويات غير كافية من التغذية والصحة.

ويرى التقرير أن مثل هذه التهديدات تقع بشكل رئيسي في نطاق قدرة البلدان العربية نفسها على الاستجابة، وإن كان لبعضها تقاطعات وتداعيات عالمية مهمة بالنسبة إلى المجتمع الدولي. غير أنه أرجع -وبشكل يدعو للتساؤل والريبة- إلى الفصل الأخير مصدر الخطر الرئيسي الذي يتهدد أمن الإنسان، وهو الاحتلال الأجنبي للأراضي العربية، حيث يعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية مصدر معظم الحروب والأزمات والصراعات في المنطقة العربية منذ قيام الدولة العبرية وحتى يومنا هذا.

ويتناول التقرير بالدراسة والتحليل هذه الجملة من التحديات، والتي يغلب على قسم منها الطابع التقني والفني، من حيث إنها لا تثير إشكالات سياسية إلا بشكل عرضي، وقسم آخر مختلف عليه في الجدل السياسي والفكري عربياً وعالمياً.

ورغم حرص التقرير على توخي الموضوعية فإنه يتبنى في بعض الحالات مقولات واصطلاحات تشي بالانحياز، مثل وصفه المقاومةَ العراقيةَ "بالمليشيات". كما أنه يتخذ -بخصوص الوضع العراقي والفلسطيني- مواقف سياسية واضحة ومباشرة تنضح بما تمليه السياسة الأميركية الرسمية، حيث يتحدث عن الحل المنشود بالعمل على "إزالة الشكوك والاستفزاز والعداء بين الطرفين"، وكأنّ الصراع الطويل من دولة الاحتلال الاستيطاني ينتهي عندما تتوقف أعمال "الاستفزاز والعداء"، فضلاً عن المغالطة الكبيرة عند اختزال الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع فلسطيني إسرائيلي.

"
رغم أن الإنسان العربي لا يحتاج إلى تقرير التنمية الإنسانية العربية كي يدرك أنه يعيش مشكلات داخلية حقيقية، فإن التقرير يقدم وثيقة هامة تسلط مزيدا من الضوء على سوء الوضع العربي بكل تفاصيله
"
في جانب الإشكاليات الداخلية نجح التقرير في التطرق إلى معظمها بدقة، حيث وجه إدانة واضحة لممارسات الأنظمة السياسية وأجهزتها الأمنية التي صادرت مؤسسات الدولة، إذ تشير جميع المؤشرات إلى تجاوز قدرة الإنسان العربي على التحمل، سواء تعلق الأمر بالنمو الاقتصادي والتكافؤ الاجتماعي والبطالة والفقر والتعليم، أم بالمشاركة السياسية والمطالب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

فضلاً عن أن نسبة البطالة في البلدان العربية تجاوزت 14%, والتنمية المستدامة المطلوبة محكومة بمستقبل قاتم، إلى جانب انعدام أية آفاق لتعاون اقتصادي وتقني وعلمي ملموس بين مختلف البلدان العربية.

وعليه ليس مستغرباً أن تختفي معاني الحكم السياسي المدني ومفاهيمه، لتحل محلها العصبويات الشخصية والعائلية والفئوية والطائفية، لأن جوهر المشكلة يكمن في فشل وإخفاق الأنظمة التي قادت البلدان العربية، رافعة راية التحرر والتنمية وبناء مستقبل أفضل، وبات التغيير المعبّر الأوحد عن سد الفراغ الفكري والسياسي والرمزي الذي خلفه هذا الفشل، وبوصفه الطريق المفضي إلى إخراج المجتمعات من حالة انسداد الآفاق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي دخلت فيها، والمفضي كذلك إلى تحقيق آمال الإنسان في البلدان العربية.

وإن كان الإنسان العربي ليس بحاجة إلى تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2008 كي يدرك أنه يعيش مشكلات داخلية حقيقية لا تقل أهمية عن المشكلة الخارجية، فإن التقرير يقدم وثيقة هامة -بصرف النظر عن التحفظات أو الاعتراضات على بعض ما جاء فيها- من شأنها تسليط المزيد من الضوء على سوء الوضع العربي بجميع تفاصيله، وفي كافة المجالات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك