علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


استيلاد شطحات من اللوثات الفكرية 
تيارات التكفير في فلسطين ومحدودية الانتشار
بيان القاعدة الأول في فلسطين
اشتقاقات القاعدة في قطاع غزة
جند أنصار الله والمآل المأساوي

أثارت الأحداث الدموية المؤسفة التي وقعت يومي الجمعة والسبت الرابع عشر والخامس عشر من أغسطس/آب الجاري في منطقة رفح جنوب قطاع غزة، العديد من التساؤلات المتعلقة بشأن المجموعات التكفيرية في الساحة الفلسطينية بشكل عام، وفي قطاع غزة على وجه الخصوص.

فقد شكلت النتائج التي تمخضت عن الخطوة التي أعلنها عبد اللطيف موسى المكنى بأبي النور المقدسي زعيم الجماعة التي تطلق على نفسها اسم (جند أنصار الله) خلال خطبة الجمعة والتي حدد فيها "قيام إمارة إسلامية" في قطاع غزة انطلاقاً من رفح، كارثة حقيقية على الفلسطينيين في مناطق جنوب القطاع بكل ما للكلمة من معنى، حيث سكب الدم الفلسطيني البريء في غير مكانه، واختلطت الأوراق من جديد في وقت يعاني ويكابد فيه الشعب الفلسطيني على أرض قطاع غزة ويلات الاحتلال والحصار وتداعيات الانقسام الفلسطيني المدمر.

فأين الفلسطينيون من المجموعات التكفيرية إياها، وهل نستطيع القول بأن منظمة القاعدة استطاعت أن تدق أرجلها فوق الأرض الفلسطينية كما تشيع الدولة العبرية الصهيونية في سياق الحملة التي تقودها لمواجهة ما تطلق عليه مجموعات (فوبيا الإسلام) التي تضم من الوجهة الإسرائيلية جميع القوى المقاومة وفي مقدمتها حركة حماس. ولتوضيح حقيقة الأمور نورد التالي:

استيلاد شطحات من اللوثات الفكرية
في البداية يمكن القول وبكل تأكيد وثقة، بأن حضور ظواهر التطرف التكفيري في إطارات تنظيمية محددة كتنظيم القاعدة أو غيره في فلسطين عموماً وفي تجمعات الشتات الفلسطيني ما زالت متواضعة ومحدودة جداً، وتتركز بشكل خاص في قطاع غزة ومخيمات لبنان، أكثر من ما في الضفة الغربية أو مخيمات الفلسطينيين وتجمعاتهم في سوريا والأردن، نظراً لخصوصية الأوضاع الفلسطينية في قطاع غزة ومخيمات لبنان، التي تشكل تربة خصبة للمنابت التكفيرية، حيث المعاناة والفاقة الشديدة، والظروف القاسية، المعيشية والحياتية، وانتشار البطالة، وتراجع دور القوى والأحزاب والقوى الفلسطينية، وتراجع خدماتها، ومعها خدمات وكالة أونروا بجوانبها الصحية والتعليمية وخدمات الإغاثة الاجتماعية.

"
المجموعات المتطرفة التي شقت طريقها في قطاع غزة ومخيمات لبنان على حد سواء ترى المجتمع فاسداً، وتدعو لتغيير طبيعته باستخدام مختلف الوسائل بما فيها العنف، عبر ممارسة بعض الأعمال واستيلاد شطحات من اللوثات الفكرية المدمرة
"
فظواهر التطرف تتغذى من نسق الظروف البيئية المحيطة كالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، والتي قد تدفع الشباب للولوج في هذا الفكر المتشدد إن كان يرفع راية إسلامية أو راية يسارية غارقة في التطرف. إضافة إلى إسهام ظروف القمع والكبت ومصادرة الحريات من المجتمع المحيط بالشباب في تنامي الظاهرة التكفيرية، الأمر الذي يولد قابلية متزايدة لدى بعض الشباب لتبني الفكر المتطرف أياً كان مصدره الأيديولوجي.

وعليه، فإن الظروف إياها تمنح روح التطرف جرعات قوية ليس فقط عند مجموعات إسلامية بل عند عموم المشارب الفكرية بما فيها بعض ألوان التيارات الفكرية اليسارية التي نشطت في العقدين الماضيين في الساحة الفلسطينية في مخيمات لبنان، ونفذت في حينها بعض الأعمال المتطرفة كاختطاف الرهائن.

ومن هنا، وفي فلسفة المجموعات المتطرفة التي شقت طريقها في قطاع غزة ومخيمات لبنان على حد سواء ترى المجتمع فاسداً، وتدعو لتغيير طبيعته باستخدام مختلف الوسائل بما فيها العنف، عبر ممارسة بعض الأعمال واستيلاد شطحات من اللوثات الفكرية المدمرة.

تيارات التكفير في فلسطين ومحدودية الانتشار
وبناء عليه، يخطئ من يعتقد بأن الساحة الفلسطينية بعيدة عن تأثيرات تيارات التكفير والتطرف التي بدأ نجمها يسطع في المنطقة والعالم بعد سلسلة من الانتكاسات والانهيارات الهائلة التي أصابت مسارات العمل السياسي الذي قادته فصائل التيار اليساري والتيار القومي بشكل عام، حيث نشأت المجموعات التكفيرية على امتداد الساحات الإسلامية ومنها البلاد العربية وفلسطين في بيئة رخوة ضمن واقع مأزوم من سماته الإحباط العام الذي يولد التطرف ويدفع فتية ومجموعات لانتهاج طريق التطرف والتكفير.

وفي الواقع العملي، فقد بدأت الجماعات السلفية الفلسطينية عملها في قطاع غزة في السنوات الأولى من ثمانينيات القرن الماضي على أيدي طلبة فلسطينيين درسوا في الجامعات العربية خصوصاً المصرية منها، وعندما عادوا إلى غزة، اختاروا مواصلة الدعوة التي حملوها من علماء شريعة، التفوا حولهم وتأثروا بهم، وآمنوا بالنهج السلفي طريقاً لإعادة الناس إلى ما يصفونه بـ"طريق الإسلام القويم"، بينما تواتر ظهور أفراد منهم من العائدين إلى فلسطين أو إلى المخيمات الفلسطينية في الأردن على وجه التحديد على شكل تجمعات أطلقت على نفسها أسماء متعددة، منها (كتائب التوحيد)، و(الجماعة السلفية)، و(كتائب سيوف الحق الإسلامية)، و(جيش الأمة)، و(أنصار السنة) و(كتائب التوحيد والجهاد) التي نشطت في أعمال قالت إنها تصب في خدمة الشريعة، وتهيئ أسباب الجهاد.

وزاد من حضور المجموعات التكفيرية في المجتمع الفلسطيني الأوضاع الخاصة التي يعيشها الفلسطينيون في لبنان، وفي مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا على وجه التحديد، حيث وفدت إليه مجموعات تكفيرية غير فلسطينية أيضاً حملت أسماء وعناوين مختلفة من جند الشام إلى فتح الإسلام إلى عصبة النور إلى عصبة الأنصار، إلى أنصار الله، إلى جند الله، إلى سرايا خطاب. ليتحول المخيم إلى حاضنة لبعض منها، علماً أن بعض المجموعات المشار إليها نشأت بعد الخروج الفلسطيني المسلح من بيروت عام 1982.

إلا أن انتشار المجموعات التكفيرية في المجتمع الفلسطيني في الداخل والشتات، بقي محدوداً بشكل عام، لأسباب مختلفة. فالأجواء الفلسطينية عامة لا تساعد على نمو وانتشار الظواهر ذات التطرف، حيث الفلسطينيون ليسوا بحاجة لنماذج مستوردة، ولوصفات قادمة من الخارج، بالرغم من أن البيئة الفلسطينية في الداخل والظروف القاسية تحت الاحتلال والحصار والفاقة، خصوصاً في قطاع غزة ومخيمات اللجوء الفلسطيني في لبنان، قد تساعد على نمو اتجاهات التطرف.

لكن الاتجاهات إياها اصطدمت حقيقة بخصوصية الوضع الفلسطيني المثقل بالتجارب والآلام، والمشبع بالتعددية، والطامح نحو الديمقراطية الداخلية في سياق المشروع الوطني الفلسطيني المتواصل منذ عقود طويلة من الزمن، وخصوصاً في ظل وجود ورساخة مكانة الإسلام الوسطي المعتدل ممثلاً بحركتي حماس والجهاد الإسلامي.

بيان القاعدة الأول في فلسطين

"
ظهر الإعلان الأول عن تشكيل مجموعات للقاعدة في فلسطين في قطاع غزة عبر بيان جماهيري وزع منتصف العام 2005 وجرى عبره الإعلان الرسمي عن وصول القاعدة إلى فلسطين، وتحديداً إلى قطاع غزة
"
في هذا السياق، أثارت بعض البيانات المذيلة بتوقيع تنظيم القاعدة في فلسطين، والتي جرى توزيعها بشكل محدود في قطاع غزة منذ أعوام ثلاثة مضت، مجموعة من التساؤلات عن مدى الحديث الجدي عن وجود تنظيم للقاعدة في فلسطين كما كانت وما زالت تروج المصادر الأمنية الإسرائيلية.

وما ساعد على الحديث عن وجود القاعدة في فلسطين التطور العنكبوتي في انتشارها في بعض البلدان العربية كالعراق وبلدان الخليج وشمال أفريقيا. وفي حقيقة الأمر، إن خصوصية الساحة الفلسطينية وفرادتها قد أفرز معطيات غير شبيهة بالمعطيات التي وفرت التربة المناسبة لانتشار خيوط التنظيم القاعدي في العديد من البلدان، حيث بات الإسلام الوسطي المعتدل ممثلاً بحركتي حماس والجهاد الإسلامي، جزءاً من المعادلة السياسية والكفاحية الفلسطينية في إطارات العمل الوطني الفلسطيني، وفي الشارع الشعبي عموماً.

وفي الواقع العملي، ظهر الإعلان الأول عن تشكيل مجموعات للقاعدة في فلسطين في قطاع غزة عبر بيان جماهيري وزع منتصف العام 2005 وجرى عبره الإعلان الرسمي عن وصول القاعدة إلى فلسطين، وتحديداً إلى قطاع غزة، عبر نشرة موقعة من (منظمة قاعدة الجهاد في فلسطين)، وقد وزعت النشرة على مدى بضعة أيام، بكميات مقلصة، في محيط المساجد في غزة وفي خان يونس. وكانت سلطات الاحتلال في الفترة ذاتها قد أعلنت عن اعتقال خلية للقاعدة في الضفة الغربية تضم عضوين من مخيم بلاطة هما: عزام أبو العدس، وبلال حفناوي.

وتلى توزيع النشرة السابقة، توزيع بيان في مناطق من قطاع غزة، يعلن عن تأسيس مجموعة عسكرية تابعة مباشرة للقاعدة تأتمر بأمرها وذلك في الثامن من مايو/أيار 2006، ولم يتم التعاطي معه بجدية واهتمام. وظهر الإعلان الثاني عن وجود مجموعات من القاعدة في فلسطين في الثاني من أغسطس/آب 2007، من خلال بيان عمليات عسكري تحدث عن قيام مجموعة من مقاتلي تنظيم القاعدة في فلسطين بقصف مستعمرتي نافية دكاليم، وجاني طال اللتين كانتا مقامتين في قطاع غزة قبل تفكيك مستعمرات القطاع والانسحاب الإسرائيلي منها.

وفي حينها تلى ذلك بيانٌ آخر عن تنظيم القاعدة في فلسطين يتضمن المسؤولية عن محاولة اغتيال رئيس المخابرات الفلسطينية طارق أبو رجب شنيورة، ومن بعدها صمت صوت الجهة المذكورة المشار إليها، لتعود بعض البيانات في التوارد تحت عناوين ثانية أعلنت انحياز أصحابها لتنظيم القاعدة.

اشتقاقات القاعدة في قطاع غزة
ولكن، وبعد ذلك، اتضح بأن اشتقاقات ثانية أخذت على عاتقها استيراد وتبني مواقف ورؤية تنظيم القاعدة، حيث أعلن تنظيم أصولي فلسطيني يحمل اسم "ألوية الجهاد المقدس" عن نفسه في قطاع غزة، في أغسطس/آب 2006، ولم يكن معروفاً من قبل، حيث أعلن مسؤوليته عن القيام ببعض الأعمال المتطرفة إلى جانب (منظمة قاعدة الجهاد في فلسطين) كاختطاف اثنين من الصحفيين العاملين في قناة فوكس نيوز التلفزيونية، هما مراسل فوكس نيوز ستيف سينتاني والمصور أولاف ويج من مدينة غزة يوم 14 أغسطس/آب 2006، أحدهما يحمل الجنسية الأميركية والآخر يحمل الجنسية النيوزيلندية. وطالب مقابل الإفراج عنهم، الولايات المتحدة بالإفراج عن سجناء مسلمين. إلى أن قامت الجماعة نفسها بإطلاق سراح الصحفيين صباح يوم 27/8/2006.

وظهر في الوقت نفسه تنظيم "جيش الإسلام" وهو مجموعة تكفيرية متطرفة أعلنت عن نفسها في قطاع غزة بدايات العام 2006، وطغى عليها الطابع العائلي، فقد ضمت بشكل رئيسي شبانا من عائلة دغمش من ذوي الميول السلفية العالمية، بقيادة ممتاز دغمش الذي كان قد فصل من حركة فتح فالتحق بحماس ثم ما لبث أن فصل منها ليلتحق بألوية الناصر صلاح الدين التي غادرها بعد حين ليؤسس مجموعة جيش الإسلام، ولكن مصير المجموعة المذكورة انتهى بعد أن تم تفكيكها من قبل أجهزة أمن السلطة في القطاع بعد قيامها بالعديد من التجاوزات.

جند أنصار الله والمآل المأساوي

"
أجواء ومناخات الانقسام الفلسطيني، واستمرار حالة المراوحة بالمكان، واستمرار معاناة الناس وحصارهم، تشكل عوامل إضافية تسهم في ولادة المجموعات المتطرفة ذات المنابت الأيديولوجية المختلفة
"
أما بالنسبة للمجموعة الأخيرة التي أطلقت على نفسها اسم (جند أنصار الله) فقد ظهرت خلال العام 2007 في منطقة رفح جنوب قطاع غزة، وأعلنت عن وجودها بالساحة الفلسطينية وتحديداً في غزة منذ بضعة أشهر بعد سقوط ثلاثة من أعضائها في هجوم شمال القطاع استهدف قاعدة للجيش الإسرائيلي، وكان عشرة مقاتلين من الجماعة قد امتطوا ظهور الخيول حاملين أسلحة وقذائف هاون، في محاولة منهم لقتل وأسر إسرائيليين، لكن (غزوة البلاغ) كما أطلقوا عليها أُحبطت بسبب انكشاف المنطقة التي تم فيها الاقتحام، وعدم التخطيط الجيد.

واعتمدت في إعلان ذاتها وهويتها بشكل أساسي على أشخاص نشطوا في السابق بالحركة السلفية وضمن بعض الفصائل الوطنية والإسلامية الفلسطينية، وقدمت نفسها باعتبارها تتبنى السلفية الجهادية، وفي تبنيها فكر القاعدة.

وكما أوضحت عبر خطابات أميرها في مسجد ابن تيمية في رفح جنوب قطاع غزة، فإنها لا تؤمن بالعمل السياسي طالما أن فلسطين تعيش تحت الاحتلال. واعتبر أميرها الشيخ عبد اللطيف موسى أن "ظهور مجموعته جاء كردة فعل رافضة للنهج السياسي الذي خطته حماس لنفسها خاصة، من حيث حديثها المتكرر عن الديمقراطية ومشاركتها إلى جانب الكفرة من السلطة الفلسطينية في انتخابات العام 2006 التشريعية، وعدم تطبيقها الأحكام الإسلامية، وقبولها بهدنة مع الاحتلال، وسعيها للتواصل والحوار مع الغرب، واستقبالها قادة غربيين على رأسهم توني بلير وجيمي كارتر" قائلا: "يا حكومة حماس ممن تخشون من أميركا، من بريطانيا، من فرنسا، من الاتحاد الأوروبي. فالله أحق أن تخشوه".

وقبل أن تقع لحظات الحسم الأخيرة التي انتهت بسقوط (22) شخصاً من بينهم أمير المجموعة، كان قد جرى أول احتكاك بين أجهزة السلطة والمجموعة في أعقاب انفجار استهدف حفل زفاف في خان يونس، أعلنت إثره "أنصار جند الله" أن مسلحي "حماس" حاصروا عددًا من أعضائها بتهمة الضلوع بالتفجير الذي نفت علاقتها به.

أخيراً، ومهما يكن من أمر أي مجموعة تكفيرية، فإن أجواء ومناخات الانقسام الفلسطيني، واستمرار حالة المراوحة بالمكان، واستمرار معاناة الناس وحصارهم، تشكل عوامل إضافية تسهم في ولادة المجموعات المتطرفة ذات المنابت الأيديولوجية المختلفة، الأمر الذي يستدعي من الجميع العمل الجاد والحقيقي من أجل تجاوز الانقسام الداخلي والعودة لبناء الوحدة الوطنية الفلسطينية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك