الجيرة القلقة
ازدواجية المواقف
استغلال المحنة
العرب والعراق

يشوب الغموض نظرة النخب العربية المثقفة إزاء التطورات الأخيرة في إيران، ما بين الحزن والأسف أو الشماتة والانتظار عن ما ستسفر عنه في قادم الأيام.

ولعل هذا التشوش في النظرة والموقف من إيران يعود إلى عوامل خارجية واستقطابات وملفات غاية في التعقيد لسنا في صدد بحثها، يتعلق بعضها بملف إيران النووي وطموحاتها الإقليمية المتنامية أو ربما بسبب نظرة دينية ومذهبية ضيقة ومغلقة، لكن هذا التعقيد لا ينفي وجود مبررات موضوعية وذاتية تقف وراء المخاوف والهواجس من طبيعة وأبعاد المشروع الإيراني في المنطقة.

وكعادة هذه النخب والتي يقع على عاتقها تحديد بوصلة الشعب العربي وصياغة تصوراته وأحكامه وتوجهاته، فالطريقة المعهودة لديها في قياس الأمور هي النظرة الأحادية التي تختلط فيها مستويات المصالح وتتداخل أولويات التهديدات، وكثيرا ما تقع في فخ النظر من زاوية واحدة، وتفتقر إلى الرؤية الشمولية والمركبة كمحصلة نهائية لحاصل الجمع والطرح وتفاعل وتكامل الرؤية من كافة الزوايا.

والنتيجة إما مع إيران أو ضدها، فعلى سبيل المثال أن ما قد يحسب لإيران في فلسطين ولبنان ، يقابله ما يحسب عليها خصوصا في العراق وبقية المنطقة.

وبقدر تعلق الأمر بالدور الإيراني في العراق فقد تنامت لدى العراقيين منذ بداية الاحتلال علامات تعجب ثم ما لبثت أن تحولت إلى علامات استفهام كبيرة وأسئلة تحوم حولها الشكوك والاتهامات حول النوايا الحقيقية لإيران في العراق.

الجيرة القلقة

"
في الحرب التي امتدت على طول عقد الثمانينيات تمكن العراق بدماء أبنائه من امتصاص المد الإيراني المندفع بقوة وتأجيل زخمه مدة ربع قرن باتجاه دول الخليج والمشرق العربي، ذلك الزخم الذي اتخذ شعار تصدير الثورة غطاء له
"
لا يمكن الإنكار عند استعراض طبيعة العلاقة التاريخية والجغرافية بين العراق وإيران في أن سمة عدم التعاون والصراع والحذر في أحسن الأحوال كانت هي السمة الغالبة في وتيرة هذه العلاقة، وتعود هذه الخاصية لاعتبارات حضارية وجغرافية متكررة وإن اتخذت ستارا سياسيا أو مذهبيا في مراحل لاحقة، فمنذ فجر التاريخ يؤدي العراق وظيفة إستراتيجية من خلال موقعه الجغرافي تتمثل بوقوفه نيابة عن الوطن العربي كمصد أول ضد طموحات وموجات توسع الإمبراطورية الفارسية في كافة مراحلها، فالأقوام التي تقطن على الهضاب والصحارى الجرداء تتطلع وتنجذب دائما نحو سهول وادي الرافدين وما تحتويه من خيرات، التي طالما أغرت هذه الأقوام وكلما أمكن ذلك في النظر والنزول إليها.

ولعل الصفحة الأقسى من نوبات الصراع الدامي بين العراق وإيران في العصر الحديث، كانت تلك الحرب التي امتدت على طول عقد الثمانينيات من القرن المنصرم، في هذه الحرب تمكن العراق بدماء أبنائه من امتصاص المد الإيراني المندفع بقوة وتأجيل زخمه مدة ربع قرن باتجاه دول الخليج والمشرق العربي، ذلك الزخم الذي اتخذ شعار تصدير الثورة غطاء له، وراهن على مظلومية طائفة ومذهب في العراق في استسهال اجتياح العراق، رافعا شعار تحرير العراق وأن طريق القدس يمر عبر بغداد.

وفي هذه الحرب الضروس ثمة درسان بليغان ينبغي الالتفات إليهما، الدرس الأول أن القيادة العراقية وخلال الحرب ورغم ضراوة القتال كانت تثقف طلبة المدارس على أن العدو الأول بالنسبة للعراق هو إسرائيل وليس إيران، والدرس الثاني، أن النسبة الأكبر من الذين قاتلوا طيلة سنين الحرب دفاعا عن العراق وعروبته كانت من أبناء العشائر العربية في وسط وجنوب العراق.

ازدواجية المواقف
جاء احتلال العراق ليشكل زلزالا وصدمة ليس للعراقيين فحسب بل للعرب جميعا، ففي غضون أسابيع ابتلعت الولايات المتحدة الأميركية أقوى دولة عربية عسكريا بعد حصار استمر طيلة عقد التسعينيات، وفي الوقت الذي سقطت فيه معاهدة الدفاع العربي المشترك وسقطت فيه ورقة التوت عن حقيقة النظام الرسمي العربي، وفي الوقت الذي أكتفت فيه تركيا في بداية الاحتلال بملفي الأكراد وكركوك، فإن إيران كان لها شأن آخر في كيفية التعامل مع "الشيطان الأكبر" في العراق.

حين شكلت إدارة الاحتلال في يوليو/تموز 2003 مجلسا للحكم برئاسة حاكم أميركي مدني تم اختيار أعضائه على أساس محاصة طائفية وعرقية وفور تشكيله كانت إيران الدولة الأولى التي اعترفت بهذا المجلس وقبل جميع دول العالم. المحطة الثانية التي كانت مثار استغراب القوى الوطنية العراقية كانت مباركة القيادة الإيرانية لقوى حاكمة في العراق تم تصميمها وتصنيعها في إيران تتبنى فدرالية الجنوب.

ثم جاءت محطة مباركة الدستور الذي وضعه الاحتلال والذي لا يعترف في الباب الأول منه بعروبة العراق. أما التناقض والتساؤل الكبير فقد كان دعم إيران للمقاومة اللبنانية الباسلة التي تقاتل الكيان الصهيوني واعتبارها ممثلا حقيقيا للشعب اللبناني في الوقت الذي يتم الاعتراف فيه بحكومة يترأسها ممثل "الشيطان الأكبر"، ويتم دعمها في حين توصف المقاومة العراقية الباسلة -وهي شقيقة المقاومة اللبنانية وتقاتل نفس العدو- بأنها وكل من يعارض حكومة الاحتلال بأنهم "فاسقون". عشرات المحطات والأسئلة التي بقيت بدون أجوبة.

إستغلال المحنة

"
تمكنت إيران بذكاء وبتدرج من احتواء وترويض الثور الأميركي في العراق, فهي تارة تساعد في تكريس ودعم عملية الاحتلال السياسية, وتارة تناور خارج العملية السياسية من خلال دعم وتسليح العشرات من المجاميع لإثارة الاضطرابات
"
تمكنت إيران بذكاء وبتدرج من احتواء وترويض الثور الأميركي في العراق من خلال سياسة الشد والإرخاء، فهي تارة تساعد في تكريس ودعم عملية الاحتلال السياسية من خلال الاعتراف الفوري بكافة محطاتها وزج أدواتها للمشاركة بفعالية في هذه المحطات وتشجيع الكثير من المليشيات والمجاميع العسكرية المرتبطة بها على الانخراط في أجهزة الأمن والشرطة إلى حد التحكم عن بعد بوزارتي الدفاع والداخلية.

ومن جهة أخرى تناور خارج العملية السياسية من خلال دعم وتسليح العشرات من المجاميع الخاصة لإثارة الاضطرابات بل وضرب القوات الأميركية، والتحكم بالهدنة أو مواصلة القتال، الأمر الذي دفع في نهاية المطاف الثور الأميركي إلى الاعتراف بقوة النفوذ الإيراني والتعامل معه كلاعب رئيسي في العراق بل والتفاوض معه على هذا الأساس إلى الحد الذي طالب فيه الرئيس الإيراني بملء الفراغ في العراق في حال انسحاب القوات الأميركية من العراق.

من الواضح أن إيران بالإضافة لحقها الطبيعي في الدفاع عن نفسها فإن لديها مشروعا توسعيا قوميا واضحا في العراق، لا يختلف في جوهره عن أي حلقة من حلقات الصراع الحضاري المزمن، بغض النظر عن غطاء وستار المظلومية ودغدغة المشاعر الطائفية الذي تتخذه كإستراتيجية ناعمة لمد نفوذها وزعانفها انطلاقا من العراق كمنصة لابتلاع المنطقة تدريجيا، وتسعى من خلال ذلك لتحقيق ثلاثة أهداف:

- استثمار ورقة العراق واعتباره ساحة لتحسين شروط تفاوضها مع الولايات المتحدة والغرب بخصوص الملف النووي.

- ابتلاع العراق كمنطقة مجال حيوي لها من خلال فرض وتكريس نفوذها العسكري والأمني والاقتصادي والسياسي من خلال دعم حكومة مزدوجة الولاء، ظاهرها أميركي وباطنها إيراني.

- إزالة العراق كحجر زاوية في توازن المنطقة وإبقاؤه دولة مفككة وضعيفة وضمان طمس هويته العربية والإسلامية.

العرب والعراق
تبقى مفاهيم علاقات حسن الجوار وعدم التدخل بالشؤون الداخلية مفاهيم غامضة ما لم تخضع لمعايير واختبارات واضحة، وبالنسبة للعراقيين فإن الأمور باتت شديدة الوضوح فيما يخص دور إيران السلبي في العراق، ولكنهم في نفس الوقت يدركون جيدا في ترتيب أولويات المخاطر التي تهددهم، بأن الاحتلال الأميركي هو الأولوية الأولى، ثم يليه في الخطر النفوذ الإيراني وهذا النفوذ في حال هزيمة الاحتلال، سيتقلص وتزول أذنابه من العراق لأنه يعيش طفيليا ويرتبط مصيره ببقاء الاحتلال.

"
يبدو أن العد التنازلي لإيران في تذوق نفس الكأس التي سقي منها العراق قد بدأ، فالشرخ الداخلي العميق في بنية النظام آخذ في الانتشار والتوسع على عدة مستويات خطيرة سواء شعبية أو سياسية أو دينية
"
ومن الواضح أيضا أن العراقيين وهم يقاتلون لانتزاع استقلالهم، وفي الوقت الذي يرفضون فيه أن تجعل إيران من العراق ساحة لتصفية حساباتها مع الغرب، فإنهم في ذات الوقت لن يكونوا حطبا ووقودا ولن يخدعوا مرة أخرى ليقاتلوا نيابة عن مشاريع دول أخرى في المنطقة وأجندات أجنبية، تحاول أن تتلاعب بهم وبأولويات الصراع في العراق طبقا لمصالحها تحت أغطية ومحاور تقوم على أسس مذهبية وليست موضوعية، ستساهم بصورة أو بأخرى في تعميق وإثارة الفتنة والتقسيم في العراق.

كما آن للعرب ابتداء بالنظام الرسمي العربي أن يعرف بأن عروبة العراق ووحدته خطا أحمر في التعامل مع ما يجري في العراق، وأن الذي يقاوم الاحتلال في العراق اليوم إنما يقاتل نيابة عن هوية ومستقبل ومصير الأمتين العربية والإسلامية، وعلى العرب دعم الشعب العراقي بكافة مكوناته ابتداء بمقاومته الباسلة وانتهاء بالمراجع الدينية والعشائر العربية الأصيلة في جنوب العراق.

ويبدو أن العد التنازلي لإيران في تذوق نفس الكأس التي سقي منها العراق قد بدأ، فالشرخ الداخلي العميق في بنية النظام آخذ في الانتشار والتوسع على عدة مستويات خطيرة سواء شعبية أو سياسية أو دينية، وكجسم السد فإن التشققات والتصدعات الداخلية قد لا تكون ظاهرة للعيان لكنها قد تتسارع إذا ما تزامنت مع فعل خارجي وتؤدي إلى انهيار مفاجئ (suddenly failure)، فهل ستعيد إيران حساباتها مع العراق والعرب، وهل ستتعظ من دروس التاريخ وفي مقدمتها المثل المعروف "من يزرع الريح في أرض غيره يحصد العواصف في أرضه".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك