منصف المرزوقي

منصف المرزوقي

رئيس تونس السابق


قناعة كاتب هذه السطور منذ ربع قرن -والتي لم تزدها الأحداث إلا رسوخا- أن العدوّ الرئيسي والأوّل والأخطر لشعوبنا وأمتنا العربية ليس الصهيونية أو الاستعمار أو الإمبريالية وإنما نظامنا السياسي الاستبدادي المبني على ثلاثية الفساد والتزييف والقمع.

هذا النظام دمّر وسيواصل تدمير الشعوب والأمة نتيجة تضافر آليتين، داخلية وخارجية.

بخصوص الأولى وخلافا لما نظن فإن الشحنة التخريبية للاستبداد ليست مرتبطة بحجم الأموال المنهوبة ولا بعدد الموتى تحت التعذيب والمنفيين في الداخل والمشردين في الخارج، إنما بالتدمير البطيء للأنظمة الاجتماعية الكبرى مثل النظام الاقتصادي والتربوي والإعلامي والعدلي والأمني والثقافي ولا نتحدّث عن نظام القيم.

"
الشحنة التخريبية للاستبداد ليست مرتبطة بحجم الأموال المنهوبة ولا بعدد الموتى تحت التعذيب والمنفيين في الداخل والمشردين في الخارج، إنما بالتدمير البطيء للأنظمة الكبرى في مختلف مجالات الحياة
 "
فبفعل قانون الناس -وهم هنا المسؤولون عن هذه الأنظمة- على دين ملوكهم، وبفعل مبدأ الولاء قبل الكفاءة، وبحكم غياب التقييم الناتج عن غياب الحرية في كل المستويات، تدخل كل هذه الأنظمة الضرورية للمجتمع في حالة لا فعالية وعجز وتراكم المشاكل ثم التفسخ، والنتيجة ما تصفه منذ سنوات تقارير الأمم المتحدة من تخلفنا المشين.

الآلية الخارجية منع أي تقارب حقيقي لأن الدكتاتوريات عاجزة عن إيجاد أي شكل من التناسق، فما بالك بقيام الاتحاد العربي وهو أملنا الوحيد في أن تلعب الأمة دورا سياسيا ما في عالم العمالقة الذي يتشكل تحت أنظارنا العاجزة .

لهذا يشكل وضع نظام سياسي جديد قضية حياة أو موت بالنسبة لشعوبنا وأمتنا، ولهذا نقول إن الآباء والأجداد لم يحررونا إلا من الاحتلال الخارجي، وإننا نناضل دون وعي منذ نصف قرن لتحقيق الاستقلال الثاني أي الحكم الرشيد، وشكله الحالي هو النظام الديمقراطي الغربي، علما أن فيه جملة من العيوب والنواقص لا بدّ من الانتباه لها حتى نثري التجربة ولا نكرّر أخطاءها.

ومن هذا الباب يتابع الديمقراطيون العرب بمنتهى الاهتمام حالة المخاض الديمقراطي في كل الأقطار ويتابعون باهتمام خاص ما جرى في موريتانيا .

لنلاحظ عرضا أنه ليس من باب الصدفة أن تحدث مثل هذه التجربة الثرية على الأطراف (الفقيرة) للوطن الكبير -فقبلها أي سنة 1996- انطلقت كذلك من الأطراف (الغنية) تجربة الجزيرة التي قلبت كل موازين القوى الإعلامية ومن ثم السياسية. كل هذا لأن المركز وهو مصر، أو الدول التي تدعي التقدم كتونس أو الريادة الثورية كسوريا، مثل بركان خبا ولم يعد قادرا على العطاء. إنها قاعدة في التاريخ أن الحركية إذا توقفت في المركز بحثت لها عن متنفس في الهوامش.

السؤال هو ما الذي تعلمنا إياه التجربة الموريتانية عن تصفية الاستبداد المانع للتقدم والاتحاد، باعتبار أن موريتانيا كانت تجرب لنفسها وأيضا للعرب الذين تابعوا شعوبا وأنظمة بكثير من الأمل أو القلق كل تفاصيل حياتها السياسية المضطربة في الثلاث سنوات الأخيرة.

الدرس الأول هو أنه يمكن التخلص من الاستبداد دون إراقة الدماء ولا حتى دم الدكتاتور وبطانته.

إنه درس على قدر بالغ من الأهمية ويجب مواصلة استبطانه والتمسك به، لأن التحدي داخل التحدي والنجاح داخل النجاح ليس أن ننتقل للحكم الرشيد فقط وإنما أن ننتقل إليه بصفة سلمية أي بأقل تكلفة من الدماء والدموع. لذلك لا بدّ من تشجيع وحث كل الوطنيين الغيورين على شعوبهم وأمتهم من التحرّك من داخل أجهزة الدولة على النهج الموريتاني لوقف مسلسل الانحطاط المريع الذي تقودنا إليه أنظمة باتت عبئا على نفسها وعلى ثلاثمائة مليون عربي.

الدرس الثاني هو هشاشة أي نظام منبثق عن انتخابات حرة ونزيهة لا يحسم في الأجهزة التي كانت دعامة الاستبداد.

إن "غلطة" الرئيس سيدي ولد عبد الله عدم إزاحته من اليوم الأول للجنرال الانقلابي ولكل الطاقم المحيط به واستبدالهم بضباط تعينهم الحكومة الديمقراطية ويدينون لها بالولاء. المفارقة بالطبع أنه لم يكن ذلك ممكنا والأجهزة هي التي قامت بالانقلاب الديمقراطي إن صح التعبير.

هنا يطرح السؤال: أليس من مصلحة الديمقراطيين رفض استلام السلطة في مثل هذه الظروف وهم يعلمون أن مسدس الأجهزة القديمة موضوع فوق الصدغ ولا ينتظر إلا أتفه المبررات. إن أولى خصائص الإصلاحات الديمقراطية نظرا لحجم التركة أنها بطيئة وصعبة ومعقدة ولا تؤتي أكلها إلا بعد سنين وأحيانا بعد عقود.

إذا أضفت لهذا من جهة حجم الآمال المعلقة من قبل شعب نافد الصبر، ومن جهة أخرى تسرب الفساد الذي لا يخلو منه أي نظام، فالحصيلة زخم من المشاكل سيستغلها أي مغامر له سرب من الدبابات للاستيلاء على السلطة. الدرس الواضح هنا هو القدرة على إحداث التغييرات الضرورية خاصة في أجهزة الأمن والجيش لضمان تحييدها سياسيا أو مواصلة النضال إلى أن تتحقق الشروط الضرورية لنقلة ديمقراطية لا تكون فاصلا بين استبدادين.

الدرس الثالث هو الذي أعطتنا إياه "الانتخابات" الأخيرة. فقد خضعت هذه "الانتخابات" لقراءات متعددة يمكن تصنيفها لقراءات النصف الفارغ والنصف الملآن من الكأس. ولأن الردّ على السؤال الشهير هو أن الكأس نصف فارغ وأيضا نصف ملآن، فإن هذا النص سيتبنى دون حرج القراءتين.

بخصوص النصف الفارغ ، نكتشف ما نعرفه من قديم الزمان أنه يمكن لانتخابات محبوكة بذكاء أن تضفي الشرعة على أي انقلاب على الديمقراطية، وأن تحمل لسدّة الحكم ألدّ أعدائها. لكن اللافت للانتباه تطور التقنيات، فخلافا لغباء الاستبداد في تونس أو في مصر والمصرّ على النتائج التسعينية وافتعال مباراة انتخابية بتعيين المنافسين المزيفين وإبعاد المنافسين الحقيقيين وحتى تسمية لجنة "مستقلة" للإشراف على المهزلة، نرى أن الاستبداد في موريتانيا لعب بمهارة فائقة.

"
الاستبداد في موريتانيا لعب الانتخابات بمهارة فائقة, فهو سمح بوجود المنافسين الحقيقيين، وحتى بلجنة مستقلة واستعمل كل وسائل الدولة في الإغراء والتهديد، ولم يعط لنفسه إلا 51% الضرورية للفوز وكأنّ الشعار "لا تفريط ولا إفراط"
"
هو سمح بوجود المنافسين الحقيقيين، وحتى بلجنة مستقلة (استقال رئيسها ولم يكن ذلك صدفة) واستعمل كل وسائل الدولة في الإغراء والتهديد، ولم يعط لنفسه إلا 51% الضرورية للفوز وكأنّ الشعار "لا تفريط ولا إفراط". كل هذا يدلّ على قدرة الاستبداد على التأقلم مع المعطيات الجديدة والخروج من السيناريوهات المبتذلة التي ما زالت تصرّ عليها أنظمة "المركز".

نواجه هنا بقضية فكرية وسياسية بالغة الأهمية ولم تجد لها لليوم حلا ألا وهي ما مدى قدرة الانتخابات حتى الحرة والنزيهة على تأدية وظيفتها.

لا بدّ من فتح قوس كبير للتذكير بأن الديمقراطية –بما هي أحسن ما وجدنا لحد الآن كصيغة للحكم الرشيد– هي عقلية (قبول التعددية العقائدية والسياسية في المجتمع ومعالجة الخلافات الطبيعية بصفة سلمية) وهي تقنيات للحكم مبنية على رباعية حرية الصحافة وحرية التنظم واستقلال القضاء والانتخابات.

قلما ينتبه الناس أننا أمام آليات في خدمة أهداف تتجاوزها ولسنا أمام مقدسات مكتفية بذاتها.

مثلا حرية الصحافة آلية هدفها قدرة تتبع وفضح كل أخطاء أو خطايا أي نوع من السلطات وعلى رأسها الفساد وذلك حتى يمكن التدارك والإصلاح قبل خراب البصرة.

نفس الشيء عن حرية التنظم وهي الآلية الثانية وهدفها تمكين الأفراد من التنظم جماعات والدفاع عن حقوقهم في وجه "بعبع" الدولة الذي لا يحب شيئا قدر مواجهة غبار من الأفراد المعزولين عن بعضهم البعض ومن ثم المتروكين عزّلا أمام جبروته.

أما استقلال القضاء فآلية هدفها إيصال الحقوق لأصحابها ووضع كل الناس سواسية أمام القانون لأن العدل هو أساس السلام المدني.

خذ الآن الانتخابات. إنها آلية هدفها تقييم من يحكم ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب وتنظيم التداول السلمي على السلطة.

ما تظهره بوضوح تجربة الديمقراطية طوال القرنين الماضيين في كل بلدان العالم أنه لا فعالية مطلقة لأي من الآليات الأربعة في تحقيق أهدافها. فتركز الإعلام بين أيادي قليلة أو استعمال ألدّ أعداء الديمقراطية لحق التنظم أو تسييس وتسرب الفساد للقضاء حتى في الدول الديمقراطية العريقة، تحديات خطيرة تضرب الأهداف التي جعلت من أجلها الآليات.

قد تكون آلية الانتخاب أكثر الآليات الأربعة مرضا وهي التي حملت لسدة الحكم النازيين والمحافظين الجدد وأشخاصا مثل برلسكوني في إيطاليا، وبضعة مليونيرات فاسدين في الفلبين وتايلند. ذلك لأنه لا أسهل من خداع الشعوب وتضليلها خاصة إذا وجد المال للإغراء والأزمات لإشعال الغرائز.

ما شاهدنا في موريتانيا فصل من فصول فشل الانتخابات في تحقيق الهدف الذي وجدت من أجله. السؤال الذي سيظل مطروحا كواحد من أكبر التحديات الفكرية والسياسية هو هل يمكن تصوّر تقييم من يحكم والتداول السلمي على السلطة بآلية أخرى غير الانتخابات الإشهارية، بعبارة أخرى هل يمكن تصور ديمقراطية دون انتخابات؟.

ماذا الآن عن النصف الملآن للكأس؟ إنه يتمثل في خبرين طيبين لكل الديمقراطيين العرب الذين قد تكون الأحداث الأخيرة أحبطتهم.

الخبر الطيب الأول هو مقاومة الشعب الموريتاني ونخبه للانقلاب وتواصل هذه المقاومة بل توقع احتدادها. فمنذ اليوم الأول والجنرال الانقلابي مواجه بحركة شعبية وسياسية أجبرته على التفاوض. بداهة انتهى سيناريو "ينصر من أصبح" أي استكانة المجتمع لراكب الدبابات صبيحة البيان رقم 1. معنى هذا أن الشعب نضج أيضا وليس فقط الاستبداد، وأن هذا الأخير مواجه هو الآخر بأيام صعبة لحظة "تنتهي السكرة ويحضر الدائنون" وهي جدّ قريبة.

"
ما زال أمامنا طريق شاق وطويل لفرض الحكم الرشيد الذي هو أملنا الوحيد في الخروج من التخلف والتشتّت والتبعية وأننا قد نتقدم خطوة لنتراجع خطوات
"
الخبر الطيب الثاني هو متعة رؤية جنرالين يركضان من حفل انتخابي لمحفل انتخابي ويلهثان للحصول على الأصوات ويمارسان اللعبة السياسية وفق قواعد ربما سخروا منها كثيرا يوما ما في مجالسهم الخاصة. ألا يعني هذا أن المشروع الديمقراطي العربي تقدّم بما فيه الكفاية –ولو على هذه الرقعة الصغيرة الكبيرة من أرض الوطن- وقد اتضح للجميع وعلى رأسهم الانقلابيين غلبة قوة الشرعية على شرعية القوة .

ما يجهله كل المتلاعبين بالانتخابات أنهم يدخلون الفخّ الذي سيطبق عليهم –أو على أتباعهم– يوما. فالقبول بالانتخابات على علاتها وحتى بالتزييف، اعتراف بتفوق الديمقراطية على الاستبداد ومحاولة بائسة لاستغلال مؤسساتها. لكن من يستطيع ضمان قدرة التحكم في لعبة كهذه وكل الأطراف مستنفرة لفرض احترام قواعدها الحقيقية؟ والحصيلة من كل هذه التجربة التي تتأرجح من نجاح إلى فشل ومن فشل إلى نجاح.

بديهي أنه ما زال أمامنا طريق شاقة وطويلة لفرض الحكم الرشيد الذي هو أملنا الوحيد في الخروج من التخلف والتشتّت والتبعية وأننا قد نتقدم خطوة لنتراجع خطوات. لكن من البديهي أن ما نعاني منه نحن الحالمون الحاملون للمشروع العظيم، هو لا شيء بالمقارنة مع ما سيعانيه حفنة من المتخلفين تاريخيا الذين لم يفهموا عمق تعطش الشعوب والأمة لنظام سياسي جديد ولا يقدرون أن سدّ القش لا يقف طويلا أمام النهر الهادر.

المصدر : الجزيرة

التعليقات