مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


التزامات خارطة الطريق
تعقيدات الوضع الفتحاوي الداخلي
العصبية الحزبية
هيمنة فياض
سلبية الفصائل الصغيرة

مع اقتراب الميقات المضروب لكل جولة حوار فلسطيني– فلسطيني تتصاعد الآمال تباعا بقرب التوافق والانفراج، ولا يلبث مؤشر التوقعات حتى ينكفئ إلى الخلف ليعود التشاؤم سيد الموقف، وتبدأ الجهود المصرية تستعيد عافيتها من جديد على أمل إنجاز أي شكل من أشكال التوافق الوطني الفلسطيني، أيّاً كانت صيغته أو درجته، في سباق محموم مع الزمن المثقل بوابل من الألغام والتحديات.

ومما يبدو فإن مستوى التعقيدات والحساسيات الكامنة في الملفات المطروحة، اضطر المصريين إلى النزول على خيار تحقيق اتفاق جزئي محدود يدير الأزمة بآليات مؤقتة تعالج الأمر الواقع بحقن مُسكّنة فحسب، وذلك بديلا للحل التوافقي الشامل الذي ينهي الانقسام السياسي والجغرافي، ويؤسس لمرحلة جديدة من العمل الوطني المشترك القائم على الشراكة السياسية المتوازنة والالتزام المهني بمبادئ القانون والدستور الفلسطيني.

لكن العائق الأكبر لا يكمن في بلوغ التوافق الفلسطيني الجزئي، بقدر ما يرتبط بجملة المثبطات والمضادات التي تنتصب بقوة في وجه أي اتفاق مستقبلي أيا كان، فيما لو تم، وصعوبة بل تعذّر تطبيقه في ظل المعطيات والظروف الراهنة.

التزامات خارطة الطريق

"
الرعاية الأميركية الكاملة للملف الأمني الفلسطيني عبر إشراف المنسق الأميركي الجنرال "كيث دايتون" تعتبر الحائل الأكبر أمام تكريس أسس وقواعد المصالحة الفلسطينية الداخلية
"
تبدو الالتزامات الواردة في خطة "خارطة الطريق" أول المضادات الكفيلة بتفجير أي اتفاق فلسطيني داخلي، ونسفه من جذوره كأنه لم يكن!

فقد تبرم فتح اتفاقا ما مع حماس، إلا أن مسار التطبيق سيصطدم بصخرة خطة "خارطة الطريق"، وما تحويه من التزامات سياسية وأمنية مفروضة وغير قابلة للردّ أو حتى المناقشة والتأجيل.

في الشأن السياسي، لا تخرج الرؤية المطروحة عن الرؤية الأميركية لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والقائمة على حل الدولتين في إطار الالتزام باتفاقات أوسلو التي تُقرّ بشرعية إسرائيل وتنبذ المقاومة، مع ما يشوب مفهوم إقامة الدولة من غموض والتباسات لا تخفى على أحد.

ولا يبدو في الأفق ما يؤشّر إلى أي تحوّل في الموقف الأميركي إزاء هذه الرؤية التي تقف حاجزا منيعا أمام حركة حماس للدخول إلى حقل العمل السياسي، إقليميا ودوليا.

أما في الشأن الأمني فإن الرعاية الأميركية الكاملة للملف الأمني الفلسطيني عبر إشراف المنسق الأميركي الجنرال "كيث دايتون" تعتبر الحائل الأكبر أمام تكريس أسس وقواعد المصالحة الفلسطينية الداخلية.

فالسلطة الفلسطينية، وعمودها الفقري حركة فتح، تبدي التزاما صارما وتطبيقا حديديا للالتزامات الأمنية التي يتعهدّها دايتون عبر خطط أمنية تتناول مناحي التدريب والتطوير والتثقيف والتعاون الأمني المشترك مع الاحتلال الإسرائيلي.

وفي إطار هذه الالتزامات، التي يزداد التمسك بها والإصرار على تنفيذها يوما بعد يوم، تبدو الاعتقالات والحملات الأمنية، وأشكال التنسيق والتعاون المشترك مع وحدات الجيش الإسرائيلي، في إطار مواجهة فصائل المقاومة الفلسطينية على أرض الضفة الغربية، أمرا طبيعيا وشيئا مألوفا.

وما دامت مقصلة العمل الأمني في الضفة دائرة ضد عناصر حماس بشكل خاص، وناشطي المقاومة بشكل عام، بموازاة القيود والاشتراطات السياسية الثقيلة، فإن أي اتفاق فلسطيني داخلي لن يعمّر طويلا، وقد يدفن في مهده قبل أن يرى النور ويعانق الضياء.

تعقيدات الوضع الفتحاوي الداخلي

"
درجة ومستوى التوافق الفتحاوي الداخلي يتناسب عكسيا مع درجة ومستوى التوافق مع حماس، مما يعني أن المصلحة الفتحاوية الداخلية تعمل بشكل متناقض مع المصلحة الوطنية القائمة على التوافق الوطني بين مختلف الفصائل الفلسطينية
"
يمثّل الواقع الفتحاوي الداخلي عقبة أخرى أمام إنجاز المصالحة الفلسطينية الداخلية، وشكلا من أشكال الإعاقة والتأجيل لأي مشروع توافقي لانتشال الفلسطينيين من أزمتهم الداخلية.

قد لا يدرك كثيرون أن فتح تعتاش على أزمة علاقتها مع حماس، وأن حال الصدام والانقسام مع حماس قد منح الوضع الداخلي لفتح فرصة ذهبية لتجاوز الكثير من ألوان التشظّي والتردي والصدام الداخلي، وأسهم في جمع الكلمة والموقف الفتحاوي في مواطن كثيرة ضد "المدّ الحمساوي" وزحفه المطرد على المستويات الشعبية والسياسية والوطنية.

ولعل الملاحظة الأبرز في هذا السياق أن درجة ومستوى التوافق الفتحاوي الداخلي تتناسب عكسيا مع درجة ومستوى التوافق مع حماس، مما يعني أن المصلحة الفتحاوية الداخلية تعمل بشكل متناقض مع المصلحة الوطنية القائمة على التوافق الوطني بين مختلف الفصائل والتنظيمات والتيارات السياسية والفكرية العاملة على الساحة الفلسطينية.

ففي أوقات الرخاء الوطني السابقة، حيث هدوء واستقرار العلاقات الداخلية، تميز الوضع الفتحاوي الداخلي بكثير من التشنّج والاضطراب، وكانت تعتمل فيه كثير من نزعات الصراع الداخلي التي تُوفرها أجواء التنافس المشروع وغير المشروع على السلطة والمناصب والامتيازات ومواقع الريادة التنظيمية.

لكن التناقضات والصراعات الفتحاوية الداخلية سرعان ما كانت تتراجع على وقع أي بادرة احتكاك أو اصطدام مع حماس، إلا أن تراجعها يبقى مؤقتا ومرهونا بتواصل وإدامة اشتعال الخلاف مع حماس التي تشكل بؤرة استهداف مركزية لكافة القطاعات والتيارات والأجنحة الفتحاوية.

وقد شكلّ "الحسم العسكري" لحماس في غزة، وما أفرزه من انقسام في حياة الفلسطينيين، نقطة توحّد والتقاء هامة لكافة أجنحة ومستويات فتح، وعامل تعبئة وتحشيد تجلت آثاره في أشكال الملاحقة الأمنية التي تتعرض لها حماس في الضفة حاليا، ودعم غالبية القطاعات والمستويات القيادية الفتحاوية لها.

وفي ضوء هذه الرؤية، فإن فرص إبرام اتفاق فلسطيني داخلي تبدو ضعيفة قبل موعد انعقاد المؤتمر العام السادس لفتح المقرر في الرابع من شهر أغسطس/آب المقبل إذا ما تم عقده، إذ أن أحدا داخل فتح لا يحمل على عاتقه "وزر" المجازفة بتوقيع اتفاق مع حماس "الخصم اللدود"، يُنظر إليه على أنه يلبي مصالحها ويمنحها طوق النجاة، مما سيؤثر –بشكل كبير- على حظوظ فوزه في بازار الانتخابات الداخلية، ويجعل منه هدفا سهلا للدعاية المضادة التي لا تعرف القيم أو المبادئ والمعايير الأخلاقية، ويضعه موضع الاتهام والتشكيك والانتقاص.

العصبية الحزبية

"
لا تبدو حتى اللحظة أي بادرة تنازل إستراتيجية من قبل حماس، مما يُوفر أرضية خصبة للتشاؤم إزاء فرص نجاح جولة الحوار القادمة، أو فرص نجاح أي اتفاق مستقبلي بين الطرفين
"
ويُقصد بها الحرص على تحقيق المنفعة الحزبية البحتة، والمصلحة الفصائلية الضيقة التي تتعارض كليا مع المصلحة الوطنية، وسبل استنقاذ الوطن من معضلاته الراهنة.

فالواضح أن السلوك الفتحاوي التفاوضي في إطار الحوارات الجارية مع حماس لا يستهدف بلوغ تسويات مقبولة أو قواسم مشتركة ترضي مختلف الأطراف، بقدر ما يستهدف تكريس المصالح الحزبية، وتعمّد جرّ حماس إلى مربع المواقف السياسية التي تؤمن بها فتح، وإدخالها إلى ذات النفق السياسي الذي دخلته فتح، ولم تخرج منه إلا مثخنة الجراح، مُكلّلة بالهزائم السياسية والتراجعات الشعبية والانتكاسات الوطنية.

ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال إصرار فتح على إغلاق ملف الأجهزة الأمنية العاملة في الضفة في وجه أي حديث عن الإصلاح والتطوير وإعادة البناء على أسس مهنية ووطنية، وقصر الحديث على الأجهزة الأمنية التابعة لحماس في غزة، والتشبث بالتزامات منظمة التحرير كأساس لأي برنامج سياسي تتبناه أي حكومة توافق وطني يمكن تشكيلها، وهو ما يدفع حماس خارج نطاق ملفي: السياسة والأمن، ويقذف بها خارج دائرة التأثير السلطوي تماما.

لقد بلغت العصبية الحزبية بحركة فتح مبلغا بعيدا، فهي ترهن المصالحة الوطنية برمتها، التي يتوقف عليها مصير الوطن والقضية، لأجنداتها الخاصة، وتقرن أي تطور على صعيد الحوار بتنازل مقابل من حركة حماس عن مواقفها الإستراتيجية وثوابتها الأساسية، مما يستدعي إلى الوعي جزما أكيدا بأن الأمر يتعلق –في أحد جوانبه- بمحاولة تجريد حماس من أوراق قوتها الأساسية، وتفريغها من مضامينها السياسية والإستراتيجية، بل وحتى إفقادها مبرر وجودها عبر إلزامها بقبول التزامات منظمة التحرير المتماثلة مع شروط "الرباعية"، وجعلها نسخة مُكرّرة من فتح، تمهيدا لفضحها وطنيا وإسقاطها شعبيا.

ولا تبدو حتى اللحظة أي بادرة تنازل إستراتيجية من قبل حماس، ولا تتوفر أية إشارات -مهما كانت خافتة- عن حدوث ذلك مستقبلا، مما يُوفر أرضية خصبة للتشاؤم إزاء فرص نجاح جولة الحوار القادمة، أو فرص نجاح أي اتفاق مستقبلي بين الطرفين.

هيمنة فياض
لم يدخر سلام فياض لحظة واحدة منذ استلامه مقاليد الحكومة في رام الله في تثبيت أقدامه في طول وعرض الوطن الفلسطيني، ولم يقصّر في تسويق ذاته على أنه المنقذ المنتظر للوضع الفلسطيني الغارق في أوحال المحن السياسية والأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

فعلى المسار السياسي عمل على تعزيز علاقته مع الإدارة الأميركية كونه مرشحها المفضل في فلسطين، في مسعى أبلج لا يُخفي طموحات رئاسية مستقبلية، وأقدم على تدشين تحالفات داخلية تتألف من بعض القيادات السياسية الموالية ذات النهج الوصولي، وضمان تبعية وولاء العديد من القيادات الميدانية والكوادر الوسيطة والقاعدية في حركة فتح في الضفة الغربية عبر المنح والعطايا المختلفة وتوظيف المال السياسي.

"
أي اتفاق مصالحة فلسطيني سيكون فياض ضحيته الأولى، مما يدفع للجزم بأن هيمنة ونفوذ فياض، التي تتمدد وتتزايد يوما بعد يوم، ستقف حجر عثرة أمام أي توافق فلسطيني داخلي
"
وعلى المسار الإداري أحكم فياض قبضته على كافة مؤسسات السلطة المدنية والأمنية، وبات الآمر الناهي فيها رغم السلطة النظرية العليا للرئيس عليها، وأضحى الولاء الوظيفي محسوما له فيها بلا منازع، من خلال تحكّمه بشريان الحياة الرئيسي لقطاع الموظفين "الراتب الشهري"، والامتيازات الوظيفية لكبار الموظفين.

وبلغ الأمر حدّ هيمنة فياض على مؤسسات منظمة التحرير من خلال إدخالها إلى دائرة نفوذه المالي، مما يعني تحييد هذه المؤسسات عمليا، وعدم قدرتها على اتخاذ أي موقف مستقبلي تجاه فياض، ووضعها تحت رحمته المالية على الدوام.

وليس سرا أن فياض يعمل وفق نظام إداري محكم، ولا يتوانى في كثير من الأحيان عن التعامل بندّية واضحة مع سلطات الرئيس، مما جعل مؤسسات السلطة في الضفة تقع تحت تأثير هيمنته البالغة وتأثيره الواسع.

ومن أولى البديهيات أن أي اتفاق مصالحة فلسطيني سيكون فياض ضحيته الأولى، مما يدفع للجزم بأن هيمنة ونفوذ فياض، التي تتمدد وتتزايد يوما بعد يوم، ستقف حجر عثرة أمام أي توافق فلسطيني داخلي.

سلبية الفصائل الصغيرة
تحاول الفصائل الصغرى خارج إطار حركتي: فتح وحماس، وخاصة فصائل منظمة التحرير، لعب أي دور، مهما كان، على الساحة السياسية الفلسطينية، لكنها تصطدم بواقع محدودية القدرات والإمكانات التي تملكها بما يؤهلها لخدمة دورها وطموحاتها.

وبدلا من محاولة البحث الجدي والمعمّق في أسباب تراجعها الشعبي وضعف تأثيرها الوطني، فإن هذه القوى والفصائل تجنح إلى الهروب إلى الأمام، وتتقمّص أدوارا ذات أحجام ومقاسات كبرى لا تتناسب –مطلقا- مع أحجامها وأوزانها الحقيقية.

فمنذ بدايات الحوار الأولى حاولت هذه الفصائل الوقوف بموقف الندّ والمساواة إزاء حركتي: حماس وفتح، واشترطت التعاطي معها من قبل الراعي المصري كما التعاطي مع فتح وحماس، وناضلت –بشكل غريب- بغية امتلاك "حق الفيتو" بشأن نتائج الحوار، غير أن محاولاتها تلك ذهبت دون جدوى.

ولعل أكثر ما يثير المفارقة والاستغراب أن فصائل المنظمة على وجه الخصوص تحاول دفع الموقف الفتحاوي نحو مزيد من التشدد، وحجزه عن أي شكل من أشكال التفكير في "التنازل" لصالح حماس من زاوية نظرها، والالتقاء في منتصف الطريق معها.

"
يبدو جليا أن الدعم الواسع الذي تقدمه فتح لفصائل المنظمة في إطار تبادل المصالح والمنافع، يرشّح هذه الفصائل نحو لعب أدوار أكثر سلبية بحق الجهود الرامية إلى بناء التوافق الوطني خلال المرحلة المقبلة
"
ومع استبعاد الحوارات الشاملة الموسعة، وقصرها على اللقاءات الثنائية بين فتح وحماس، ثارت ثائرة فصائل المنظمة، ورفعت عقيرة انتقاداتها للحوار الثنائي، وحمّلته مسؤولية تردّي الواقع الفلسطيني وأزماته المستفحلة، رغم أن حلّ أزمة الانقسام الفلسطيني يكمن في توافق الحركتين الكبيرتين.

وبلغت الأمور ذروتها بإيصال رسالة شديدة اللهجة للمصريين ولوفد فتح أثناء انعقاد الجولة الأخيرة من الحوار، تعلن رفض هذه الفصائل قبول أي اتفاق ثنائي بين فتح وحماس ما لم تكن هي شريكا حاضرا في صياغته وصناعة تفاصيله، وذلك عندما تناهى إلى مسامعها بوادر اتفاق بين الحركتين، مما دفع فتح إلى التراجع عن إبرام الاتفاق.

ويبدو جليا أن الدعم الواسع الذي تقدمه فتح لفصائل المنظمة في إطار تبادل المصالح والمنافع، يرشّح هذه الفصائل نحو لعب أدوار أكثر سلبية بحق الجهود الرامية إلى بناء التوافق الوطني خلال المرحلة المقبلة.

باختصار، فإن معضلة الحوار الفلسطيني الداخلي لا تقف عند حدود إبرام اتفاق شامل أم جزئي، على ضعف احتمالاته، وإنما في انتصاب مضادات كبرى ذات تأثيرات بالغة وإمكانات كبرى قادرة على كبح وإفشال أي اتفاق، مهما كان، في مهده، والحكم عليه بالإعدام قبل أن تُنفخ فيه روح الحياة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات