منير شفيق

منير شفيق


كون المؤتمر السادس لفتح قد عقد وانتخب اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وشارك فيه 2350 عضواً لا يعني أنه أصبح شرعياً. فالأسباب التي كانت تقضي باعتباره غير شرعي ما زالت قائمة، وبعضها تعزّز أكثر، وأُضيفت أسباب أخرى مثل إدخال حوالي 800 عضو دفعة واحدة، ودون تمحيص من اللجنة التحضيرية التي كان محمود عباس قد حلّها، أو مثل الطريقة التي أدير فيها المؤتمر، وكيفية إجراء المناقشات فيه، أو إجراء الانتخابات وفرز الأصوات.

إن انعقاد المؤتمر تحت الاحتلال، وبالتفاهم مع حكومة نتنياهو، ثم انعقاده تحت إشراف قوات الأمن الفلسطينية التي بناها الجنرال كيث دايتون وراحت تطبِّق الاتفاق الأمني الأميركي الإسرائيلي الفلسطيني بأعلى درجات الحماسة والطاعة لدايتون لا يسمحان باعتباره شرعياً، أو عدم مطاردته بالشكوك من حيث الكثير من نتائجه الخاصة بأعضاء وصلوا إلى اللجنة المركزية والمجلس الثوري.

 

"
سيظل المؤتمر السادس لحركة فتح محطّ طعن من زاوية شرعية انعقاده، وما ارتكب من مخالفات خارجة عن نظام فتح الداخلي وتقاليدها
"

هذا ومن دون تعداد المخالفات التي صاحبت انعقاده وفرضته في بيت لحم إذ يكفي ملاحظة حل اللجنة التحضيرية من قبَِل قرار فردي أصدره محمود عباس، أو قرار فرض انعقاده في بيت لحم وتحديد موعده. مما دفع بالكثيرين من الذين شاركوا أن يرضخوا اضطراراً، بالرغم من احتجاجهم السابق على ذلك واعتباره غير شرعي.

 

ثم هنالك مجموعة من المخالفات الفردية ذات الدلالة، وإن لم يكن حجمها كبيراً، مثلاً ما حصل من تجاهل لمشاركة عضو اللجنة المركزية محمد جهاد وعضو المجلس الثوري غازي الحسيني، ودعك من خطورة تخطي فاروق القدومي الذي كان ترتيبه الثالث في تقاليد حركة فتح بعد ياسر عرفات وخليل الوزير.

 

وبكلمة، سيظل المؤتمر السادس لحركة فتح محطّ طعن من زاوية شرعية انعقاده، وما ارتكب من مخالفات خارجة عن نظام فتح الداخلي وتقاليدها.


أما أول ما يجب أن يسجّل من مخالفات تطعن في شرعية المؤتمر السادس في أثناء انعقاده في بيت لحم فتبدأ بإضافة 800 عضو أغلبيتهم الساحقة من عناصر الأجهزة الأمنية أو المحسوبين على أطراف متفاهمة مع محمود عباس، أو القريبة من خطه.

 

وهؤلاء لعبوا دوراً حاسماً في تغطية ما أُعلن من نتائج الانتخابات، أو في توجيه الشغب والتصفيق داخل جلسات المؤتمر بما في ذلك عند طرح اسم محمود عباس "قائداً عاماً" لفتح، أو "رئيساً لها، حيث فرضوا عملياً التصفيق والوقوف وعدم مناقشة القرار أو السماح بالاعتراض عليه. فبالتأكيد كان هنالك من يعترض عليه شكلاً ومضموناً.

 

فمن ناحية الشكل جاء طلب انتخابه، بالطريقة المفاجئة للمؤتمر وتمّ تمرير القرار بأسلوب غوغائي، والأهم، من دون أن يكون لهذا الموقع بند، أو فصل، يغطيه في النظام الداخلي لفتح. لأن الإجراء الصحيح كان يوجب أن يناقش أولاً مبدأ استحداث هذا الموقع في النظام الداخلي مما يقتضي نقاشاً سابقاً له لأنه مخالف لما قامت عليه فتح من حيث تساوي أعضاء لجنتها المركزية وتمسّكها بالقيادة الجماعية. ثم كان يتوجّب أن تحدّد صلاحيات الموقع المذكور مقابل صلاحيات اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وإلاّ تُرك الأمر لمحمود عباس أن يستبدّ باللجنة المركزية والمجلس الثوري، وهو ما سيفعله بالتأكيد، وقد فعله في السنوات الخمس الماضية ولا سيما حين فرض عقد المؤتمر في بيت لحم، وهو بلا صلاحية.

 

ولهذا إن أخطر ما فعله المؤتمر العتيد، والخليط الهجين، والمسلوب الإرادة، هو انتخاب محمود عباس قائداً لفتح ليس من الزوايا الشكلية والقانونية فحسب وإنما أيضاً، وهذا الحاسم، من زاوية جرّ فتح لتبني خطه السياسي وإخضاعها لقيادة فريقه المؤلفة تشكيلتها من خارج فتح ومن داخلها، مثلاً سيصبح ياسر عبد ربه مؤثراً في قرارات فتح من خلال الرئيس أكثر من لجنتها المركزية والمجلس الثوري. ومثلاً أيضاً من خلال اتخاذ القرارات وتحديد السياسات في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (المنتهية الصلاحية وغير الشرعية) كما فعل خلال الخمس سنوات الماضية ولا سيما خلال السنتين الأخيرتين.

 

"
أخطر ما فعله المؤتمر العتيد، والخليط الهجين، والمسلوب الإرادة، هو انتخاب محمود عباس قائداً لفتح ليس من الزوايا الشكلية والقانونية فحسب, وإنما أيضاً من زاوية جرّ فتح لتبني خطه السياسي
"

والمضحك ما علّقت عليه بعض الصحف أو تناقلته تصريحات أعضاء اللجنة المركزية الجدد حين قيل "إن فتح عاقبت قيادتها على فسادها وفشلها في إدارة السلطة وعملية السلام ومواجهة حركة حماس"، كأنّ ثمة أحداً من قيادة فتح يمكن أن يعاقَب على ذلك غير محمود عباس الذي استفرد في قيادة السلطة والسياسة والإدارة في كل المجالات. ولندع موضوع الفساد جانباً.

 

وبالطبع يمكن لمثل هذا الاستنتاج المقلوب على رأسه أن يمرّ لأن المؤتمر العتيد لم يناقش المسؤول عما حدث خلال المرحلة السابقة خصوصاً السيد محمود عباس الذي هو في المقدّمة بل في الأصل والأساس.

 

وإذا كان هنالك من لوم على القادة الآخرين فيجب أن يتوزع، بقدر عدم معارضتهم بجدّية، للخط الذي فرضه محمود عباس بعد استشهاد ياسر عرفات، ثم هنالك عدد ممن اعتبر نجاحهم عقاباً لقيادة فتح كانوا الأقرب من كل القادة لخط محمود عباس وتنفيذه، سواء أكانوا في أجهزة السلطة، أم المشاركة في الاتفاقية الأمنية أم "عملية السلام" أم مواجهة حركة حماس.

 

ولهذا لا يمكن اعتبار تكريس قيادة عباس وانتخاب اللجنة المركزية قد عبّر عن عقاب لقيادة فتح إلاّ بقدر سماحها أصلاً لعباس أن يُشرعن مخالفاته. بل قبل ذلك حين سكتوا، على تفاوت، حين انبرى محمود عباس وفريقه لتجريد ياسر عرفات من صلاحياته وتحويله إلى "رمز" (شاهد زور) واعتباره فاقد القدرة على القيادة، وهو ما رفع عنه الغطاء الفتحاوي الفلسطيني وشجع وغطى رفع الغطاء العربي فالدولي. الأمر الذي أفسح المجال ولو من دون قصد، أو عن جهل أو بلا وعي أمام شارون لاتخاذ قرار اغتياله وتنفيذه حتى من دون أن يُتهم بذلك من قِبَل عباس وفريقه لاحقاً، كما فعل المؤتمر السادس بعد خمس سنوات.

 

فيا للمؤتمر الذي حيل بينه وبين الدخول في مناقشة دروس التجربة الماضية ومحاسبة المسؤول، أو المسؤولين عن الأخطاء والخطايا والفشل، ليس بحق فتح فحسب وإنما أيضاً بحق الشعب الفلسطيني ابتداء من مرحلة مقاطعة عرفات وعزله وهو في المقاطعة، ومروراً بتسليم الحكومة لسلام فياض وإقالة حكومة الوحدة الوطنية، والأخطر بالنسبة إلى فتح قرار إحالة سبعة آلاف ضابط من أبنائها إلى التقاعد وبعضهم في سن الخامسة والأربعين عاماً، ليُسلّم أمر تشكيل قوات أمن جديدة للجنرال كيث دايتون، وهو ما وجّه ضربة قاسية لفتح نفسها.

 

ثم انتهاء بخط مؤتمر أنابوليس وتنفيذ الاتفاق الأمني ضد المقاومة والمضيّ بمفاوضات سريّة ثنائية مع استمرار الاستيطان وبناء الجدار وتهويد القدس والإعلان عن موافقته على مبدأ تبادل الأراضي وأن تكون القدس الغربية عاصمة لإسرائيل.

 

فهذه الحيلولة دون المناقشة هي التي سمحت للانتخابات إلى جانب التجاوزات بأن تأتي في نتائجها قريبة من الخط الذي قاد حركة فتح والسلطة خلال الخمس سنوات الماضية وليس انقلاباً على القيادة لأن الانقلاب على القيادة ما كان له من معنى غير الإطاحة بعباس، وبعدم نجاح أي من المتعاونين معه. وهو ما ستثبته المرحلة القادمة ولا سيما مع تكريس قيادة عباس لفتح من المؤتمر ليكون فوق اللجنة المركزية.

 

"
مستقبل فتح والوضع الفلسطيني كله سيكون مرهوناً بما سيحدث من تطورات فلسطينية وعربية وإسلامية وعالمية، وليس بما تمخض عنه مؤتمر فتح
"

صحيح أن نتائج الانتخابات حملت إلى اللجنة المركزية قيادات تعتبر غير موافقة على سياسات محمود عباس، وصحيح أن المؤتمر مرّر في مشروع بيانه الذي لم يُقرّ تاركاً لعباس عملياً التصرف به لاحقاً مجموعة من البنود التي تتعارض مع سياساته وممارساته.

 

ولكن ذلك لن يكون بمقدوره أن يُنقذ فتح أو يُصحّح من أوضاعها أو يُعيد لها دورها المقاوم، للاحتلال ما دام محمود عباس قد استفرد بالقيادة من خلال المؤتمر، وما دام عدد من المنتخبين في اللجنة المركزية سيكونون إلى جانبه ثم لا ننسى أن مشكلة فتح كما مشكلة الوضع الفلسطيني بأسره نابعة من حالة الوضع العربي ومن الارتهان والعجز أمام الضغوط الأميركية. الأمر الذي لم يسمح لفتح أن تعقد مؤتمراً من نمط آخر وتخرج بلجنة مركزية وقيادة وخط سياسي من نمط آخر.

 

ومع ذلك، أو لذلك، فإن مستقبل فتح والوضع الفلسطيني كله سيكون مرهوناً بما سيحدث من تطورات فلسطينية وعربية وإسلامية وعالمية، وليس بما تمخض عنه مؤتمر فتح.

 

فالصراعات داخل فتح، كما مستقبل خط محمود عباس، مرهونان بالتطورات التي ستشهدها القضية الفلسطينية والوضع العربي والإسلامي والعالمي خلال المرحلة القادمة، والتي أخذت تفتح أبوابها على أكثر من احتمال، وفي مقدمتها احتمال إسقاط المخططات الأميركية الصهيونية، كما حدث في المرحلة السابقة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك